نماذج من رموز الفكر المصرى – أحمد لطفي السيد

طلعت رضوان  طلعت رضوان

شهد عصر محمد على (1805- 1848) نهضة فكرية فى الواقع المصرى، بعد مئات السنين من الظلم والظلام، بسبب الغزوات العديدة التى تعرّض لها شعبنا واحتلال أراضينا، من دول عديدة وجنسيات مختلفة، سواء فى العصور القديمة (الهكسوس، الفرس، اليونان، الرومان) أو فى العصر الوسيط (العرب، وما تبع احتلالهم لمصر من أنظمة ارتدتْ رداءً خادعًا تحت اسم ” الخلافة الإسلامية “) حتى كانت المحطة الأخيرة فيما يُسمى (الفتح العثمانى) و(الخلافة العثمانية) وكأنّ مصر (شقة مغلقة) طوال عمر تاريخها وتنتظر من (يفتحها) وكان هذا (الفتح العثمانى) من أسوأ أشكال الاحتلال، كما أجمع على ذلك المؤرخون الذين رفضوا وضع عقولهم داخل أية قوالب، إلى أنْ حدث الانعتاق فى عصر محمد على بظهور عدد من المفكرين المصريين الذين رفعوا راية التنوير، ورفض كل الغزاة والمحتلين، لا الإنجليز ولا العثمانيين، فى رد على مصطفى كامل الذى كان ينحاز للاحتلال العثمانى. 

وقد تواكب مع حركة النهضة المصرية منذ بداية القرن 19 ظهور عدد من المفكرين المصريين الذين أثروا الواقع الثقافى كان من بينهم أحمد لطفى السيد (1872- 1963) الذى ترجم بعض كتب أرسطو. وأنشأ (مع آخرين) صحيفة الجريدة عام 1907وجاء فى افتتاحية العدد الأول ((الجريدة صحيفة مصرية. شعارها الاعتدال ومراميها إرشاد الأمة المصرية إلى أسباب الرقى. وإخلاص النصح للحكومة والأمة. تنقد أعمال الأفراد وأعمال الحكومة بحرية تامة أساسها حُسن الظن)) وبعد ظهور صحيفة الجريدة ببضعة شهور تم الإعلان عن (حزب الأمة) يوم 21 ديسمبر1907وتضمّن برنامجه عدة مبادىء على رأسها المطالبة بالاستقلال التام (خروج الإنجليز من مصر) والمطالبة بالدستور. وعندما أعلن الحزب برنامجه اعترض الشيخ على يوسف صاحب صحيفة المؤيد على مطلب الاستقلال التام، لأنّ معنى هذا خروج على الدولة العثمانية ((صاحبة السيادة الرسمية على مصر)) كان لطفى يعنى باسم الحزب (الأمة المصرية) ومن هنا كانت كل كتاباته عن تعميق مغزى (القومية المصرية) وكان الجناح الثانى فى مشروعه الفكرى (علمنة مؤسسات الدولة) بترسيخ آليات الليبرالية. وكان الوطن مُحرّك هذيْن الجناحيْن. 

