(مختصر تاريخ مصر فى العصر الرومانى ( 31 ق.م – 325ق.م

عبد الجواد سيد عبد الجواد  عبد الجواد

تحولت مصر إلى ولاية رومانية بعد إنتصار أوكتافيوس وإحتلاله لمصر وإنتحار أنطونيوس وكليوباترة سنة 30ق.م ، لكنها ظلت فى وجهتها الحضارية تتجه بإتجاه الغرب فلم يكن العصر الرومانى فى كثير من جوانبه الحضارية سوى إمتداد للعصر اليونانى السابق ولم تكن روما سوى أثينا أخرى وإن بدت أكثر مجداً وأعظم قوة.

وهناك العديد من الأساطير المتعلقة بنشأة مدينة روما ولكن بعيدا عن الأساطير يمكن القول بأن روما مدينة إيطالية قديمة نشأت على مجموعة من التلال فى إقليم لاتيوم الواقع فى الجزء الجنوبى الغربى من شبه الجزيرة الإيطالية حوالى سنة753ٌق.م وأن هذه المنطقة عرفت الإستيطان البشرى منذ حوالى سنة 1500ق.م فى شكل قرى منفصلة سرعان مازالت عزلتها بقدوم شعب يسمى الإتروسكيين نسبة إلى إقليم أتروريا المجاور وإستيلائهم على الحكم فى روما حوالى سنة 616ق.م. وتأسيس ملكية دامت حتى حوالى سنة 509ق.م عندما ثار الشعب الرومانى عليهم وطردهم من الحكم وأسس الجمهورية الرومانية التى إنتقلت سلطات الملك فيها إلى إثنين من الحكام يحمل كل منهما لقب قنصل ويشغل وظيفته لمدة عام واحد غير قابل للتجديد إلا فى الحالات الإستثنائية حيث كان يمكن منح القنصل سلطة الدكتاتور لمدة ستة اشهر فقط، هذا إلى جانب مجلس الشيوخ الذى كان يتكون من النبلاء وكان يعمل بمثابة مجلس رقابى وتشريعى مع الجمعيات الشعبية التى كانت تنتخب القناصل. وقد تأثر الرومان بالأفكار الديموقراطية الإغريقية فشهدت الفترة بين سنة 494ق.م وسنة 287 ق.م صراعا بين الأشراف والعامة إنتهت بحصول العامة على حقوقهم السياسية وتأسيس مجالس للعامة وإنتخاب ممثلين لهم أطلق عليهم إسم نقباء العامة وهكذا أمكن للعامة الحصول على حقوقهم السياسية وإحداث التوازن الضرورى بين مختلف الطبقات فى المجتمع الرومانى مما كان أحد الأسباب الرئيسية وراء قوة المجتمع الرومانى وتماسكه وقدرته على تحقيق الإنجازات الحضارية الكبيرة فيما بعد.

وبعد طرد الإتروسكيين وتأسيس الجمهورية تمكن الرومان من فرض سيطرتهم على شبه الجزيرة الإيطالية ثم بدأوا توسعهم فى غرب البحر المتوسط وخاضوا سلسلة الحروب الشهيرة المعروفة بإسم الحروب البونية أو الحروب الفينيقة ضد منافستهم قرطاجة وزعيمها هانيبال وتمكنوا من تحقيق النصر النهائى عليها سنة 146ق.م ثم وجهوا إهتمامهم إلى العالم الإغريقى فى شرق المتوسط وتمكنوا من إسقاط الممالك الهيلينية الثلاث واحدة فى أثر الأخرى مقدونيا أولا سنة 148ق.م  ثم الدولة السلوقية سنة 64ق.م وأخيراً مصر التى سقطت سنة 30ق.م بعد معركة أكتيوم البحرية مباشرة.

