عن يهود مصر.. أو انتهاء عصر الديناصورات

 محمود الغيطاني
محمود الغيطاني

 في فيلمه التسجيلي الأول “عن يهود مصر“Jews of Egypt

 وفي جزئه الأول 2012م، حاول المخرج أمير رمسيس -بإصرار يُحسد عليه- تسجيل تاريخ حياة اليهود في مصر، بما كان في هذا التاريخ من ثورات فكرية، وتقدم اقتصادي، وقدر لا يُستهان به من الوطنية والانتماء إلى هذا البلد، وما قدموه للحركة الفكرية، والفنية، والحركة الشيوعية المصرية، والدفاع عن حقوق الإنسان، والأقليات، والمظلومين في هذا الوطن، والفقراء، بل والإسهام الذي أسهموا به في المجال السينمائي، والذي كان يمثله توجو مزراحي، والفنانة ليلى مراد، كما حرص على تسجيل التاريخ المعماري اليهودي في مصر، من معابد، وغيرها من دور العبادة المهجورة، والتي لا تجد من يهتم بها، أو يلتفت إليها، رغم أن هذه الدور جميعها في النهاية هي من التاريخ المعماري المصري، والآثار المصرية، التي لابد ستؤول إلينا، بل ونبه أمير رمسيس تنبيهه المهم جدا، وكأنه يدق ناقوس الخطر، بأن الحكومة المصرية، ووزارة الثقافة المصرية إذا لم تهتم بهذه الآثار اليهودية، فإنها قد تؤول في نهاية الأمر إلى الإسرائيليين الذين قد يُطالبوا بأحقيتهم فيها باعتبارها تراثهم الديني، والتاريخي الذي لابد أن يكون في حوزتهم؛ نظرا لما يلاقيه من الإهمال وعدم الاهتمام.

  ولكن يبدو أن التاريخ اليهودي في مصر لم يكن في حاجة إلى فيلم تسجيلي واحد فقط، بل هو في حاجة ماسة إلى العديد من الأفلام التوثيقية، التي توضح، وتبين أهمية مثل هذا التراث، وما يلاقيه أبناء الجالية اليهودية في مصر من عناء، وكأنهم مقطوعوا الصلة بالوطن الذي يعيشون فيه؛ نظرا للنظرة التي يلاقونها من الجميع باعتبارهم غرباء عن هذا الوطن، أو أنهم ليسوا من أبنائه الذين يعشقونه ربما أكثر من غيرهم ممن ينتمون له؛ ولذلك حرص رمسيس على أن يكون لفيلمه جزءً ثانيا؛ كي يواصل فيه رحلته مع هذا التاريخ الطويل الذي لا ينتهي من التاريخ المصري المهم، والذي قد لا يعرف عنه الكثير جدا من الأجيال شيئا؛ نتيجة لانقطاع الصلة عن هذا التاريخ، حتى أن الكثيرين- إن لم يكن جميعهم- من أبناء الأجيال الحالية قد يندهشون حينما يعلمون أن اليهود كانوا يعيشون بيننا كمواطنين عاديين في بدايات القرن الماضي، بل وأنهم لهم الكثير من الإسهامات الاقتصادية والفنية، والفكرية التي أفادت مصر أيما فائدة، وربما تعود هذه النظرة المندهشة دوما إلى الأفكار المغلوطة، واللعبة السياسية، ومحاولة الخلط الدائم بين الدين اليهودي، والفكر الصهيوني الإسرائيلي، هذه النظرة التي جعلت الجميع تقريبا يرى أن كل ما هو يهودي لابد أن يعني بالضرورة بأنه إسرائيلي، أو صهيوني، وربما يعود أيضا إلى أن اليهود قديما كان يُطلق عليهم إسرائليين، وهي التسمية التي توقف العمل بها بعد إنشاء الكيان الصهيوني في فلسطين، وصار اسمهم يهودا فقط، وليس إسرائليين.