كتب ((نشأتُ فى أسرة مصرية لا تعرف لها إلاّ الوطن المصرى. ولا تعتز إلاّ بالمصرية. ولا تنتمى إلاّ إلى مصر. ذلك البلد الطيب الذى نشأ التمدن فيه منذ أقدم العصور. وله من الثروة الطبيعية والشرف القديم ما يكفل له الرقى)) ولأنّ مفهوم الوطن راسخ فى وجدانه، كتب بوضوح أكثر((إننا نحن المصريين نحب بلادنا ولا نقبل مطلقــًا أنْ ننتسب إلى وطن غير مصر، مهما كانت أصولنا حجازية أو سورية)) (الجريدة 9/1/1913) وكتب أيضًا ((كنتُ منذ زمن طويل أنادى بأنّ مصر للمصريين. وأنّ المصرى هو الذى لا يعرف له وطنــًا آخر غير مصر. أما الذى له وطنان : يُقيم فى مصر ويتخذ له وطنــًا آخر على سبيل الاحتياط، فبعيد عليه أنْ يكون مصريًا بمعنى الكلمة. ولكننى أريد أنْ يتحمّل كل قاطن فى مصر من الواجبات ما يتحمّله المصريون لتحقيق القومية المصرية. فقد كان من السلف (مثل جمال الدين الإيرانى الشهير بالأفغانى – ط. ر) من يقول بأنّ أرض الإسلام وطن لكل المسلمين. وتلك قاعدة استعمارية تنتفع بها كل أمة مستعمرة تطمع فى توسيع أملاكها ونشر نفوذها كل يوم فيما حواليها من البلاد. تلك قاعدة تتمشى بغاية السهولة مع العنصر القوى الذى يفتح البلاد باسم الدين. ولهذا أصبحتْ هذه القاعدة لا حقّ لها من البقاء. لأنها لا تتمشى مع الحال الراهنة للأمم الإسلامية وأطماعها. فلم يبق إلاّ أنْ يحل محلها المذهب الوحيد المُتفق مع كل أمة شرقية لها وطن محدود وهو مذهب الوطنية. ولا يُفهم مما أقول أنى كنتُ أدعو إلى التفريق بين العناصر المؤلفة لكتلة السكان المصريين، بل على ضد ذلك كنتُ أدعو للجامعة المصرية. دعوتُ الذين يتبرّمون من الجنسية المصرية التى كسبوها بالإقامة فى مصر أنْ لا يفروا بأحاديثهم وبأعمالهم من الانتساب إلى هذه الجنسية. إنهم يُقيمون فى مصر بأجسادهم وعقولهم وقلوبهم تتجه غالبًا خارج حدودها إلى الأوطان التى ضنـّتْ عليهم بخيرها. إنّ مصريتنا تقضى علينا أنْ يكون وطننا هو قبلتنا. وأنْ نـُكرّم أنفسنا ونـُكرّم وطننا فلا ننتسب إلى وطن غيره ونخصه بخيرنا)) (قصة حياتى – من ص 107- 109)  أحمد لطفي السيد

وبهذا يكون لطفى السيد قد امتلك شجاعة الرد على التوجه الأصولى الذى بدأه جمال الدين الإيرانى الشهير بالأفغانى الذى طلب من المسلمين أنْ ((يعتصموا بحبال الرابطة الدينية التى هى أحكم رابطة اجتمع فيها التركى بالعربى والفارسى بالهندى والمصرى بالمغربى. وقامت لهم مقام الرابطة الجنسية)) (العروة الوثقى 24/8/1884) وكتب ((لا جنسية للمسلمين إلاّ فى دينهم)) (العروة الوثقى 26/7/1884) وكرّر نفسه فكتب ((علمنا وعلم العقلاء أجمعين أنّ المسلمين لا يعرفون لهم جنسية إلاّ فى دينهم واعتقادهم)) (العروة الوثقى 14/8/1884) أما أخطر ما روّج له فهو محاولة إقناع الشعوب بالاحتلال الأجنبى وعدم مقاومة الاستعمار تأسيسًا على قاعدة (الرابطة الدينية) التى ألحّ عليها كثيرًا فى كتاباته فكتب ((أرشدنا سير المسلمين من يوم نشأة دينهم إلى الآن (أنهم) لا يتقيّدون برابطة الشعوب وعصبيات الأجناس. وإنما ينظرون إلى جامعة الدين. لهذا نرى المغربى لا ينفر من سلطة التركى. والفارسى يقبل سيادة العربى. والهندى يذعن لرياسة الأفغانى. لا اشمئزاز عند أحد منهم ولا انقباض)) (العروة الوثقى 28/8/1884) 