وهكذا بدأت مصر رحلة جديدة فى التاريخ فقد أولى أكتافيوس منذ اللحظات الأولى مصروضعا خاصا فجعلها من الولايات التابعة لإدارته مباشرة وليس إلى إدارة مجلس السناتو وقام على الفور بوضع نظام إدارى دقيق لإدارتها وترك بها ثلاثة فرق عسكرية وبعض الكتائب الحدودية لحفظ الأمن كما أعفى السكندريين(السكان من أصل إغريقى)من ضريبة الرأس بينما حرمهم من تأسيس مجلس الشورى الخاص بهم( مجلس البولى) والذىكان لهم فى الماضى فى فترة من فترات الحكم البطلمى وفى نفس الوقت فقد فرض ضريبة الرأس على القطاع الثانى من سكان المدينة وهم اليهود- الذى كان الإسكندر والبطالمة قد نقلوا كثير منهم من فلسطين إلى الإسكندرية- لكنه أقر لهم بحرية العبادة وفق شرائعهم وبحرية تأسيس مجلس شيوخ خاص بهم وذلك بهدف خلق نوع من التوازن بين العنصريين الرئيسين المكونين لسكان العاصمة الإسكندرية.

ونظرا لأهمية مصر الاقتصادية والإستراتيجية فقد حرص أوكتافيوس على تأمينها ووضع عليها واليا من طبقة الفرسان وليس من طبقة السناتو كما جرت العادة، كما منع رجال السناتو من زيارتها إلا بإذن خاص منه وربما بدت تلك التدابير طبيعية نظرا لأهمية مصر الإقتصادية حيث كانت مخزن غلال روما إذ كانت تمدها بحوالى ثلث حاجتها من الغلال كما كانت ذات أهمية إستراتيجية تمكن أى والى طموح من الإستقلال عن سلطة روما وربما مناهضتها أيضا كما حدث فى الماضى من إنشقاق أنطونيوس وتطلعه للإستقلال عن روما.

كان كورنيللوس جالوس وهو القائد الذى إقتحم مصر من حدودها الغربية عند برايتونيون(مرسى مطروح الحالية) أثناء الصراع مع أنطونيوس وكليوباترة هو أول الولاة على مصر وفى عهده ثار المصريون فى طيبة على الحكم الرومانى الجديد خاصة بسبب التنظيمات المالية الجديدة التى طبقها الرومان فتوجه إليهم وأخمد ثورتهم وواصل زحفه جنوبا حتى تجاوز الشلال الأول وأدعى أنه أخمد ثورات الأثيوبين وأدخلهم تحت الحماية الرومانية وبلغت به نشوة الإنتصار درجة جعلته يحفر ذكرى إنتصاراته على جدران المعابد وعلى سفوح الأهرام ويقيم التماثيل لنفسه فى أماكن متفرقة من مصرفأثارذلك غضب أغسطس وإستدعاه إلى روما للمحاكمة فأقدم كورنيللوس على الإنتحار سنة 26م.

وتولى بعده الوالى إيليوس جاللوس(26-24م)الذى إشتهر بحملته على بلاد العرب التى أمر بها أغسطس  بهدف السيطرة على تجارة الشرق ونفذها إيلليوس بمساعدة الأنباط الذين أمدوه بحوالى ألف جندى وبمساعدة مملكة اليهود( مملكة هيرود) فى فلسطين الذين أمدوه بحوالى خمسمائة جندى وقد صاحب المؤرخ الجغرافى الشهير إسترابون إيلليوس جايوس فى حملته وكتب وصفا عن بلاد العرب يعتبر أقدم ماوصل إلى العالم عن تلك البلاد. وقد عبرت الحملة البحر الأحمر ونزلت ببلاد الأنباط فى شمال الجزيرة العربية ثم سارت برا متوجهة جنوبا لغزو ممالك اليمن لكنها فشلت فى تحقيق ذلك الهدف نظرا لوعورة الطريق ونقص إمدادات الماء والغذاء وربما أيضا بسبب خيانة الدليل النبطى الوزير صالح والذى حكم الرومان عليه بالإعدام هناك ومع ذلك وفى نفس الوقت فقد نجحت الحملة فى إستكشاف طرق التجارة وتأسيس علاقات تجارية قوية مع هذه البلاد.

وقد أرسل أغسطس حملة أخرى على بلاد العرب بقيادة حفيده جايوس قيصر ولم تستغرق هذه الحملة وقتا طويلا وإنحصر هدفها فى تعميق العلاقات التجارية مع هذه البلاد والتى أخذت تتطور بإضطراد بالفعل حتى ضم الرومان بلاد العرب رسميا إلى الإمبراطورية فى عهد الإمبراطور تراجان سنة 106م والذى تقرر فى عهده إعادة حفر قناة نكاو التى تربط النيل بالبحر الأحمر والتى سميت بقناة تراجان آنذاك بهدف تسهيل الإتصالات مع هذه المناطق من الإمبراطورية.