  ويؤكد أمير في فيلمه المهم أنه كان يعيش في مصر في النصف الأول من القرن العشرين قرابة الثمانين ألف مواطن يهودي الديانة، ولكن بعد عام 1948م بدأت رحلة رحيلهم عن مصر سواء إجباريا، أو إراديا، حتى كان الخروج الكبير لهم بعد حرب 1956م، والتي أُرغم فيها اليهود على ترك مصر رغما عنهم من دون عودة، وكأنهم كانوا أعداءً لهذا الوطن رغم الكثير من التضحيات والإسهامات التي قدموها لوطنهم، وربما كان مثل هذا التهجير هو السبة العظمى، والخطأ الأعظم الذي وقع فيه جمال عبد الناصر، إلى جانب اضطهاده الدائم، وملاحقته المستمرة لليسار المصري، ظنا منه أن اليسار كان هو الشوكة، أو العدو الأول له في نظامه المستبد، رغم أنه الفكر الوحيد الذي كان يقف إلى جانبه ويحاول تعضيده.

  قد تأخذنا الدهشة حينما نعلم أن عدد اليهود الموجودين في مصر الآن لا يتعدى عددهم اثنتى عشرة سيدة يهودية فقط، وكلهن جميعا تقريبا أعمارهن فوق الثمانين من العمر، فيما عدا ماجدة هارون- رئيس الطائفة اليهودية في مصر-، وهو الأمر الذي يُنذر باندثار حقيقي ومؤكد لليهود في مصر، لينتهي التواجد اليهودي منها تماما، وكأنهم لم يكونوا موجودين فيها من قبل، ولكن ستظل آثارهم دليلا على تواجدهم هنا ذات يوم.

  يحاول رمسيس من خلال فيلمه المهم توضيح دور اليهود في مصر، وأنهم كانوا مجرد مواطنين حقيقيين يحاولون خدمة هذا الوطن، بل ويعشقونه؛ لأنه وطنهم، فقطاوي باشا على سبيل المثال كان من مؤسسي بنك مصر مع طلعت باشا حرب، وكان دوره لا يقل أهمية عن دور طلعت حرب، كما كان شيكوريل- صاحب المحلات المشهورة في وسط البلد- شريك أساس في بنك مصر، ويوضح الفيلم كذلك الإهمال الذي تلاقيه مقابر اليهود الآن، والتي تحولت إلى مجموعة من الخرائب، رغم أن مقابرهم في مصر هي ثاني أقدم مقابر في العالم، كما أنها كانت المقابر التي تم إهدائها من الحاكم المسلم لليهود عام 400 هجرية، ولكن رغم كل ذلك فهي تلاقي الكثير جدا من الإهمال، مثلها في ذلك مثل معابدهم، وآثارهم التي تركوها في مصر، والتي تكاد تتحول إلى مجموعة من الخرائب، رغم أن بعضها في حوزة وزارة الآثار المصرية.

 نجح أمير رمسيس في الجزء الثاني من فيلمه “عن يهود مصر” أن يجعلنا كمشاهدين نرتبط ارتباطا وجدانيا قويا بيهود مصر، وما تبقى منهم من خلال الطائفة اليهودية التي لا تضم أكثر من اثنتي عشرة سيدة، لاسيما رئيسة الطائفة ماجدة هارون، التي تشعر حينما تشاهدها تتحدث بأنها شقيقة لك، أو أم لك، تُكن لها الكثير من العواطف الشجية، والانتماء لها باعتبارها جزء لا يمكن أن يتجزأ منك، كما نجح في أن يكون الجزء الثاني مفعم بالكثير من العواطف الإنسانية التي تجعلك متعاطفا -من دون أن تشعر- مع هذا التراث المهم، بل ويدفعك أنت شخصيا للدفاع عن هذا التاريخ المصري بامتياز والذي لا يمكن تجاهله بمثل هذه القسوة التي تُمارس ضده، فقط لأنه يهودي؛ مما يُدلل لك بأن هناك لون من ألوان العنصرية القاسية التي تعيش بيننا في هذا الوطن، والتي تحاول دائما تغليب كل ما هو مسلم فقط على حساب ما هو يهودي، أو مسيحي، وكأن هذا الوطن للمسلمين من دون غيرهم، رغم أن الآخرين قد ساهموا مساهمات قد تبدو في بعض الأحيان أهم بكثير مما ساهم فيه المسلمين الذين يتشدقون بأحقيتهم في هذا الوطن.

