الانفجار العظيم… هل أصبح حقيقة علميّة مُطلقة؟

رعد الحافظ  رعد الحافظ

مُقدمة:

لكلا الطريقان الرئيسان في هذه الحياة (العلم ,والدين) ميزاتهِ وسلبياتهِ

إنّما الفارق الكبير بينهما ,أنّ الطريق الأوّل (العلم) لايخشى النقد والتشكيك في آرائهِ ونظرياتهِ ,بل يسعى لذلك سعيّاً بدافعِ التعديل والتطوير !

لكن الطريق الثاني (الدين), يُمنَع فيه النقد والنقاش ,وكلّ شيء( حتى لو كان يؤثر على طريقة حياتنا وتفكيرنا) قد إنتهى وتمّ تقريره مُسبّقاً !

وهذا ينطبق تماماً على موضوع اليوم: الإنفجار العظيم    Big Bang

لقد ذكرتُ سابقاً (في مقالي عن جوائز نوبل 2014) ,أنّ الطريقة العلمية تبدأ هكذا:

مُلاحظة ومراقبة ,وتجربة وقياس وتسجيل للوقائع والأحداث على الأرض بتفاصيلها المُمّلة خطوةٌ بعد اُخرى.

بحيث كلّ باحث عالم يُقيم وزناً لكل صغيرة وكبيرة ولكل شاردة وواردة.

حتى يصل العلماء الى كتابة ثمّةَ فرضيّات !

هذهِ تتحوّل عندما تثبت صحّتها بالتجربة والبرهان الى نظريات !

ثمّ تغدو تدريجياً مع الزمن وإنطباقها على كلّ شيء مباديء مقبولة علميّاً !

وأخيراً بعد الإجابة عن كلّ التساؤلات والشكوك المُثارة حولها ,وإذا لم يظهر ما ينقضها ,فبعد كلّ هذا الطريق الطويل تصبح حقيقة علمية !

مع ذلك تبقى (حقيقة) قابلة للدحض والنقض ,لو إستجّد ما يستدعي ذلك !

***

الآن لنطبّق تلك المقدمة على مفهوم الإنفجار العظيم أو BIG BANG

سيتضح لنا أنّ العلماء لم يصلوا بعد الى المرحلة الأخيرة في بحوثهم !

أقصد لم يصلوا الى أن تكون نظرية الإنفجار العظيم حقيقة علمية راسخة مثلها مثل نظرية التطوّر والإنتقاء الطبيعي لداروين على سبيل المثال !

فما أسباب ذلك؟

وهل علينا رفض الفكرة أصلاً وإراحة عقولنا بالركون الى أقوال تُجّار الدين بأزليّة الكون ,والتي لم يَقُم عليها الى يومنا دليل علمي واحد؟

بالطبع كلا !

لأنّ هذا الموضوع ليس خاصاً بالترف الفكري ,ولا بنخبة أوعليّة القوم.

إنّما هو موضوع مُهم وذو أبعاد خطيرة لدى جميع الناس الذين يبتغون فهم كلّ شيء عن أنفسهم وأجسامهم وعقولهم وخصائص وجودهم وعالمهم ,وبالتالي أسرار هذا الكون الفسيح الذي يعيشون فيه !

حتى معارفنا وعقائدنا وما نؤمن به من قيم وأفكار مرتبط بطريقة أو بأخرى بهذا الموضوع.

فالأساس الفيزيائي الموّثق للطبيعة ولجميع الأحياء المعروفة ,يُخبرنا بأنّنا وهذا الكون الواسع الفسيح ,مصنوعين في الأصل من ذرات وعناصر متشابهة في الغالب.وبعضنا يؤثر في الآخر بطريقةٍ ما.

لذا فالموضوع أهمّ ممّا نتخيّل ,ولفهمهِ جيداً لابّدَ أن نبدأ من الصفر !

***

مفهوم الإنفجار العظيم !