وقد أغرى غياب القوات الرومانية عن مصر الإثيوبيين بالخروج عن الطاعة والإغارة على المناطق الحدودية فقام الوالى الثالث فى عصرأغسطس جايوس بترونيوس( 24-21م) بالتصدى لهم وإجبارهم على توقيع معاهدة صلح جديدة مع الرومان لكنهم نقضوا العهد وأغاروا على مصر مرة أخرى ومرة أخرى تصدى لهم الوالى وهزمهم وأرسل وفدهم لطلب الصلح من أغسطس نفسه. وقد وقع أغسطس معهم إتفاقية صلح وأعفاهم من الجزية ووضع الرومان إستحكامات قوية على الحدود وبهذا الشكل عم السلام جنوب مصر ولم تشهد المنطقة أى إضطرابات أخرى فى عصر أغسطس.

وبعد وفاة الإمبراطور أغسطس فى 14م تولى العرش إبنه بالتبنى تيبيريوس وقد شهدت مصر فى عهده حالة من الإستقرار والرخاء الإقتصادى نتج عنها سحب إحدى الفرق الرومانية المرابطة بمصر وكذلك إصدار عملة جديدة فى مصر. ومن أهم أحداث عهد تيبريوس زيارة جرمانيكوس إبنه بالتبنى وولى عهده لمصر أوائل سنة 19م. وقد قضى جرمانيكوس بعض الوقت فى الإسكندرية ثم ذهب فى رحلة نيلية من كانوب( جنوب أبى قير الحالية) حتى طيبة فى الجنوب لفت نظره خلالها تمثالى ممنون (تمثالى أمنحتب الثالث وزوجته).وقد أحب الناس جرمانيكوس أثناء فترة زيارته لمصر لتواضعه ومساعدته لهم مما أثار  غضب الإمبراطور وحسده خاصة لإن جرمانيكوس كان قد قام بهذه الزيارة بدون إذنه.وقد توفى جرمانيكوس فجأة فى أنطاكية أثناء عودته إلى روما وقد إتهم الحاكم الرومانى هناك بدس السم له فُحكم عليه بالإعدام برغم أن الحادث ربما كان من تدبير الإمبراطور نفسه.ومن أشهرالكلمات التى حفظها التاريخ لتيبريوس رده على الحاكم الرومانى لمصرعندما حاول إسترضائه بإرسال قدر أكبر من الجزية قائلا( إننى أرسلتك لكى تجز غنمى لا لكى تسلخها).

وبعد وفاة تيبريوس تولى كاليجولا (37-41م) إبن جريمانيكوس عرش الإمبراطورية، وأهم مايميز عهده فى مصرهو فتنة يهود الإسكندرية سنة 38م. وكان اليهود طائفة مفضلة فى الإسكندرية منذ أيام الإمبراطور أغسطس وكانوا يسكنون الحى الرابع من مدينة الإسكندرية(حى دلتا) ويطبقون شعائرهم ولهم مجلس تشريعى منحه لهم أغسطس مما كان يثير مشاعر السكندريين الإغريق ضدهم . وقد أثار هذه الفتنة مرور أجريبا الأمير اليهودى بالإسكندرية فى طريقه من روما لتولى بعض الولايات فى فلسطين وهو حفيد هيرود الملك اليهودى الشهيرالذى ولد المسيح فى عهده، وكان أجريبا قد قضى جزءً من حياته فى البلاط الإمبراطورى فى روما ونشأ مع أبناء الأسرة الحاكمة وكان صديقا للإمبراطور كاليجولا.وقد أثار السكندريون إحتفاء الوالى الرومانى به وإستقبال اليهود له كأحد الملوك فقاموا بالسخرية منه وألبسوا أحد المعتوهين زى الملوك وأخذوا  يمرون به فى شوارع الإسكندرية ويهتفون خلفه بإسم أجريبا مما أثار اليهود وفجر قتالا بينهم وبين السكندريين والذى أخذ الحاكم الرومانى خلاله موقف السكندريين رغم علمه بصداقة أجريبا للإمبراطور كاليجولا وذلك بحجة رفض اليهود إقامة تماثيل الإمبراطور فى معابدهم.وفى ذلك القتال خُرب حى اليهود وسقط الكثير منهم قتلى فأرسلوا يستنجدون بالإمبراطور فأرسل قوة قبضت على الحاكم الرومانى وإقتادته إلى روما حيث حوكم وتم نفيه ومصادرة أملاكه ثم أعدم بعد ذلك.

