عبودية القرن الواحد وعشرين

محمد هشام  محمد هشام

تقول أروي صالح في كتابها الهام “المبتسرون”: “لن يصبح الحب حباً قبل أن يصبح مرجعه الوحيد هو المسؤولية الشخصية بين أناسٍ أحرار من حقوق القسر الجبانة في العلاقات الشخصية، فإن بدا هذا حلماً غير واقعي للواقعيين فإن الواقع المزري لعلاقات الحب والزواج في عالم تسوده نظرة البرجوازية وقوانينها، يشهد بالحاجة لمثل هذا الحلم، فهو ليس سوي دليل آخر خطير الأهمية والدلالة علي أن الحياة في عالمنا لم تعد سوي تنظيم آخر للعبودية في العلاقات بين البشر، في الشخصية، وأنهم باتوا بحاجة لحلمٍ جديد بالتحرر ..

 فكيف لنا ومن أين لنا هذه العلاقات التي تتحدث عنها أروي صالح؟! تلك العلاقات التي تتجاوز الوجود الفردي لتقوم بالتركيز علي مشاعر كل فرد وتحترم اختلافات كل فرد فيها دون الإخلال بمضمون وقيمة وأهمية تلك العلاقة .. تلك العلاقات الإنسانية التي تمر بدوائرالعائلة و الصداقة والحب والزواج ..إلخ التي تكون محصلتها النهائية هي راحة أطرافها بدلاً من عذاب كل فردٍ فيها لكونه في وجودٍ دائم مع هؤلاء الأفراد المشكلين لتلك الرابطة من جهة، وعذابٍ من جهة أخري المتمثل في عدم القدرة علي تجاوز تلك العلاقات والخروج من دائرتها ورفع راية العصيان في وجهها لأننا لم نعتد أبداً علي مواجهة الآخرين الذين يؤرقون حياتنا ماداموا جزءاً منا ومن كياننا؛ فكيف لنا ذلك وقد قضينا معهم أعماراً؟! مع أنه واقع الحياة في تلك السنوات الاخيرة التي انقلبت فيها الحياة رأساً علي عقب تضع علي عاتق كل منا أهمية البحث عن سبل الراحة حتي ولو كانت مع أناسٍ قد عرفناهم منذ أيامٍ والانزواء عن هؤلاء الذين حفظنا وحفظوا تفاصيل تلك العلاقات التي أصبح فيها اللقاء والاحتكاك والمواجهة حتمية لا للاستزادة من تلك القيم والمشاعر الإنسانية التي تحويها تلك العلاقة وإنما فقط لأن هذه اللقاءات وهذا الاتصال فرض عين يستمد مرجعيته من القيم والاعراف والعادات الموروثة التي تضع مشاعر الأفراد وراحتهم تحت نعالها!

 وأسباب تجربتنا لتلك العلاقات المشوهة المريضة كثيرة منها أننا دائماً ما نخوض غمار بعض العلاقات دون اقتناعٍ منا بجدواها وضروراتها الإنسانية والاجتماعية بالنسبة لنا اللهم إلا أن تلك العلاقات قد تكون المنقذ الوحيد من واقعٍ مأساوي وبشر قاسين لا يعرفون للإنسانية معني وللمشاعر أي قيمة. فتري تلك تتزوج من رجلٍ لا تحبه ولا تشعر معه بأية راحة فقط لينتشلها من الواقع المزري العفن الذي تعطب به محيط أسرتها، وهذا تراه يصادق الآخرين ليحتمي بهما من العزلة والوحدة التي قد أضنته ورزح تحت إحساسها الصعب المريب، وهذا يتودد غلي رؤسائه في العمل وإلي هؤلاء الذين تربطهم صلاتٍ قوية بدوائر اتخاذ القرار في المؤسسة التي يعمل بها..

 فأصبحت العلاقات الإنسانية جداراً يحتمي به الناس من الناس .. وأصبحت ملاذاً يفرون منه وإليه في نفس الوقت، فمن المفترض أن تلك العلاقات تذيب المسافات التي يضعها المعتزلون والكافرون بالناس والمجتمع لتكون تلك العلاقات هي المحرك الرئيسي لتلك المسافات وهي السبب الرئيسي في رجوع الناس إلي قوقعاتهم مرة أخري، يفضلون جحيم العزلة الذي يُطاق علي نعيم الناس والمجتمع الذي لا يُطاق .. ليصبح شعار هؤلاء “حياة عنوانها صعوبة التواصل مع الآخرين” ..

 فلابد وأن تري هذه النماذج  بكثرة في هذا العصر! هذا العصر الذي انفردت فيه التكنولوجيا بالجميع؛ فقربت مواقع الاتصال الناس ببعضهم البعض ولكنها قطعت عنهم الصلات، فلم تستطع أن تقرب النفوس والقلوب، فجعلتهم وكأنهم خلية نحلٍ أو مجموعة عملٍ في اجتماعٍ دائم؛ ولكنهاأفقدتهم في نفس الوقت قيم وروابط الجماعة الإنسانية؛ فتجِد العلاقات الاجتماعية وقد انفرط عقدها علي عتبة هذه المواقع الالكترونية فصارت العبارات القَيّمة التي تفسر هذه العلاقات تُقال لمن يستحقها ولمن لا يستحقها، فقط لملأ فراغات المربعات الزرقاء .. لملأ الخانات الفارغة بالمحادثات دون إدراكٍ أو وعي للموقع الحقيقي الذي يشغله مُحَدِثَك بالنسبةِ لك، فتري هذه التكنولوجيا وقد أرسلت الناس خارج الأرض آلاف الكيلو مترات، وقربت بين من تفصل بينهم المحيطات والبحار والقارات؛ ولكنها عجزت عن التقريب بيننا وبين من يجارونا بسنتيمترات، فأصبحت هذه المواقع الالكترونية عذابنا المتجدد كل يوم كعذاب بروميثيوس البطل الإغريقي الذي حكمت عليه الآلهة بأن تأكل النسور قلبه ليتألم حتي يُعاد تكوينه من جديد، فتتجدد مهمة النسور ويستمر ألم بروميثيوس وألم الإنسان المُعَذَب بفقده للعلاقات الاجتماعية الإنسانية القائمة علي الفهم والشعور بالآخر والتقدير..

فيري الأديب الفرنسي الوجودي ألبير كامو أن الحياة لم تخلق موطناً للسعادة، بسبب سوء التفاهم الذي يسود العالم؛ لأن البشر يشعرون باليأس والشقاء، لا بسب مشاق الحياة ومشكلاتها؛ ولكن فقط لأنهم لا يستطيعون التعبير عن أنفسهم بكل بساطة خاصةً في محيط العلاقات الإنسانية، فمن لا يستريح وسط المحيطين به فطبيعي جداً أن يفقد ثقافة البوح التي تقرب كل بعيد ومن هُنا يبتعد كل قريب! لتصبح كافة العلاقات هي عبودية القرن الواحد وعشرين ولكن بمفهومٍ آخر ووجوه أخري.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in محمد هشام and tagged , , . Bookmark the permalink.