ما زالَ ذلك الإنفجار يُمثّل لُغزَ الكونِ الأوّل ,ويثير الفضول في عقول العلماء من جميع التخصصات.

وفي حين يفترض الكثير من هؤلاء العلماء أنّ الكونَ بشكله الحالي قد نشأ عن ذلك الإنفجار ,إلاّ أنّهم يختلفون حول السبب الذي قادَ إليه ,

وما إذا كانت هناك قوة دافعة وراء حدوثه؟

في الواقع أغلب العلماء يعتبرون نظرية الإنفجار العظيم صحيحة ,ويبنون عليها القوانين الكونيّة التي يشتغلون بها.

إنّما هناك قلّة من العلماء مازالوا يشككون بتلك النظرية !

تقول نظرية الإنفجار العظيم مايلي:

الكون كان في الماضي (قبل حوالي 13,8 مليار عام) كتلة كثيفة جداً مضغوطة بدرجة حرارة هائلة (تخيّلوا كرة قدم مثلاً محتواها كثيف جداً)

وحدثَ أن إنفجرت هذه الكتلة في لحظةٍ ما وتشكّل هذا الكون تدريجياً عبر ملايين السنين.

اللحظة الأولى التي تلت الإنفجار العظيم والى الآن يمكن تفسيرها علميّاً.

إنّما اللحظة صفر ذاتها (لحظة الإنفجار) وما قبلها بالطبع ,لم يتوصل العلماء بعد الى كشف أسرارها ,بل مازالت في طور الفرضيّات !

وتقول هذه النظرية أيضاً:

بعد الإنفجار العظيم وتمدّد الأجزاء وتباعدها تدريجياً ,بَرَدَ الكون بما يكفي لتكوين جُسيمات دون ذرية (بروتونات ,إلكترونات ,نيوترونات).

ورغم تكوّن (نويّات ذرية بسيطة) خلال الدقائق الثلاث بعد الإنفجار ,

إلاّ أنّ الأمرَ إحتاج آلاف السنين قبل تكوين ذرّات متعادلة كهربائياً !

وأنّ مُعظم الذرات التي نَتجت عن الإنفجار العظيم كانت من الهيدروجين والهيليوم ,وقليل من الليثيوم.

ثمّ إلتئمت سُحُبْ عملاقة من تلك العناصر الأوليّة وبتأثير الجاذبية.

فكوّنت النجوم والمجرّات !

ثمّ تشكلّت عناصر أثقل من خلال تفاعلات الإنصهار النجمي.

أو أثناء تخليق العناصر في المُستعرات العظمى أو ال Super nova

[السوبر نوفا هو نوع من أنواع النجوم المتفجرة ,وهو تعبير يدّل على عدّة إنفجارات نجمية هائلة ,يَقذفُ فيها النجم غلافه في الفضاء عند نهاية عمره ,مايؤّدي إلى تكوين سحابة كروية من البلازما حول النجم برّاقة للغاية.

وسرعان ما تنتشر طاقة الإنفجار في الفضاء وتتحوّل إلى أجسام غير مرئية في غضون أسابيع أو أشهر.

أمّا مركز النجم فينهار على نفسه نحو المركز ,مكوّناً إمّا قزماً أبيضاً.

أو يتحول إلى نجم نيوتروني ,يعتمد ذلك على كتلة النجم.

لكن في حالة  زادت كتلة النجم عن نحو 20 كتلة شمسية  ,فإنّه قد يتحول إلى ثقب أسود ,بدون أن ينفجر في صورة مستعر أعظم !]

على كلٍ ,العلم أثبت اليوم عبر المراقبة بالتلسكوبات ونظريات فيزياء الكون ,أنّ المسافة بين المجرّات تزداد حالياً.

فمنطقيّاً يعني ذلك أنّها كانت في الماضي أقرب لبعضها ,أو كتلة واحدة !

