الفلسفة والبحث عن التحرر

 طلعت رضوان طلعت رضوان

رغم تعدد المذاهب الفلسفية – منذ العصور القديمة وحتى عصرنا الحديث – ورغم توزعها بين (فلسفة مثالية) تعتقد بوجود قوى خارقة للطبيعة وللكون، وأنّ تلك القوى هى المُـحرك لكل الظواهر الطبيعية، وبين (فلسفة مادية) تربط كل الظواهر بالتفسير المادى، مثل حركة سقوط الأمطار (نموذجًا) فلا توجد قوى خفية تتسبّب فى سقوطها، وإنما هذا السقوط له تفسيره المادى من تجمع السحب إلخ، ورغم تباين وجهتىْ النظر بين الفلسفتيْن (المثالية والمادية) فإنّ الفلاسفة فى المدرستيْن، مشغولون ب (الإنسان) والبحث عن السبل التى تجعل حياته أكثر رقيًا وتحررًا أى البحث عن الوسائل التى تجعل المستقبل أفضل من الماضى وأفضل من الحاضر. كما أنهم اتفقوا على أنّ السبيل إلى ذلك، هو تعظيم واحترام دور العلم science أى الاهتمام بالعلوم النظرية ثم تطبيقاتها العملية، أو ما يُعرف ب التكنولوجيا. ومن خلال تجربة أوروبا فى العصور الوسطى، تبيّن هذا التزاوج بين العلم والفلسفة، خاصة عند مرحلة كوبر نيكوس (1473- 1543) وأبحاثه وتجاربه فى علم الفلك. 

وإذا كانت العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، تسعى لتحسين حياة الإنسان، فإنّ الكهنوت الدينى فى الديانة العبرية (اليهودية/ المسيحية/ الإسلام) يقف بالمرصاد ضد هذه العلوم، خاصة عندما يشعر العاملون بالكهنوت الدينى أنّ تلك العلوم تمس معتقداتهم الراسخة رسوخ الجبال، رغم تناقضها مع الواقع ومع التجارب العملية، ووصل الأمر لدرجة تعرض بعض المُصلحين الدينيين للاضطهاد، بل وأحيانـًا للتصفية الجسدية، كما حدث مع المصلح الدينى سافونارولا، الذى أعدم حرقا فى فلورنسا عام 1498، بتهمة الزندقة لمجرد أنه هاجم البابا اسكندر السادس، رغم أنّ سافونارولا كان ثيوراطى النزعة، ولكن الكهنوت الدينى لم يحتمل بعض نصائحه، ومع ملاحظة أنه أول مؤسس للثيوقراطية فى العالم المسيحى ومعناها الحرفى (حكومة الله) ومع ذلك أحرقته الكنيسة مع راهبيْن آخريْن من أتباعه المُخلصن. ولذلك ساءتْ سمعة الكنيسة فى عصر سافونارولا، لدرجة أنّ الناس كانوا يتندرون بقولهم عن القساوسة ((إنّ سمعتهم الطيبة تتنافى مع انتسابهم للكنيسة)) وأصبح اسم رجل الدين مرادفـًا للطفيلية. وكان الناس يُـقلدون صوت أجراس الأديرة فيقولون (داندو.. داندو) أى هات.. هات. 