  ربما كان قول ماجدة هارون: (لازم الشباب المصري يعرف إن أحنا كنا موجودين، صحيح إن أعدادنا قليلة، لكن لازم يترد لنا اعتبارنا، مش زي ما صورونا في الإعلام السنين اللي فاتت كلنا جواسيس، وبخلا، وخونة)، هي جملة من القسوة التي لابد أن تجعلنا نراجع أنفسنا، بل ونراجع الكثير من المفاهيم الخاطئة التي نشأنا عليها نتيجة التلاعب الدائم بين السياسة والدين، أو السياسة والأيديولوجيا، هذا التلاعب الذي صور الكثير- إن لم يكن جميع- اليهود باعتبارهم مجرد خونة، وهو نفس التلاعب الذي صور جميع الشيوعيين باعتبارهم كفارا، أو ملاحدة، وهي اللعبة التي كان يُجيدها نظام عبد الناصر سابقا؛ للتخلص من أعدائه السياسيين؛ لأننا حينما نجد إحدى السيدات اليهوديات التي بلغت من العمر 86 عاما، ولا تسطيع الحركة وحدها تقول:( أنا مقدرتش أسافر عشان بحب مصر، وعايزة أموت في مصر)، لابد أن يتأكد لنا أن هؤلاء المواطنين اليهود كانوا أكثر تمسكا وانتماءً منا لهذا الوطن، فهم كانت لديهم الكثير من الخيارات لترك هذا الوطن، بل وطُلب منهم الهجرة إلى خارج هذا الوطن غير مرة، ولكن لأنهم لا يستطيعون الحياة خارج وطنهم، ولأنهم لم يتصوروا يوما أن يموتوا خارجه، رفضوا هذه الهجرة، وأصروا على الرفض، رغم أن الهجرة ربما كانت أفضل لهم كثيرا من البقاء داخله؛ نظرا لما توفره لهم من حفظ للكرامة وعدم التعامل معهم بشكل من أشكال التعسف، أو التمييز، أو محاولة تجنبهم والحياة داخل الوحدة القاتلة، ولكن الوطن بالنسبة لهم كان أهم كثيرا من شعور التمييز، والوحدة القاسي الذي غرقوا فيه، وهو الأمر الذي تذكره ماجدة هارون حينما تروي ذكرياتها قائلة: أنها عندما كانت في المدرسة الابتدائية حضرت حصة الدين للمسيحيات، وسألتها المدرسة عن ديانتها ولما أخبرتها بأنها يهودية وبختها بقسوة وأهانتها، رغم أن هذه المدرسة كانت يهودية فيما قبل ثم تنصرت، كما تروي كيف أنها كانت في حصة للدراسات الاجتماعية وقالت المدرسة أن اليهود عبارة عن “جرب” في المجتمع وشبهتهم بالحيوانات؛ مما جعل جميع التلميذات يلتفتن إليها باعتبارها اليهودية الوحيدة في الفصل؛ وهو الأمر الذي جعلها تمتنع فيما بعد عن حضور حصة الدراسات الاجتماعية حتى لا تُهان مرة أخرى، وهو الأمر نفسه الذي عالجه والدها- الحقوقي، والمناضل اليساري المهم في التاريخ المصري- شحاتة هارون بأن قال لها: (الطفل الفلسطيني الموجود في إسرائيل يُقال له أكثر مما قيل لك في فصله، وفي مجتمعه، لم تريدين أن تكوني أفضل منه)، وهو الرد الذي ظنت فيه ماجدة في هذه الفترة المبكرة قسوة من والدها رغم أنه لم يكن قسوة، بل فهما لحقائق الأمور.

  السيدة/ ماجدة هارون رئيسة الطائفة اليهودية المصرية

السيدة/ ماجدة هارون رئيسة الطائفة اليهودية المصرية

  ولكن القسوة الحقيقة في التعامل مع يهود مصر تظهر لنا في الموقف الذي تم اتخاذه تجاه شحاتة هارون المناضل اليساري، والحقوقي البارز، حينما كانت ابنته الكبرى مصابة بسرطان الدم “لوكيميا”، وحاول معها الأطباء كثيرا إلا أنهم أشاروا عليه أن يتجه إلى فرنسا من أجل إيجاد علاج لابنته التي كان يفقدها يوما بعد آخر نتيجة استفحال السرطان منها، وحينما طلب شحاتة هارون من السلطات المصرية الإذن بالسفر إلى فرنسا من أجل علاج ابنته وإنقاذ حياتها، وافقوا له على السفر ولكن بشرط عدم العودة إلى مصر مرة أخرى، وهو التعامل الذي كانت تعامله الحكومة المصرية لجميع اليهود في ذلك الوقت، الذي تمثل في أن من يرغب منهم الخروج من مصر لأي سبب من الأسباب لابد أن يكون خروجه بلا عودة، وهنا كان الخيار الصعب للأب شحاتة هارون، الخيار الذي جعله في حالة صراع حقيقي بين حبه المجنون لابنته- حيث كان يحبها حسب تصريح ماجدة هارون حبا لا يمكن تخيله- وبين حبه الجم لوطنه ورغبته في البقاء داخله للنهاية، وهنا كان الخيار الصعب