وفى أعقاب ذلك سارع كلا الحزبين بإرسال سفارة إلى روما لمقابلة الإمبراطور والدفاع عن قضيته وكانت سفارة اليهود بقيادة الكاتب والفيلسوف اليهودى فيلون أما سفارة السكندريين  فكانت بقيادة أبيون أحد زعماء الإسكندرية. وأثناء ذلك كان يهود فلسطين قد دمروا أحد المعابد التى أقامها الإغريق لعبادة الإمبراطور مما جعله يثور ثورة عارمة ويأمر بوضع تمثال ضخم له فى معبد اليهود فى أورشليم وبدا أن القضية أصبحت تتحرك فى غير صالح اليهود وأن الإمبراطور كان على وشك أن يصدر ضدهم حكما قاسيا لولا أن أنقذهم القدر بإغتيال كاليجولا سنة 41م.

وتولى بعده الإمبراطور كلودويوس(41-54م) وفى عهده تجددت فتنة اليهود سنة 41م وكانوا هم الذين بادروا بالعدوان على السكندريين سنة 41م ولكن الحاكم الرومانى سارع بالقضاء عليها فى مهدها. وسارع كل من اليهود والسكندريين بإرسال بعثة أخرى إلى روما كان الهدف الظاهر منها هو تهنئة الإمبراطور بولاية العرش أما الهدف الحقيقيى فكان الدفاع عن نفسه وإتهام الطرف الآخر. وردا على ذلك  أرسل الإمبراطور رسالة إلى الإسكندرية تتعلق بمطالب الطرفين،قبل فيها تكريم السكندريين له لكنه رفض مطلبهم فى أن يقيموا المعابد لعبادته قائلا أن المعابد يجب أن تقام للآلهة فقط وكأنه أراد بذلك أن لايكرر الخطأ الذىوقع فيه الإمبراطور كاليجولا كما أقر لهم بالإمتيازات التى منحهم إياها أغسطس من قبل مثل إعفائهم من ضريبة الرأس لكنه رفض مطلبهم المتكرر بإ نشاء مجلس للشورى(مجلس البولى) إسوة باليهود وأخبرهم بأنه سوف يحيل الأمر إلى الحاكم لبحثه وأوصاهم بعدم التحرش باليهود أو التدخل فى شعائرهم. أما بالنسبة لليهود فقد أوصاهم بأن لايطمعوا فى مزيد من الإمتيازات وأن لايتدخلوا فى شئون معاهد الجمنازيوم التى تقتصر عضويتها على الإغريق فقط وأن لاينسوا أن الإسكندرية ليست مدينتهم وأن يكفواعن جلب مزيد من اليهود من فلسطين إليها.

ويبدو أن هذه الرسالة لم ترضى أى من الطرفين إذ لم تحقق آمال اليهود فى الحصول على مزيد من الإمتيازات كما أنها لم ترضى مطلب السكندريين الدائم والمتكرر فى منحهم حق تكوين مجلس شورى خاص بهم فى الوقت الذى أقرت فيه لليهود بحقهم فى مثل ذلك المجلس وقد عبر السكندريون عن غضبهم المكبوت ذلك فى نوع من الأدب الشعبى أطلق عليه إسم أعمال السكندريين عبروا فيه عن كراهيتهم لليهود والرومان ووصفوا فيه زعمائهم بأوصاف الأبطال الذين تحدوا الأباطرة الرومان.

رومان

خلف نيرون كلوديوس على عرش الإمبراطورية(54-68م)  وقد تولى الحكم صغيرا فى السادسة عشرة من عمره وكان ذا شخصية مضطربة أثرت على أسلوب إدارة حكمه للإمبراطورية ومن أشهر أحداث عصره ثورة اليهود فى فلسطين سنة 66م والتى كان لها أصدائها فى مصر حيث تسببت فى تحريك العداء الدائم بين السكندريين الذين عبروا عن تأييدهم للإمبراطورواليهود الذين أثار ذلك حفيظتهم فإنفجرت مرة أخرى موجة من الإحتكاكات بين الطرفين سقط فيها حوالى خمسين ألف يهودى. 