وقضى سافونا رولا سبع سنوات يجوب قرى توسكانيا ولومبارديا واعظــًا ومُـندّدا بفساد الكنيسة. وفى عام 1484، وعام 1485 كان فى سان جيمنيانو، يقول بأنّ الغضب الإلهى سوف يحيق بالكنيسة قريبًا، وأنّ الكنيسة سوف تتجدّد وتعود إليها نضارتها، وفى عام 1486زار مدينة بريشيا الإيطالية وقال أنّ هذه المدينة ستزول وسوف ينزل القصاص الإلهى على إيطاليا كلها، فلما احتلّ الفرنسيون مدينة بريشيا وخرّبوها آمن الناس بكلام سافونارولا، واعتبروا كلامه ضمن (النبوءات) وهكذا تحول إلى زعيم أصولى شعبوى، خاصة عندما كان يخطب وسط الجماهير، ويستشهد بالنصوص الدينية، ويُردّد آية من سِفر الرؤيا، أسّس عليها موعظة كاملة، ملخصها أنّ القصاص سينزل بالكنيسة وأنّ الكنيسة سوف ترد إليها روحها ويتجدّد شبابها، وهذا سيتم فى أجل وشيك. وكان البسطاء من عامة الشعب يلتفون حوله، ويبكون عندما يذكــّرهم بيوم (الحشر) فتضاعفتْ شعبيته (مثل شعبية أى مُـهيّج دينى) وكما سيطر هو على الجماهير، سيطرتْ الجماهير عليه، فكان لابد من السير فى نفس الإتجاه : السخط على الكنيسة ولكن من منطلق ميتافيزيقى والاستشهاد بالنصوص الدينية، وإدانة ((السكر والقمار والانحلال الجنسى) ولكنه لم يقترب من منظومة الحكم التى تؤبد العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وأنّ الأخير عليه أنْ يظل خاضعًا لتلك المنظومة الداعمة للأثرياء ضد الفقراء، وأنّ الحرية لرموز السلطة وليست لجماهير الشعب. لذلك كان دور سافونارولا شديد السطحية (مثله مثل أى داعيه دينى) بل وشديد الخطورة عندما يمتد دوره إلى الهجوم على الأدب والفن، وتحريمه لتلك الفنون، كما فعل عندما هاجم كتابات أفلاطون وأرسطو وفرجيل وبترارك، ونظرًا لشعبيته الكاسحة فقد تأثر كثيرون من فنانى عصره بمواعظه التخريبية ضد الأدب والفن، مثل الفنان ديللا بورتا الذى توقف عن الرسم لمدة أربع سنوات حزنـًا على موت سافونارولا، وكذلك مايكل أنجلو الذى قضى شيخوخته الكئيبة فى قراءة مواعظ سافونارولا باحثــًا عن (سلامه النفسى) ولذلك غلب على أعماله الفنية وهو وأمثاله من الفنانين المُعاصرين لتك الفترة تصوير (عذابات يوم القيامة) وأشهر تلك الأعمال لوحة مايكل أنجلو بعنوان (يوم القيامة) التى دخلتْ الفاتيكان، فكانت نوعـًا من الانتصار للداعية الدينى الشعبوى (سافونارولا) 

وكان نوركويمادا (1420- 1498) رئيس محاكم التفتيش فى إسبانيا يُبرّر إحراق من أطلق عليهم (زنادقة) ووضعهم على الخازوق بقوله ((نحن نحرقك فى الدنيا رحمة بك حتى نـُنقذك من النار الأبدية فى الآخرة)) وكان تعريف (الزنديق) عنده ((كل منشق على الكنيسة الكاثوليكية أو رافض لها فى العقيدة والسلوك)) 

كان هذا هو المناخ السائد فى أوروبا العصور الوسطى، المناخ الذى سيطر عليه ربط مصير الإنسان بسلاسل القيود المملوكة لأخطر مؤسستيْن عبر التاريخ : مؤسسة الدولة بأجهزتها القمعية. والأخطر منها المؤسسة الدينية بفتاواها والحكم على البشر: هذا (كافر) مصيره الحرق والخوزقة فى الدنيا وجهنم فى الآخرة، وهذا (مؤمن) له كل المُـتع الدنيوية والأخروية. فكيف تم الانعتاق من هذا المصير؟ لم يكن أمام البشرية إلاّ إعمال العقل وتطليق كل أشكال الميتافيزيقا، وكان السبيل إلى ذلك : الفلسفة خاصة الفلسفة المادية التى ركــّزتْ على أنّ المجال الحقيقى للعقل البشرى إنما هو الواقع والقوانين الوضعية، أى القوانين التى يتــّـفق البشر على وضعها لصياغة علاقتهم بالحكومة من ناحية، وعلاقتهم ببعضهم البعض من ناحية ثانية، أى أنهم رفضوا الامتثال ل (القوانين سابقة التجهيز) الساقطة عليهم من السماء (كما قال الكهنوت الدينى) ولذلك قال فلاسفة الوضعية المنطقية ((إنّ كل معرفة إنسانية لابد وأنْ تكون نسبية)) أى أنهم كانوا ضد (المُطلق) وهذا المُطلق هو آفة من آفات الإيمان بالميتافيزيقا، وهذا المُطلق له (توأم) لا يقل خطورة عنه هو ما يُسمى (الثوابت) وأنّ الجرائم التى تمّ ارتكابها ضد البشر- عبر التاريخ – كانت بسلاح هذا التوأم (المُطلق والثوابت) 

