مقالات الليبراليين الديمقراطيين

المقالة الثانية: العقيدة الوطنية. راغب

راغب الركابي

هي كلمة مركبة أو قل مفهوم مركب، من العقيدة:  التي هي الفكر أو محتوى التفكير ودائماً ترتبط العقيدة بمعنى الإيمان لترسخ في الذهن ذلك المعنى المتداول للعقيدة وعلمها ومحتوآه، لذلك يرى بعض الباحثين الليبراليين ان للفظة معنيين اصطلاحيين أحدهما أعم من الأخر:

الأول: يعني جملة النظام الفكري والمعرفي.

الثاني: يختص بالنظام الفكري المُحدد لشكل وطبيعة السلوك الانساني.

وأما الوطنية:   فتعني حب الوطن والتضحية من أجله بالنفس والمال، وحين ترتبط العقيدة بالوطنية  يكون الإرتباط  شاملاً ومتعددالأبعاد، وطبعاً لا يصح  التفكيك بين حب الوطن والإيمان به، لأن الحب في الغالب ينبع من إعتقاد ممزوج بعاطفة وعشق ولهذا كان الدمج بينهما أي بين العقيدة والوطن هو دمج إقتضاء وضرورة،  يقول ينس شاتيل:  إنه من خلال الإعتقاد بالقيم الوطنية يمكننا  تحويل المفهوم العلمي للفكر الانساني إلى أداة للفكر الوطني ويكون هو عاكس له،  وعندنا أعني حسب المفهوم الليبرالي الديمقراطي:  لاتلغي العقيدة النشاط الوطني بل تعطيه زخماً وحيوية من خلال تمسكها بمبدأ العمل الصالح بين أبناء كل الوطن ولصالح كل الوطن،  وهذا المعنى  نفهمه من جملة النظام المعرفي والفكري الذي تؤوسسه أو تعتني به، أعني ان العقيدة الوطنية:  تعمم النسق المعرفي للمفهوم الليبرالي الديمقراطي  عن قضية الهوية الوطنية والتعلق بالوطن والإنتماء إليه والتضحية من أجله، وحين نطرح العقيدة في هذا السياق نطرحها لأننا نعمل على الربط والتنسيق والتكامل بين المفهوم النظري للطبيعة الوطنية وبين نظرتنا السياسية والإجتماعية لمعنى ومفهوم الوطن الواحد.

وبما أننا عرفنا الليبرالية الديمقراطية:  كوعي إجتماعي يعبر عن صيرورة إجتماعية هدفها صيانة الانسان وحماية نظامه الفكري والاجتماعي والسلوكي،  يعني هذا كون الصيانة والحماية  في هذا المجال بمثابة العنوان والرمز لقضية واقعية موضوعية نلتزم بها من خلال الالتزام بمنظومة القيم التي نؤمن بها، ولا بد  من القول إن الإيمان بالوطن في الفكر الليبرالي الديمقراطي ينطلق من الإيمان العام بالإنسان وبالتربة، ولا يفرق الليبرالي بين الوطنية والعقيدة وعدم التفريق هذا يرتبط بسعي الليبرالية الديمقراطية لتحقيق الأمن والرفاهية للمواطن، بل لكل كائن مخلوق  حي وهنا تفترق الليبرالية الديمقراطية عن غيرها من النظريات وبعض المدارس الفكرية التي تلغي الأخر بحجة مخالفته للعقيدة  بمعناها الديني، والإلغاء في جوهره دائماً سياسي محض يقوم على أساس المنفعة، وحين نستعرض تاريخ مدارس الفكر الديني  نجد إنها تكرر نفسها في صيغة رفض الآخر،  ولهذا عاشت المحنة نفسها ضد جماعات وطوائف تنتمي إلى الدين نفسه  كذلك، فمحاكم التفتيش الديني في أوربا ودواوين الزندقه في العصر الأموي والعباسي ضد المختلفين شاهد على ذلك.

وهذا الواقع ليس حالاً تأريخياً وحسب بل ان الفرق الدينية السياسية وغيرها تمارس عملية الجز التاريخي من خلال المسوغ الشرعي  حسب مسماهم.

إن الراديكاليين ولعدم إقتناعهم وإيمانهم بمبدأ الحوار يلجئون للقول بالتعارض بين العقيدة  والوطنية، والحوار العلمي هو الذي يقرب الأذهان إلى الطبيعة الموضوعية لمعنى العقيدة الوطنية،  ولكن المتطرفيين ونتيجة لأحساسهم بالعجز السياسي والإجتماعي يلغون الحوار بحجة دواعي الحفاظ على الهوية الدينية والتي يقولون أنها تتعرض لهجمة من العلمانيين، أي إنهم في الحقيقة يغلبون الذاتي على الموضوعي والتغليب منشأه اعتبارات آنية وحسابات خاطئة محصورة في زاوية الحرص على الذات،  وهوحرص لايساعد في عملية البحث عن الذات بطريقة موضوعية، طريقة من شأنها كسر حواجز الأنا التي تساهم في عملية التمدد الفكري باتجاه الأخر ودعوته للحق الذي يؤمنون  به.

مع إن مبدأ الحوار الذي نؤمن به مرغوب به في ذاته لذاته،  حتى من غير النظر في مسألتنا هذه، لأنه  في طبعه تحرير  ورفض للأنا الذاتي،  أعني إن الحوار من أجل العقيدة الوطنية والإيمان بها ليس ترفاً فكرياً أو أدبياً،  وإنما كان تعليماً وتدريباً للجميع باعتبار الحوار في نفسه مقدساً، والليبرالية  الديمقراطية تعتبر الحوار  من أجل الوطن وتقدمه  هو الركيزة التي يقام عليها بناء المجتمع، وهو  نفسه الذي يؤسس للديمقراطية وللحياة الحرة الكريمة، وإيماننا بالحوار ثابت وعام ويستهدف ملاحقة كل ما من شأنه ان يطور النظم الحياتية العامة،  لما يخدم الوطن وتحرره وإستقلاله وطرد قوى التخلف التي تعبث به عبر التشكيلات الفئوية والطائفية، إن الإعتقاد بالوطن إعتقاد بالوجود وبالهوية وهو الشكل الملازم لحياتنا  التي نشعر بها ونحس..

يتبع

Print Friendly
This entry was posted in راغب الركابى and tagged , , . Bookmark the permalink.