أرسل نيرون قائده فسباسيان لقمع ثورة اليهود فى فلسطين سنة 67م لكن الإضطرابات عمت روما أثناء تلك الفترة وإنتحر الإمبراطور نيرون وتدخل الجيش ضد مشيئة السناتو فى تحديد شخص الإمبراطور القادم وحدث صراع مسلح على السلطة وفى ذلك الصراع نادى الوالى الرومانى فى مصر تيبريوس يوليوس إسكندر وهو يهودى الأصل ومعه القوات الرومانية فى مصر بفسباسيان القائد الذى تولى قمع ثورة اليهود إمبراطورا وسرعان ماأيدت القوات الرومانية فى فلسطين وكثير من المناطق الرومانية الأخرى ذلك المطلب. وإستجاب فسباسيان لذلك وترك إبنه تيتوس على حصار أورشليم وزحف على مصر تأمينا لمخازن الغلال فى صراعه على منصب الإمبراطور ثم زحف على روما وقتل منافسه فيتلوس وتمكن من إرتقاء العرش فى ديسمير سن 69م. 

 وفى فلسطين تمكن تيتوس من  تدمير معبد سليمان والقضاء على ثورة اليهود وتحويل بلادهم إلى ولاية رومانية فى سبتمبر سنة 70م. وبعد سقوط أورشليم زار تيتوس الإسكندرية وأظهر مشاعر طيبة تجاه السكندريين والمصريين بشكل عام وحرص على حضور بعض أعيادهم الدينية. وفى تلك الأثناء كان بعض يهود فلسطين قد فروا إلى الإسكندرية وأخذورا يحرضون اليهود فيها على الثورة إلا أن يهود الإسكندرية لم يستجيبوا لهم ومع ذلك فقد إتخذت السلطات الرومانية إجراءات شديدة ضد اليهود وقامت بإغلاق معبد اليهود فى منطقة تل اليهودية خشية أن يتخذ منه اليهود قبلة بدل معبد أورشليم كما أمر الإمبراطور فسباسيان بفرض مزيد من الضرائب عليهم.

وعندما إرتقى تيتوس العرش بعد وفاة والده سنة 79م  إستمر فى سياسة إحترامه للآلهة المصرية وخاصة الربة إيزيس التى كان الإمبراطور فسباسيان قد سك عملة بإسمها كما أعاد دوميتانيوس شقيق تيتوس الأصغر – والذى تولى العرش بعد وفاتة سنة 81م –  بناء معبدها فى ساحة الإله مارس فى قلب روما وقد إستمرت تلك السياسة الودية تجاه المصريين خلال كل عصر الأسرة الفيلافية التى أسسها فسباسيان والذى إنتهى بموت الإمبراطور دوميتانوس سنة 96م.

لم يكن لدوميتيانوس وريث شرعى لذا فقد قرر الرومان إيجاد نظام جديد يقوم على الإختيار وليس على الوراثة وبالفعل تم إختيار نرفا(96-98م) لولاية العرش لكن مصر لم تشهد أحداثا هامة فى عهده وقد إختار نرفا أحد القادة الأكفاء ليكون خلفا له وهو تراجان(98-117م) والذى تولى العرش بالفعل بعد وفاة نرفا وكان أول الأباطرة الذين ينحدرون من سكان الولايات.

وفى عهد تراجان حدثت مجاعة فى مصر بسبب إنخفاض فيضان النيل كما تجدد الصراع بين اليهود والسكندريين. وقد قام الإمبراطور بالعمل على تخفيف المجاعة وأرسل إلى مصر أسطولا محملا بالغلال أما العلاقات بين السكندرين واليهود فقد كان قد سادها الهدوء بعد سقوط أورشليم لفترة طويلة ولكن الصراع تجدد سنة 113م ففى ذلك العام كان الإمبراطور تراجان يقوم بحملة فى الشرق وإضطر إلى سحب بعض القوات من الولايات وسحب إحدى الفرق من مصر فإنتهز اليهود هذه الفرصة وأخذوا ينفثون عما فى صدورهم ضد الرومان والإغريق وكانت البداية وقوع صراع بين اليهود والإغريق فى قورينائية بشرق ليبيا لم يلبث أن تحول إلى حرب شاملة ضد الإمبراطورية الرومانية فإمتدت إلى مناطق أخرى مثل مصر وبرقة وقبرص وبلاد الرافدين وقام اليهود بأعمال وحشية ضد الإغريق وقاموا بهدم معابدهم وفى مصر إمتدت الثورة إلى الريف المصرى فقد زحف يهود برقة على الأراضى المصرية فى سنة 116م ولكنهم عجزوا عن إقتحام الإسكندرية فتحولوا إلى مناطق أخرىوعاثوا فيها فسادا وإضطرت السلطات الرومانية إلى تجنيد الأهالى وتسليحهم لمقاومة اليهود وتمكن الرومان من إخماد هذه الثورة سنة 117م ولكنها تركت آثارا مدمرة على مرافق البلاد.

