الليبرالية من الدولة الحارسة إلى دولة الرفاه

 مؤمن سلاّم مؤمن سلام

كان أول استخدام لكلمة Liber في القرن 14 حيث كانت تشير إلى طبقة من الرجال الأحرار في مقابل طبقة العبيد والأقنان كما كانت تشير إلى تفتح الشخص وابتعاده عن المحافظة. إلا أن أول استخدام للكلمة بالمعنى السياسي كان في أسبانيا في 1812، وكانت أول حكومة ليبرالية هي حكومة جلادستون في 1868 ببريطانيا.

وقد ظهرت الليبرالية كنتيجة لظهور مجموعة من الأفكار والظواهر. فمن الناحية الفلسفية ظهرت فلسفة العقد الاجتماعي للثلاثي توماس هوبز وجون لوك وجون جاك روسو، كما ظهرت فكرة الفصل بين السلطات لمونتسكيو. كذلك من الناحية الاقتصادية ظهرت الرأسمالية كبديل عن الاقطاع. ومن الناحية السياسية ظهرت العلمانية والدعوة لفصل الدين عن الدولة، وأن يقتصر دور رجال الدين على الخدمة الروحية فقط. وكان للتطور الاجتماعي بظهور طبقة البرجوازية (الطبقة الوسطى) دوره في ولادة الليبرالية.

وقد أدت كل هذه العوامل إلى اتجاه الليبرالية نحو تحجيم دور الدولة لجعلها دولة الحد الأدنى لا يتعدى دورها دور حارس العقار أو كما أطلق عليها الدولة الحارسة، رافعين الشعار الاقتصادي دعة يعمل دعة يمر (laissez faire, laissez passer)، حيث تم تحجيم دور الدولة الاقتصادي في أضيق نطاق تاركين لآليات السوق أو اليد الخفية إدارة السوق من حيث العرض والطلب والذي بدورة يحدد نوع السلع المنتجة وكمياتها وأسعار السلع. كما اعتمدت بشكل مطلق على الملكية الفردية، وبالتالي تركت لأصحاب الأعمال تحديد الأجور والامتيازات التي يحصل عليها العامل دون أي قانون يحكم هذه العلاقة سوا قانون العرض والطلب على العمالة. وهو ما فتح الباب أمام جشع أصحاب الأعمال الراغبين في تعظيم أرباحهم وكانت أسهل طريقة لذلك هي تخفيض أجور العمالة، ورفد أي عامل يشعر صاحب العمل انه لا يحتاج إلية وأنه يمثل عبء على تكاليف العمل. وقد جعل هذا أوضاع العمالة مزرية وانتشر معها الفقر بشكل واسع في الوقت الذي كان أصحاب الأعمال يزدادون غنا. وما زاد الأمر سؤ، حفاظ الدولة على دورها كحارس عقار. فلم يكن هناك أي برامج حكومية لمعاونة الطبقات الفقيرة ومحاولة دعمها، كما لم تتدخل الدولة بأي شكل في الاقتصاد سواء للحد من التضخم أو من البطالة. وبالتالي فالعامل يعمل ويتقاضى اجر بالكاد يكفي الحد الأدنى من احتياجاته، فإذا خسر عملة نتيجة مرض أو عجز أو حتى لأن صاحب العمل قرر توفير العمالة، أصبح بلا مورد رزق حتى يجد عمل أخر، فإذا مرض لن يجد العلاج وإذا لم يدفع إيجار مسكنة كان مصيره الشارع وإذا جاع فلن يجد ما يأكل. هذه الأوضاع المزرية هي التي فتحت الباب أمام ظهور الماركسية. وقد أدى ظهور الماركسية وما مثلته من ضغط على الدولة واتجاه الطبقة العاملة لاعتناق أفكارها والمطالبة بحقوقها وعلى رأسها تحديد ساعات العمل بثمان ساعات، وكذلك مع التوسع في منح حق التصويت للمواطنين حيث حصل أكثر من 50% من الذكور على حق التصويت بحول عام 1926 حسب صامويل هنتجتون. ما جعل الساسة يسعون لإرضاء الناخبين الذين يمثل العمال الجزء الأكبر منهم.