***

مع..أو ضدّ النظرية !

هناك على مايبدو (تناقضات) في هذه النظرية يثيرها العلماء أنفسهم ليس للتسقيط كما يفعل الأشرار عادةً ,إنّما سعيّاً للوصول الى الأجوبة العلميّة والتفسير المنطقي السليم.

منها على سبيل المثال:

أنّ عمر الكون عند إحتسابه سيكون أصغر من عمر بعض المجرات التي تكوّنت في بداية الإنفجار العظيم.

وكذلك تفترض هذه النظرية أنّ المجرّات تبتعد عن بعضها بسرعة كبيرة ,ويضاف لها السرعة الناتجة عن توسع المكان.وكما نعلم فإنّ تجاوز سرعة الضوء مستحيل حسب قوانين الفيزياء ! 

وهناك أسئلة وقضايا اُخرى يثيرها العلماء سنأتي على ذكرِ بعضها في خلاصة هذا المقال.

لكن من ناحية دلائل هذه النظرية فهناك ثلاث قضايا أساسيّة هي:

الأولى:

 أنّ المجرات تتباعد عن بعضها بسرعة أكبر كلما كانت أبعد عنا.

 يحدث هذا بالاعتماد على “ظاهرة دوبلر”

التى تقول بإنخفاض التردد كلّما إبتعد المصدر عنّا !

الثانية:

تلك الخلفية الإشعاعية أوالحرارية التى ثَبُتَ وجودها منتشرة فى الكون الممتد حولنا !

الثالثة:

كمية الهيدروجين والهليوم ونِسَبهم فى الكون تؤيد هذه النظرية !

***

فيما مضى كانت الفكرة العامة السائدة بين الناس عن الكون ,هو أنّهُ قديم أزلي موجود منذ زمن لانهائي.وتلك بالطبع فكرة رجال الدين مقابل إهمال وغموض الفلكيين لهذا الموضوع حينها.

بينما العلماء الأوائل إفترضوا أنّ الكون مزيج من المادة والطاقة هكذا وجد منذُ الأزل ,دون التفكير بلحظة خلق للكون أو ما شابه !

***

كيف بدأ العلم الحديث يتقدّم بشأن الكون؟

إكتشاف تمدد الكون ,ودور (إدوين هابل) في ذلك !

كانت الأعوام التى تلت 1920 هامة فى تطوّر علم الفلك الحديث.

ففى عام 1922 كشفَ الفيزيائى الروسى ألكسندر فريدمان حسابات بَيّنَ فيها أنّ تركيب الكون ليس ساكناً.حتى أنّ أصغر إندفاع فيه ربّما كان كافياً ليُسبب تمدّد التركيب بأكملهِ أو لتقلصه ,وذلك طبقاً لنظرية أينشتاين فى النسبية.

لم تحظَ التأملات النظريّة لهذين العالمين (فريدمان وآينشتاين) فى تلك الفترة بإهتمامٍ يُذكر.

غير أنّ الأدلة التى نتجت عن المُلاحظات العلمية عام 1929كان لها وقع الصاعقة فى دُنيا العلم !

ففى ذلك العام توصّل الفلكى الأمريكي Edwin Powell Hubble

والذي يعمل فى مرصد جبل ويلسون فى كاليفورنيا.

إلى واحد من أعظم الإكتشافات فى تأريخ علم الفلك !

(إدوين هابل) بإختصار هو الشخص الذى غيّر رؤيتنا لهذا الكون !

ففى عام 1929 أثبتَ هابل ,أنّ المجرات تبتعد عنا بسرعة متناسبة مع المسافة التى تفصل ما بينها.

وتفسير ذلك بسيط مع أنّه ثوري.. نعم الكون يتوسع !

ولد هابل فى ميسورى عام 1889.

وفى مطلع العشرينيات أدّى دوراً مهما فى تحديد ماهيّة المجرّات.