وبعد وفاة تراجان سنة 117م إرتقى العرش الإمبراطور هادريان(117-138م) وقد زار هادريان مصر وحرص على زيارة آثارها وخاصة تمثالى ممنون كعادة الرومان. وقد كان هادريان عاشقا للحضارة الإغريقية ولذا فقد بنى مدينة إغريقية رابعة فى مصر هى مدينة أنتينوبوليس( الشيخ عبادة بمحافظة المنيا حاليا) تخليدا لذكرى صديقه أنتينوس الذى غرق فى النيل عند تلك البقعة أثناء زيارة هادريان لمصر العليا.وفى تلك الزيارة قام هادريان أيضا بلقاء علماء مكتبة الإسكندرية والمتحف (الموسيون).

وقد تولى عرش الإمبراطورية بعد هادريان أنطونويوس بيوس(التقى 138-161م) وفى عهده وقعت ثورة فى الإسكندرية راح ضحيتها الحاكم الرومانى سنة 153م مما إضطر الإمبراطور إلى الحضور بنفسه إلى مصرلإخمادها.

وحتى ذلك العهد إقتصرت ثورات مصر على السكندرين الإغريق واليهود فقط ولكن فى عهد الإمبراطور التالى ماركوس أوريليوس( 161-180م)قام المصريون بثورة عنيفة سنة 172م تحت زعامة أحد الكهنة المدعو إيزيدور وهى الثورة التى عُرفت بثورة الرعاة. ويبدو أن الذى شجع المصريين على هذه الثورة هو سحب بعض القوات الرومانية من مصر إلى جبهة الدانوب. وقد تركزت الثورة فى شمال الدلتا وقد فشلت السلطات الرومانية فى القضاء عليها ولذا فقد إستعانت ببعض القوات من سوريا. وبالفعل وصلت القوات الرومانية من سوريا بقيادة إيفيديوس كاسيوس وتمكنت من القضاء على الثورة ولكن هذا القائد بلغه نبأ كاذب بموت الإمبراطور ماركوس أوريليوس فأعلن نفسه إمبراطورا وحصل على تأييد جنوده وتأييد أهالى مصر والإسكندرية سنه 175م إلا أن تمرده فشل إذ سرعان ماتعرض للإغتيال على يد أحد ضباطه. وفى العام التالى 176م زار الإمبراطور ماركوس أوريليوس الولايات الشرقية ومنها مصر وعفا عن كل من إشترك فى التمرد بل أنه رفض حتى رؤية رأس المتمرد وأمر بدفنها.

 ولكن تلك السياسة الحكيمة لم تستمر فى عهد إبنه وخليفته كومودوس(180-192م) إذ كان كومودوس ميالا للعنف بطبعه فأخذ فى ملاحقة الذين إشتركوا فى تمرد كاسيوس والتنكيل بهم كما حاول التحرر من الإعتماد الكلى لروما على الغلال المصرية  فقام ببناء إسطول جديد لنقل الغلال من شمال إفريقيا إلى روما عُرف بالأسطول الإفريقى.

وبعد إغتيال كومودوس سنة 192م تنازع على العرش عدد من القادة العسكريين حتى تمكن أحدهم وهو سبتميوس سفيروس قائد حامية الدانوب من القضاء على منافسيه والإستيلاء على الحكم (194-211م). وفى عام(199-200م) زار سبتميوس سفيروس مصر وقضى فيها عاما كاملا وقد أدخل سفيروس تعديلات فى النظم الإدارية التى وضعها أغسطس لمصر فمنح الإسكندرية مجلسا تشريعيا وكذلك بالنسبة لسائر المدن المصرية فى محاولة منه لتوحيد النظم الإدارية فى الإمبراطورية وقد زار سفيروس معالم مصر التاريخية كعادة الرومان وأمر بترميم الشقوق فى تمثالى ممنون مما نتج عنه توقف الصوت الذى كان يصدر عنهما عند الفجر!