ردّ لطفى السيد على ذاك التوجه الأصولى الهادم للإنتماء الوطنى فكتب ((إنّ أرض الإسلام وطن لكل المسلمين هى قاعدة استعمارية يفضح التحدث بها كل أمة مستعمرة تطمع فى توسيع أملاكها ونشر نفوذها)) (الجريدة 16/1/1913) وهو ما كتبه بعد ذلك فى مذكراته. وكتب أيضًا ((الإسلام ليس لمسلم بوطن. فوحدة الاعتقاد الدينى ليست كافية لإقامة وحدة التضامن الوطنى)) (الجريدة 10/3/1907) وفى مقال آخر كتب ((إنّ أول معنى للقومية هو تحديد الوطنية المصرية والاحتفاظ بها والغيرة عليها غيرة التركى على وطنه والإنجليزى على قوميته)) وأوضح ضرورة الاعتماد على الذات، فكان بذلك يرد على الأفكار المطروحة آنذاك، خاصة مصطفى كامل الذى كان يرى ضرورة الارتباط بالدولة العثمانية. وطالب ببقاء الصلة بين عابدين/ ويلز قوية متينة (صحيفة اللواء 18/1/1900) فكتب لطفى السيد يرد على ذاك الوهم ((يجب ألاّ نقع مرة ثانية فى حبال ذلك الوهم القديم الذى كان يُراود أمتنا الوقت بعد الوقت. إذْ كان يُقال مرة أنّ فرنسا ستـُحرّر بلادنا ومرة أنّ الدولة العلية (العثمانية) ستقوى وبحقنا عليها تـُسفك دماء أبطالها لتـُخرج الإنجليز من بلادنا. ثم هى بعد ذلك تتركنا لأنفسنا فى بلادنا أحرارًا. لابد من عزة تربأ بنا عن أنْ نطلب من غيرنا أنْ يأتى ليُحرّر نفوسنا من الرق ومن عبادة القوى. إنّ الاعتماد على المعاهدات الدولية صار مودة قديمة فلا ينفع مصر شيئــًا، وإنما الذى ينفعها هو ألا تنى لحظة واحدة عن العمل لذاتها وعن إثبات شخصيتها وقوميتها)) (الجريدة 2/9/1912) 

وردًا على الذين خلطوا (ولازالو) بين القومية والدين كتب ((إنّ القول بأنّ مصر ليست للمصريين فقط، بل هى وطن لكل مسلم يحل فى أراضيها سواء أكان عثمانيًا أم فرنسيًا أم إنجليزيًا، وعلى ذلك تكون القومية المصرية منعدمة. ومتى انعدمتْ القومية فكيف نفهم الاستقلال)) (الجريدة 1/9/1912) وردًا على دعاة الجامعة الإسلامية أمثال الأفغانى كتب ((الجامعة الإسلامية لا أثر لها فى مصر ولا نظن لها وجودًا فى غير مصر)) (قصة حياتى ص 52والجريدة 7/5/1907) وظنّ كثيرون أنّ الأفغانى (وحده) هو مخترع مصطلح (الجامعة الإسلامية) بينما الحقيقة أنّ الإنجليز لهم دور فى ذلك. كتب لطفى السيد ((إنّ أحسن ما قرأنا فى موضوع الجامعة الإسلامية هو ما ذكره أ. براوان فى خطبته التى ألقاها فى جامعة كمبردج سنة 1903 وأبان فيها أنّ الجامعة الإسلامية هى خرافة ابتدعها دماغ مكاتب التيمس فى فينا)) ولخص لطفى السيد الخطاب الذى ألقاه لورد كرزون فى كلية (عليكره) فى شهر مايو1901 مشيرًا فيه إلى فوائد الدين الإسلامى. وعلق لطفى السيد على ذلك الخطاب قائلا إنه جعل الناس ((يُجمعون على أنّ اللورد أراد أنْ يُصوّر المصريين للإنجليز خصوصًا ولأوروبا عمومًا بصورة أمة غير قابلة للترقى لتسهل بذلك الموافقة على محو الجنسية المصرية التى يُحاول محوها منذ عاميْن لذلك قصد تجسيم الجامعة الإسلامية وعزا لها ما عزا)) (قصة حياتى- من ص 49- 51) 