كان من المعروف يومها أن بعض اللولبيات السديميّة تحتوي على نجوم من دون أن يكون هناك إجماع في أوساط العلماء حول ما إذا كانت هذه مجموعات صغيرة من النجوم فى مجرتنا ,أو أنّها مجرّات منفصلة ,أو حتى أكواناً مستقلة لا يقلّ حجمها عن حجم مجرتنا لكنّها أبعد بكثير. 

وفي عام 1924 قاسَ هابل المسافة التى تفصل الأرض عن سديم “أندروميدا”.. أو “المرأة المتسلسلة”

التى تبدو كمجموعة خافتة الضوء لا يزيد قطرها عن قطر القمر.

وأثبتَ أنّها مَجرّة مُنفصلة تبعد مئات آلاف المرّات عن أقرب نجم إلى الأرض !

في البداية كان هابل قادراً على قياس مسافات عدد محدود من المجرات إلا أنّه أدرك إمكانية إستخدام أو (إحتساب) درجة لمعان المجرات كمؤشّر على بعدها عن الأرض.

والسرعة التي تتحرك بها إحدى المجرات إقتراباً من الأرض أو إبتعاداً عنها ,كانت سهلة القياس نسبيا بفضل تفسير دوبلر لتغيّر الضوء. الانفجار العظيم

[ دوبلر: هو العالِم الذي إكتشف عام 1842 تلك الظاهرة التي سُميّت بإسمهِ , وتشير الى تغيّر ظاهري للتردّد أو الطول الموجي في حالة الرصد من مراقب متحرّك بالنسبة للمصدر الموجي ].

ثمّ مع إستخدام مُحدد دقيق لألوان الطيف ,تمّكن هابل من قياس درجة إحمرار ضوء المجرّات البعيدة.

(بمعنى كلّما تقّل درجة الإحمرار فالمجرّة ستكون أبعد) !

وعلى الرغم من أنّ المعلومات التي توفرت لهابل عام 1929 كانت عامة جداً ,إلاّ أنّه نجحَ فى التكهّن (سواءً كان مُقاداً بحدسهِ العلمي أو بحسنِ حظّهِ)  بالعلاقة بين درجة الإحمرار وإبتعاد المجرات !

بعدها قامَ هابل بإختباراته على أفضل منظار فى العالم ,وكان موجوداً حينذاك على جبل ويلسون جنوبي كاليفورنيا.

بينما اليوم ,يحمل (إسم هابل) أفضل تلسكوب فى العالم ,موجود فى مدار حول الأرض !

بحيث يُكمِل (منظار هابل العلمي) ما بدأه هابل نفسه من رسم خريطة للكون وتقديم أفضل الصور للمجرّات النائية !

وهابل لم يكتفِ بذلك ولم يتوّقف يوماً ,إنّما إستمر بأرصاده وحساباته وبدأ يستخدم طرقاً أخرى لقياس بُعد المجرّات عنّا.

فوجدَ أنّ العديد منها يبتعدُ بسرعات تزداد كلّما كانت المجرات أبعد ! وهذا ما قادهُ الى إستنتاج تناسب السرعة التى تبتعد بها تلك المجرات مع بعدها عنّا.هكذا خلص هابل عام 1929 إلى القانون الذى يُعرف بإسمه

والذي يربط بُعد المَجرّة عنّا بمقدار عددي يُسمى إصطلاحا بثابت هابل.

وفي الواقع يُستحسن تسميتهِ (عامل هابل) ,لأنّه ليس ثابتاً البتّه !

فما إنفّكَ يتغير منذ أعلنه هابل ,وهو الى يومنا غير مُحدّد القيمة بدقة.

ونتيجةً لعمل هابل بشكلٍ كبير جداً , فقد تمكن من حساب سُرعات العديد من المجرات ,ما قادَ فيما بعد إلى نتائج علمية هامة !