الفادح القسوة على الأب، الذي فضل البقاء داخل الوطن والحياة داخله؛ الأمر الذي أدى إلى وفاة ابنته بعد استفحال مرضها، وربما كان هذا الموقف ليس بالغريب على المناضل شحاتة هارون الذي سبق وأن رفض حركة التنصير داخل اليسار المصري، والتي قام بها الحزب الشيوعي المصري؛ حتى لا يكون هناك يهودا داخل الحزب ومن ثم يكونون بمثابة التكأة التي قد يهاجم من خلالها أعداء الحزب له، لكنه رفض التنصير تماما، واعتز بكونه يهوديا، له من حقوق المواطنة الكاملة داخل هذا الوطن ما للجميع مثله في ذلك مثل غيره.

  ربما كان هذا الموقف الشديد القسوة هو من المواقف القليلة التي تعرض لها يهود مصر من أجل التهجير من وطنهم، أو التمييز ضدهم، أو التعامل معهم بقسوة لا تليق بهم، وهو ما حدث معهم بالفعل بعد الخامس من يونيو 1967م حينما تم إلقاء القبض على جميع الذكور اليهود من عمر 18 عاما حتى 60 عاما، وهو الأمر الذي استمر حتى نوفمبر من نفس العام، حتى تم تهجير الجميع تقريبا من مصر رغما عنهم، وتتحدث ماجدة هارون في هذا الموضوع حينما تذكر الوقت الذي تم فيه إلقاء القبض على والدها شحاتة هارون، وكيف أنه كان يتلقى الكثير من الصفعات والإهانات داخل المعتقل؛ لأنه كان يخاف على السد العالي باعتباره مشروعا قوميا مهما بالنسبة للوطن، بل كان يتم إلقاء القبض عليه في كل مناسبة يتم فيها اعتقال اليهود، أو حتى اليسار المصري، باعتباره كان عضوا بارزا في الحزب الشيوعي المصري.

  حاول أمير رمسيس من خلال فيلمه الوثائقي عرض العديد من النماذج اليهودية المصرية ممن ظلوا على أرض الوطن، ومنهم “لوسي” التي حصلت على الملايين حينما باعت فيلتها بالرغم من أن هذه الملايين لم تكن هي السعر الأصلي لعقارها، ولكنها أنفقت أموالها على جميع جيرانها من المسلمين حيث اشترت لأحدهم “تاكسي” كي يعمل عليه، وأعطت لآخر أموالا؛ لإنشاء شركة إنتاج سينمائي كما أخبرها، بل وأوهمها أحدهم بأنه قد اشترى لهم شقة في فيصل، وجهزها بالأثاث بمائة ألف من الجنيهات، رغم أن الشقة كانت مؤجرة، بل وكانوا يتركونها بالأيام الطويلة وحدها دون أن يزورها أحد رغم أنها قعيدة ولا تستطيع الحركة وحدها، مما كان يجعلها تظل بالأيام طريحة على الأرض إذا ما وقعت من على مقعدها، غير قادرة على الحركة أو الذهاب إلى تناول طعامها، مما جعل ماجدة هارون تأخذها إلى بيت مسنين للاعتناء بها.