وخلفه فى الحكم إبنه كاركالا (211-217م) الذى إشتهر فى التاريخ بمنح حق المواطنة الرومانية لجميع رعايا الإمبراطورية بإستثناء فئة المستضعفين أو المستسلمين والذى ثار جدل حول ماإذا كان المصريون منهم أم لا؟. وقد زار كاراكالا مصر سنة 215م وعاقب أهالى الإسكندرية عقابا شديدا عندما سخروا منه وسبوه بسبب قتله لأخيه جيتا فجمع أعدادا كبيرة من شباب الإسكندرية فى إستاد المدينة وأمر بقتلهم وأمر جنوده بنهب المدينة كما أمر بإخراج جميع المصريين الذين هربوا من الريف إلى الإسكندرية فى محاولة للتهرب من أداء إلتزاماتهم تجاه الدولة.

وفى الفترة التالية الواقعة بين حكم الإمبراطور سيفيروس الإسكندر(222-235م) وتولى دقلديانوس العرش سنة284 ق.م إنتشرت الفوضى وكثرت محاولات الإستقلال فى الإمبراطورية ولم تلعب مصر دورا يُذكر فى أحداث تلك الفترة.

وفى منتصف القرن الثالث جلس على عرش الإمبراطورية ديقيوس الذى شهد عهده أول إضطهاد دينى كبير للمسيحين وكانت المسيحية قد بدأت تظهر كديانة فى الإمبراطورية وبدأ الأباطرة يتنبهون لخطرها على العبادات الرومانية التقليدية ومنها عبادة الأباطرة.وفى تلك الفترة أيضا شهدت مصر محاولات للإستقلال ولكن تم القضاء عليها.

وفى عام 269م تعرضت مصر لغزو من الشرق قامت به زنوبيا ملكة تدمر بمساعدة بعض تجار الإسكندرية وإضطر الإمبراطور الرومانى إلى الإعتراف بوهب اللات إبن زنوبيا شريكا له فى الحكم. لكن الإمبراطور الرومانى أوريليانوس سرعان ماقاد قواته فى آسيا الصغرىوحارب زنوبيا وهزمها وأخذها أسيرة إلى روما بينما أرسل قائده بربوس إلى مصر حيث تمكن من إستعادتها سنة 271م. ولكن تلى ذلك قيام ثورة ضد الحكم الرومانى فى الإسكندرية تزعمها تاجر يدعى فيرموس وكان ممن ساعدوا زنوبيا فى إحتلالها لمصر وإضطر الإمبراطور أوريليانوس إلى الحضور بنفسه لقمع الثورة. لكن الأمر لم ينتهى عند هذا الحد فبعد وفاة أوريليانوس نادت القوات الرومانية فى مصر بقائدها بربوس إمبراطورا وقد تمكن بالفعل من التربع على عرش الإمبراطورية لمدة خمسة أعوام إلى أن قُتل على يد أحد الجنود فى عام 282م وعمت الفوضى أرجاء الإمبراطورية لمدة عامين حتى تمكن دقلديانوس من تولى العرش فى عام 284م والذى يعد عهده بداية لمرحلة جديدة فى تاريخ الإمبراطورية الرومانية.

عمل دقلديانوس على إصلاح النظام الإدارى والاقتصادى فى الإمبراطورية فقام بتقسيم الإمبراطورية إدارياً إلى قسمين، شرقى وغربى، وجعل نفسه إمبراطورا على الجزء الشرقى منها بينما جعل زميله مكسيميان إمبراطورا على الجزء الغربى وعين لكل منهما نائبا بلقب قيصر كما فصل بين السلطتين المدنية والعسكرية فى الولايات وقسم الولايات الكبرى إلى عدد من الولايات الصغرى ليخفف العبأ عن الإدارة المركزية وعلى ذلك فقد إنقسمت مصر فى عهده إلى ثلاث ولايات. وإقتصاديا فقد قام بإصدار عملات ذهبية وفضية وبرونزية جديدة كما أخضع جميع الولايات لنظام ضريبى موحد فعمل على فرض ضريبة مزدوجة جديدة على الأفراد والأرض فى كل أنحاء الإمبراطورية. لكن أهم مايميز عهد دقلديانوس فى الواقع كان هو عمله على إخماد الحركة الدينية الجديدة الصاعدة فى الإمبراطورية وهى المسيحية التى أخذت تهدد جميع العقائد القديمة فى الإمبراطورية.