لقد أظهرت أرصاد هابل وفق هذا المبدأ أن المَجرّات تتحرك بعيداً عنّا.

وبعد فترة وجيزة توصّل هابل إلى إكتشافٍ آخر مهم.

هو أنّ المجرّات لم تكن تتباعد عن الأرض فحسب ,إنّما كانت تتباعد عن بعضها البعض أيضاً !

والإستنتاج الوحيد لتلك الظاهرة ,هو أنّ كلّ شيء فى الكون يتحرك بعيداً عن كلّ شيء فيه ,وبالتالي فالكون يتمدّد !

ومع تقدم العلم والتقنيات والرجوع الى النظرية النسبيّة لآينشتاين (التي وضعها عام 1915) ظهرت صحة إستنتاج هابل بأنّ هذا الكون يتوسع !

***

علماء آخرون ساهموا في إنضاج نظرية الإنفجار العظيم !

في عام 1948 قامَ العالم الروسي جورج غاموف (وكان اُستاذه المشرف في الدكتوراه هو ألكسندر فريدمان السابق ذكره مع آينشتاين) بتطوير حسابات عالم الفلك البلجيكي الأصل (جورج لوميتر) عدّة مراحل للأمام

وتوّصل إلى فكرة جديدة بسيطة ,تتعلق بالانفجار الكبير.

مفاد الفكرة  أنّه إذا كان الكون قد تشكل فجأةً ,فإن الانفجار كان عظيماً ويُفترض أن تكون هناك كمية قليلة مُحددة من الإشعاع قد تخلّفت عن هذا الانفجار.

وأكثر من ذلك يجب أن يكون هذا الإشعاع متجانساً عبر الكون كله !

وخلال عقدين من الزمن كان هناك بُرهان رصدي قريب لحدس غاموف

ففى عام 1965 قام باحثان أمريكيان هما آرنو بنزياس وروبرت ويلسون بإجراءِ تجربة تتعلق بالإتصال اللاسلكي.

وبالصدفة عثرا على نوعٍ من الإشعاع لم يلاحظه أحد قبلهم سُمي  بالإشعاع الخلفي الكوني !

وهو لا يشبه أيّ شيء ,ويأتى من كلّ مكان في الكون !

وتلك صفة غريبة غير طبيعية ,فهو لم يكن موجوداً فى مكان محدد.

إنّما كان موزّعاً بالتساوي في كلّ مكان.

وفيما بعد علموا أنّ ذلك الإشعاع هو صدى الإنفجار العظيم ,ومازال يتردّد منذُ لحظات الإنفجار الأولى !

بحثَ غاموف عن تردد ذلك الإشعاع فوجدهُ قريب وله نفس القيمة التى تنبأ بها العالمين (بنزياس و ويلسون).

وفي عام 1978 مُنح آرنو بنزياس وروبرت ويلسون (وشاركهم بيوتر كابيتسا) جائزة نوبل في الفيزياء عن إكتشافهم الإشعاع الخلفي الكوني !

ثمّ جاء دور عالم أمريكي آخر في الفيزياء الفلكية وعلم الكون الفيزيائي إسمهُ جورج سموت (ولد عام 1945).

قام هو وفريق عملهِ في وكالة ناسا عام 1989 بإرسال تابع إصطناعي للفضاء أسموه مُستكشف الإشعاع الخلفي الكوني “cobe“.

وكانت ثمانية دقائق فقط كافية للتأكد من النتائج التى توصّل إليها كلاً من بنزياس وويلسون.

تلك النتائج النهائية الحاسمة قرّرت وجود شيئاً ما ,له شكل كثيف وساخن بقي من الإنفجار الذى أتى منه الكون إلى الوجود.

وقد قرر العلماء أنّ ذلك التابع إستطاع إلتقاط وأسر بقايا الإنفجار العظيم بنجاح.