وعن موقفه من توفيق الذى طرد الإنجليز والده إسماعيل من أجله، كتب لطفى عن التحالف بين توفيق والإنجليز((تبدأ سياسة الوفاق من عهد الخديو محمد توفيق. فقد دخل الإنجليز مصر على وفاق بينه وبينهم. فألغوا الجيش المصرى واستبدلوا به جيشًا صغيرًا ضباطه من الإنجليز. ثم محوا العلوم الحربية. ودلّ هذا التصرف على أنّ الغرض منه إضعاف مصر بإضعاف الجيش. وتلك كانت إحدى نتائج الوفاق والتسليم للإنجليز بعمل ما يُريدون)) (قصة حياتى- ص61) 

وفى ترسيخ آليات الليبرالية كتب عن التعليم ((إنّ الهدف من التعليم الجامعى أساسه حرية التفكير والنقد على وجه الاستقلال، لا الحفظ والتصديق لكل ما يُقال)) (المنتخبات ج2ص38) وفى تعريفه لمفهوم الدولة كتب أنّ لها ((وظائف محدّدة هى الحفاظ على الأمن والعدل والدفاع عن المجتمع ضد العدوان. ويحق للدولة- للقيام بهذه الوظائف- التدخل فى حقوق الفرد. أما ما عدا ذلك فأى تدخل منها جائر. مع العلم أنّ بعض أنواع التدخل أشد خطرًا من سواه، خصوصًا العبث بحرية القضاء أو بحرية الكتابة والقول والنشر وتأليف الأحزاب)) (المنتخبات ج1ص 106، ج2 ص 58) وهاجم قانون الجمعيات الأهلية الذى أصدرته الحكومة ((لأنها سنـّتْ تمثيل الأقليات وفرضتْ أقلية قبطية سياسية وأقلية بدوية سياسية)) وركز فى كل كتاباته على حقوق المواطنين مثل الحرية الشخصية- بمعناها العام- وحرية الفكر والاعتقاد وحرية الكلام والكتابة. وإذا كان الفرد خـُلق حرًا فإنّ الأمة تألفتْ حرة أيضًا. ونادى بضرورة استقلال القضاء. فإنْ لم يكن القضاء حرًا ومستقلا فمصالحنا همل وحريتنا هراء. وعن الصحافة ذكر أنها صانعة الرأى العام وهى الحكومة الحقيقية للبلاد المتمدنة. ولذلك فإنّ ((خير ما تفعل الحكومات لنفسها وللأمة التى تحكمها أنْ تكون مع الصحافة على غاية من التسامح، فلا تقف فى طريق رقيها، لأنّ ذلك وقوف فى طريق حرية الرأى ومصادرة لاعتقاده لا يأتى إلاّ بنتيجة عكسية. أما حرية الخطابة فهى لصيقة بالحرية الشخصية. وأنّ الذين يتعرّضون لحرية الكلام، يُعطلون حقــًا من حقوق الأفراد الطبيعية. وإذا كانت حرية الكتابة من الحقوق التى لا يحل للمشرع أنْ يمسها، فإنّ المساس بحرية الكلام أولى بالتحريم. وعن حرية الاجتماع كتب أنها ((أكثر خطرًا على الظلم من كل حرية سواها. ولا يجوز للمشرع أنْ يمسها من غير أنْ يُؤخر الأمة ويحبسها عن الأخذ بأسباب مدنيتها)) 

Print Friendly
This entry was posted in Horus' Sons ابناء حورس, Secular Figures أعلام العلمانية, طلعت رضوان and tagged , , , . Bookmark the permalink.