ومع دولة الحد الأدنى، اتبعت الليبرالية مبدأ الداروينيه الاجتماعية حيث كان البقاء لمن يستطيع التوافق مع ظروف العصر صحيا وعلميا ومهاريا أم إذا عجز الإنسان عن مواكبة ظروف العصر ويطور من مهاراته ويتعلم المزيد ليكون قادر على المنافسة في سوق العمل فلن يجد عملا ولن يجد من يعينه في الدولة، ويكون مصيره الفناء.

كان التطور الأعظم في الليبرالية بظهور دولة الرفاه في القرن العشرين في محاولة إيجاد حل للكساد العظيم الذي ضرب الدولة الرأسمالية عام 1929 مع انهيار وول ستريت. إلا أن هذا لا يعني أنه لم يكن هناك جذور تاريخية وإرهاصات لهذا الظهور فقد سنت بريطانيا في 1601 قانون حقوق الفقراء الذي حدد لأول مرة التزامات الدولة تجاه رفاهية مواطنيها. وكان المستشار الألماني بسمارك صاحب أول تطبيق لدولة الرفاه في ثمانينات القرن التاسع عشر من خلال مجموعة من القوانين هي قانون التأمين ضد المرض في 1883، وقانون التأمين ضد الحوادث في 1884 وقانون التأمين ضد الشيخوخة والعجز في 1889. وكان أول استخدام لمصطلح “دولة الرفاه” في عام 1932 في نقد المستشار الألماني فرانز فون بابن (وكان حليفا لهتلر) للتشريع الاجتماعي الشامل لجمهورية فايمر، واكتسب المصطلح صورته الايجابية من خلال مقارنة رئيس أساقفة كانتربري وليم تمبل بين اهتمام النظام الديموقراطي البريطاني برفاهية مواطنيه وبين الاستبداد في ألمانيا النازية.

مع تعرض الدول الرأسمالية لكارثة الكساد العظيم الاقتصادية كان لابد لليبرالية أن تتصدى لهذه الكارثة فوجدت ضالتها في أفكار الاقتصادي الإنجليزي جون مينارد كينز مؤسس النظرية الكينزية من خلال كتابه “النظرية العامة في التشغيل والفائدة والنقود” الصادر في9361  حيث نقد النظرية الكلاسيكية التي كانت من المسلمات في ذلك الوقت. ومن أهم ما تقوم عليه نظريته أن الدولة تستطيع من خلال السياسات المالية والنقدية أن تتحكم بما يسمى الدورات الاقتصادية. وتعرف السياسات المالية بأنها مجموعة التغيرات التى تطرأ على كل من الضرائب والإنفاق الحكومي والتي من شأنها التأثير علي مستوى إجمالي الناتج المحلي وتنفذها وزارة المالية. والسياسات النقدية هي مجموعة الإجراءات التى يتم اتخاذها من قبل البنك المركزي للتأثير على مستوى إجمالي الناتج المحلي أو التضخم، عن طريق تحديد سعر الفائدة وعرض النقود من خلال التحكم في الاحتياطي النقدي للبنوك وإصدار النقود. فمن خلال هذه السياسات تستطيع الدولة التدخل في السوق للحد من التضخم أو البطالة حال وصولها إلى مستويات تنذر بالخطر على اقتصاد الدولة.

وقد استعانت الولايات المتحدة في عهد فرنكلين روزفلت بأفكار كينز الاقتصادية لمواجهة الكساد العظيم من خلال ما يعرف بـ “الصفقة الجديدة” New Deal. وهو تحول كبير في النظرية الرأسمالية الكلاسيكية حيث أصبحت الدولة هي من تدير السوق وليس اليد الخفية أو قوى السوق، إلا أن الدولة تظل مجرد مدير وليست مالك أو مشارك في السوق، كما هو الحال في النظام الاشتراكي.