استند فلاسفة (الوضعية المنطقية) إلى تاريخ العلوم وفقــًا لقانون الأطوار الثلاثة الذى وضعه الفيلسوف الفرنسى أوجست كونت (1798- 1857) وخلاصة هذا القانون أنّ العلوم مرّتْ بمرحلتيْن تمهيديتيْن فبل وصولها إلى المرحلة الوضعية : فهى فى الطور الأول، أى الطور الدينى أو اللاهوتى، كانت (أى تلك العلوم) تـُفسّر ظواهر الطبيعة بإرجاعها إلى عِلل غيبية، أى نسبتها إلى قوى فائقة للطبيعة تتدخل بإرادتها فى صميم نظام الطبيعة. ثم جاء الطور الثانى – وهو شبيه بالأول – أى الطور الميتافيزيقى الذى كان يُـفسر الظواهر بردها إلى قوى مجردة أو مبادىء مُطلقة. وأخيرًا وصلتْ العلوم إلى الطور الوضعى، فأصبحتْ تـُفسّر الظواهر بربطها ببعضها وفقــًا لما تقدمه التجربة من وقائع، وأنّ ما يُمّيز القرن التاسع عشر- من وجهة نظر أوجست كونت – إنما هو هذا الصراع القائم بين العقلية الوضعية والعقلية الميتافيزيقية، وهو صراع لابد وأنْ ينتهى حتمًا بإنتصار العلم الوضعى وهزيمة الفلسفة الميتافيزيقية. وإذا زعمتْ الميتافيزيقا لنفسها أنها تقوم بمهمة التأليف والربط بين العلوم المختلفة، أى تقوم بدور (العلم الكلى) فإنّ فلاسفة الوضعية ردوا على هذا الزعم بقولهم : أنّ الفلسفة الوضعية وحدها هى التى تستطيع أنْ تسد هذه الحاجة إلى تحقيق وحدة العقل البشرى، ولذلك فإنّ مهمة الفلسفة الحقيقية تنحصر فى الكشف عن العلاقات والروابط التى توحـّـد بين العلوم، مع العمل على الجمع بين ما فى تلك العلوم من مبادىء ونتائج. كما أنّ أوجست كونت وضع الرياضيات فى المرتبة الأولى للعلوم، نظرًا لأنّ كل العلوم الأخرى تتوقف عليها وتستند إليها، ثم أعقبها بعلم الفلك، فعلم الطبيعة، فعلم الكيمياء، فعلم الأحياء. وعن العلوم الإنسانية وضع فى أعلى السلم علم الاجتماع أو علم المجتمعات البشرية. 

ولأنّ الفلسفة حركة عقلية فى المقام الأول، لذلك يحدث جدل بين الفلاسفة، وتنهض المدارس الفلسفية المُختلفة بمهمة تصحيح وتصويب بعض المدارس، ولذلك فإنّ كثيرين من الفلاسفة انتقدوا الفلسفة الوضعية. وهكذا تعدّدتْ المدارس الفلسفية، مثل الفلسفة البرجماتية التى حمل لواءها وليم جيمس وجون ديوى، وفلسفة النزعة الحيوية التى عبّر عنها دلتاى وبرجسون، وفلسفة النزعة الفنومنولوجية التى اقترنتْ باسم هوسرل وماكس شيلر، والفلسفة الوجودية التى عبّر عنها فى ألمانيا هيدجر وكارل يسبرز، وفى فرنسا كل من جبرييل مارسل وجان بول سارتر الخ.

وبعد أنْ كان الوضعيون فى القرن التاسع عشر يظنون أنّ اختلاف الفلاسفة فيما بينهم سوف يؤدى إلى القضاء نهائيًا على الفلسفة والاكتفاء بالعلم، جاء القرن العشرون فأكد أهمية حاجة العقل البشرى للفلسفة، بدليل وفرة الانتاج الفلسفى المعاصر وتعدد التيارات الفكرية الراهنة، لدرجة أنّ الفيلسوف الألمانى kant (1724- 1804) قال جملته المهمة ((إنّ سأم العقل البشرى من استنشاق هواء غير نقى، لن يدفعه يومًا إلى الامتناع كلية عن التنفس)) وتأكدت مقولة هذا الفيلسوف بدليل إقبال البشر (فى أوروبا) على قراءة كتب الفلسفة، من وفرة الانتاج الفكرى فى معظم بلاد العالم المتمدن، حيث ورد فى القائمة السنوية التى أصدرها المعهد العالى للفلسفة سنة 1938 (كمثال) أنّ عدد الكتب الفلسفية التى ظهرتْ فى ذلك العام (وحده) زادت عن سبع عشرة ألف كتاب. وهذا الانتاج الضخم يدل بدوره على المشكلات الفلسفية قد تزايدتْ بما لم يسبق له نظير من قبل، كما أنّ الوعى البشرى نفسه أصبح أقدر على فهم الفلسفة فى صميم الحضارة الحديثة. وهكذا يمكن القول أنّ غالبية الفلاسفة يسعون إلى الاقتراب من (هموم الإنسان) وأنّ الوظيفة الأساسية للفيلسوف هى أنْ يحل مشكلة المصير البشرى، خاصة وأنّ الفلسفة لم تعد تـُحلــّـق فى سماء المُجرّدات، وإنما أصبحتْ تعنى بحل مشكلات الواقع الإنسانية، وبالتالى لا علاقة لها بكل أشكال الميتافيزيقا. 

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in طلعت رضوان and tagged , , . Bookmark the permalink.