  لا يخلو الفيلم من الحديث عن الآثار اليهودية الموجودة في مصر، وأهمية هذه الآثار بالنسبة إلى تراثنا المحلي، فتحدثنا هارون عن معبد المعادي “بيتو” الذي أنشيء عام 1929م، والذي كان مبنيا على الطراز اليهودي المغربي، والجزائري، وهو لون من ألوان التراث المختلف عما هو موجود في مصر، وتقول هارون في ذلك: (لما بدخل مكان زي دا النهاردا بحس بحزن جامد جدا، كان نفسي لو كان فيه تسجيلات لصلوات قديمة، أملي إني أعمل متحف للتراث اليهودي، إحنا عندنا متحف التراث الإسلامي، ومتحف التراث القبطي، لازم يبقى فيه متحف التراث اليهودي، فيه في مصر 13 معبد منهم 11 تحت رعاية الآثار)، كما تذكر هارون بأن معبد ابن ميمون مغلق، رغم أن ابن ميمون هذا كان طبيب صلاح الدين الأيوبي، وتقول: (المفروض الناس تحافظ على الحاجات دي؛ لأن الحاجات دي بتاعتها، وتاريخها، ما الناس يتروح تزور الكنيسة المعلقة، وبتزور جامع عمرو بن العاص، ليه مش بتروح تزور المعابد اليهودية.. دي جزء من تاريخها لا يمكن محوه).

  ولعلنا مما قالته ماجدة هارون، يتضح لنا مدى الإهمال والتمييز القاسي الذي يتعلق بكل ما هو يهودي التراث، بل وإهماله إهمالا جسيما، بل ويبدو لنا مدى الحزن المطلق الذي تشعره هارون من إهمال كل هذا التراث، وهذه الأماكن الروحية التي وجدت من أجل أن يُذكر فيها اسم الله، ولكن لمجرد أنها أماكن تخص اليهود تلاقي كل هذا الإهمال الجسيم، حتى أن ماجدة هارون تتمنى مجرد أمنية أن تُفتح المعابد اليهودية من أجل الزيارة، وجعلها أماكنا ثقافية، يُمارس فيها النشاط الثقافي، أو عرض الأفلام السينمائية داخلها، أو حتى قراءة القرآن الكريم، أو التراتيل والصلوات المسيحية فيها؛ لأنه في هذه الحالة سوف تقوم هذه الأماكن برسالتها التي أُنشئت من أجلها.

  فالمرأة هنا ترى أن هذه المعابد قد تؤدي دورها من خلال العديد من الأنشطة التي قد تخدم وطنها ومجتمعها؛ لأنها تثق تمام الثقة أن هذه المعابد لن تُؤدى فيها الصلوات التي أُنشئت من أجلها مرة أخرى، بعد أن انتهى تقريبا وجود اليهود في مصر، ولذلك صار الأهم بالنسبة لها أن تقوم هذه الأماكن بأي دور لها نظرا لأهميتها.

  تقول ماجدة هارون بحزن طاغ عليها: (أكيد آخر ديناصور كان حزين؛ لأنه كان فيه ديناصورات واندثرت، احنا شبههم، هنندثر، ودا إحساس ثقيل، وحزين، ويغم).

  فيلم “عن يهود مصر” الذي قدمه المخرج أمير رمسيس في جزئيه الأول والثاني، هو من الأفلام التسجيلية المهمة التي توضح لنا أهمية السينما التسجيلية في التأريخ لتاريخ مصر، بل هو فيلم يغلب عليه الكثير من المشاعر المهمة، والكثير من الانتماء لمثل هذا الوطن الذي يحاول التبرؤ من أبنائه ومحاولة نسيانهم تماما، رغم أنهم كانوا أكثر انتماءً له من غيرهم ممن يتشدقون الآن بالانتماء والوطنية وحب هذا الوطن، رغم أنهم –مع تشدقهم بالوطنية- أول من سيترك هذا الوطن لو أُتيحت له الفرصة كما أُتيحت ليهود مصر الذين رفضوا الهجرة وترك وطنهم حينما طُلب منهم الهجرة منه.

  نجح رمسيس أيما نجاح في تقديم حالة اليهود المتبقين في مصر حتى اليوم، من خلال فيلم مهم يؤرخ لتواجدهم هنا، ومن خلال موسيقى تصويرية تحمل الكثير من الشجن المتناسب مع الحالة التي يتحدث عنها للموسيقي هيثم الخميسي، ساعد رمسيس في ذلك إعداد سيناريو محكم عرف من خلاله كي يوظف أفكاره تجاه هذه الطائفة اليهودية المهمة في تاريخ هذا الوطن.

مجلة البوابة

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in محمود الغيطاني and tagged , , , , , . Bookmark the permalink.