كما كان لتقرير الاقتصادي الإنجليزي وليم بيفردج الصادر في 1942 ببريطانيا دورة الهام في تأسيس دولة الرفاه حيث هاجم في تقريره ما أسماه العملاقة الخمسة: العوز والمرض والجهل والبطالة والفساد. وبناء على هذا التقرير وعدت الدولة البريطانية بتوفير الحماية الاقتصادية والاجتماعية لمواطنيها من المهد إلى اللحد.

وقد صاحب هذا التطور في الجانب الاقتصادي لليبرالية، تطور أخر في الجانب الاجتماعي حيث اصبحت الدولة مسؤولة عن توفير الرعاية الاجتماعية وتمكين الطبقات الأضعف في المجتمع والسعي لتضيق الفجوة بين طبقات المجتمع، من خلال ضمان حق العمل والتعليم والرعاية الصحية والحق في مسكن ملائم والحق في المعاشات، وهو ما عرف باسم الحرية الايجابية في مقابل الحرية السلبية في الليبرالية الكلاسيكية.

فالحرية هي أحد القيم الأساسية في الليبرالية جنبا إلى جنب مع الفردانية والعقل والعدالة والتسامح. إلا أن الحرية في الفكر الليبرالي الكلاسيكي كانت حرية سلبية تمتنع فيها الدولة عن القيام بأي دور يحد من حرية الأفراد. أما في الليبرالية الاجتماعية فهي حرية ايجابية لا تكتفي الدولة بالامتناع عن أي ممارسة للحد من الحريات ولكن أيضا تقوم بأفعال ايجابية تمكن الفرد من ممارسة هذه الحرية.

وهكذا أصبح القرن العشرين هو قرن دولة الرفاه بعد أن كان القرن 19 هو قرن الدولة الحارسة. ولكن مع ذلك يظل تعريف دولة الرفاه أمر مختلف حوله كعادة كل المصطلحات في العلوم الاجتماعية. ولكن يظل هناك سمات محددة تتسم بها دولة الرفاه وهى الديمقراطية واقتصاد السوق وتوفير الحاجات الأساسية لمواطنيها وعلى رأسها التعليم والصحة والمسكن الملائم والعمل. لذلك يوجد نماذج متعددة من دوله الرفاه فدولة الرفاه بالدول الإسكندنافيه، تختلف عنها في أمريكا الشمالية،  تختلف عن تلك بألمانيا.

وقد عارضت بعض القوى السياسية المحافظة في الولايات المتحدة وبريطانيا توجهات الليبرالية الاجتماعية باعتبارها خروج عن الليبرالية الحقيقية واستسلام للأفكار الشيوعية داخليا وانبطاح أمام الاتحاد السوفيتي خارجيا، فيما يعرف بالنيوليبرال Neo Liberal، أو المحافظين الجدد ولعل اشهر هؤلاء وحلفاء الحرب ضد الاتحاد السوفيتي هم مارجريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا ورونالد ريجان الرئيس الأمريكي. وهم رغم دفاعهم الشديد عن أفكار الليبرالية الكلاسيكية والدولة الحارسة إلا أنهم من الناحية الاجتماعية يتصفون بالمحافظة الشديدة قد تصل إلى حد الأصولية في الولايات المتحدة. وذلك على عكس الليبرالية الاجتماعية التي وان طورت في الأفكار الاقتصادية لليبرالية إلا أنها حفظت على القيم الأساسية وهى الحرية والفردانية والعقل والتسامح والعدالة.

وهذا قد يأخذنا إلى سؤال كثيرا ما يثار حول الدستور المصري الحالي. حيث يستغرب البعض وجود مواد تنص على الملكية الفردية والحريات ولكن في النفس الوقت يتحدث عن تمكين الطبقات الفقيرة، ما أثار اللغط حول ما إذا كانت مصر دولة اشتراكية أم ليبرالية، والإجابة ببساطة هي الليبرالية الاجتماعية.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in مؤمن سلاّم and tagged , , . Bookmark the permalink.