حضر دقلديانوس إلى مصرلمواجهة خطر الإنشقاق الذى قاده أحد القادة الرومان الذى إشتهر فى الإسكندرية بإسم أخيليوس وإضطر دقلديانوس لمحاصرة الإسكندرية لحوالى ثمانية أشهر دمر خلالها أجزاء كثيرة من المدينة وإضطرته الحالة التى وصلت إليها المدينة إلى توزيع شحنات القمح التى كانت مخصصة للشحن إلى روما على سكان المدينة ثم عمل بعد ذلك على القضاء على الخطر الأعظم الذى كان يهدد الإمبراطورية فى عهده وهو إنتشار المسيحية والذى أخذ يهدد العقائد الوثنية القديمة وعلى رأسها عبادة شخص الإمبراطور التى كانت تمثل أحد دعائم وحدة الإمبراطورية. وقد بدأ فى عام 298م بمحاولة محدودة لتطهير الجيش والإدارة من المسيحين بينما كان يستعد لحرب الفرس ولكنه وفى عام 303م وقبل تنازله عن العرش بسنتين فقط بدأ يشعر باليأس بسبب الإنقسام الدينى والمذهبى داخل الإمبراطورية فبدأ حملة إضطهاد ضد المسيحيين كانت أقسى مما عرفه المسيحيون فى عهد سبتميوس سفيروس ودقيوس حتى أطلق على عهده إسم عصر الشهداء نسبة إلى الأعداد الهائلة التى لقيت حتفها من جراء سياسة الإضطهاد الذى أمر بها وقضت بجمع نسخ الكتاب المقدس وحرقها وتدمير الكنائس ومنع المسيحيين من الإجتماع والعبادة وقد نُفذت تلك التعليمات بقسوة بالغة ونظرا لإن حاكم مصر فى ذلك الوقت كان من الحزب المناهض للمسيحين فقد كان الإضطهاد فى مصر أشد قسوة من بعض الولايات الأخرى وراح ضحيته آلاف من الناس من شتى الطبقات والمناطق.

وقد إستمرإضطهاد المسيحيين بعد دقلديانوس وخاصة فى عهد الإمبراطور جاليروس الذىخلف دقلدانوس مباشرة وذلك حتى أعلنها قسطنطين الكبير(323-337م) كأحد الديانات الرسمية فى الإمبراطورية فى مرسوم ميلان سنة 312م بعد إنتصاره على منافسه مكسنتيوس وقتله فى معركة جسر ميلفيان ثم إتخذ الخطوة النهائية بإعلانها الديانة الرسمية للإمبراطورية بعد الإنتصار على شريكه فى الحكم كيسينويس فى معركة أدرنة وكريسبوليس وإنفراده بحكم الإمبراطورية. ومنذ ذلك التاريخ بدأ تحول الإمبراطورية الكبير والسريع نحو المسيحية الظافرة على حساب العقائد الوثنية القديمة والتى بدأت تتهاوى أمامها فى سرعة شديدة. وبدأ عصر جديد فى تاريخ مصر والعالم هو العصر البيزنطى أو العصر المسيحى.

عبدالجواد سيد عبدالجواد

جاكرتا 10/1/2015م

abdelgawad885@yahoo.com

أهم المراجع :

1-مصر من الإسكندر الأكبر حتى الفتح العربى-

د.عبداللطيف أحمد على-دار النهضة العربية- بيروت

2-الإمبراطورية الرومانية- د. مصطفى العبادى

دار النهضة العربية – بيروت

3-تاريخ مصر فى عصرى البطالمة والرومان- د. أبو اليسر فرج

دار عين للدراسات والبحوث الإنسانية والإجتماعية – القاهرة

Print Friendly
This entry was posted in Alexandria's memory من ذاكرة الإسكندرية, Egyptian History مصرنا, عبد الجواد سيد عبد الجواد and tagged , . Bookmark the permalink.