إلى جانب ذلك فثمّة دليل آخر مُهم يتمثّل في كمية غازي الهيدروجين والهليوم فى الكون !

فقد أشارت الأرصاد الى أنّ مزيج هذين العنصرين فى الكون أتى مطابقاً للحسابات النظرية لما يمكن أن يكون قد بقي منهما بعد الإنفجار العظيم.

 ممّا أدّى الى دقِّ إسفين في قلب نظرية الحالة الثابتة (أو الكون الأزلي) !

لأنّه لو كان الكون موجوداً وخالداً ولم تكن له بداية ,

فمعنى ذلك أنّ كلّ غاز الهيدروجين يجب أن يكون قد إحترق وتحوّل إلى غاز الهليوم ,أليس كذلك؟

على كُلٍ بفضل جميع هذه الأدلة كسبت نظرية الإنفجار العظيم القبول شبه الكامل من قبل الأوساط العلمية.

وفي مقالة علميّة صدرت عام 1994 في مجلة

Scientific American Magazine

وردَ مايلي:

[إنّ نموذج الإنفجار العظيم هو النموذج الوحيد القادر على تفسير تمدّد الكون بإنتظام ,كما أنّه يفسر النتائج المُشاهَدة] !

***

أفكار منطقيّة ذات صلة !

إنّ الكون الذى يتوسّع بإستمرار تُنتَقَص كثافته تدريجيّاً منذ ولادته.

ففي اللحظة التى ولد فيها الكون كان حجمه صغيراً وكثافته عالية جداً. وفى اللحظة التى إبتدأت فيها ولادة الكون إبتدأ التوسع وأخذت الكثافة تنقص شيئا فشيئا.

والمراحل التى مرّ بها الكون منذ ولادته سنوردها موجزة مع التذكير بأن ما يلي هو فى إطار نظرية الانفجار العظيم (والنظرية التضخميّة), التي تعتبر أن ولادة الكون هى اللحظة التى ولد فيها الزمن أيضا.

وهذا يعنى أنه لا يَصُح أن نسأل عمّا قبل ولادة الزمن ,لأنّ ما قبل الزمن أو ما قبل الكون سؤال ليس له معنى من وجهة نظر هذه النظرية !

***

نظرية التضخّم !

هذه نظرية فيزيائية تتنبأ بأن الكون كان فى البداية أكثر حرارة بكثير ممّا ترى نظرية (البيغ بانغ) الأساسية.

وأنّه قد تعرّض لفترة توسّع كوني هائل فى اللحظات الأولى

(ما بين 10 أُس سالب 34 ثانية الى 10 اُس سالب 32 ثانية من زمن ولادة الكون)

وتشير نظرية (بيغ بانغ التضخمية) إلى أنّ الكون إبتدأ حياته بكثافة عالية جداً.

(كثافة مادة الكون كانت أكثر من 10 اُس 93 كغ/م3 لحظة ولادته)

وكان مُعدل توسع الكون مُرتفع جداً

( 10 اُس 61 نانومتر/سنة /كم.. وهذا المُعدل يقابل بلغة مفهومة

 100 مليون مليار سنة ضوئية فى كل ثانية ولكل نانو متر من أبعاد الكون.أو بكلام أوضح (كي تتجاهلوا جميع الأرقام السابقة)

فإنّ الكون قد تضخمَ خلال هذه الفترة 10اُس 150 مرة !

بالطبع لو إستمر هذا المعدّل المرتفع في تضخّم الكون ,لأدّى الى إنحلال الكون خلال الجزء الثاني من الثانية.

لكن الذي حصل أنّ هذا التوسع السريع جداً رافقهُ إنخفاض درجة الحرارة والكتلة الحجميّة ,ممّا أتاحَ للكثافة الكونية أنْ تنخفض إلى مُعدل أصبحت معه ولادة الكون بالشكل الذى نراهُ اليوم ممكنة !

هذا الانخفاض هو الذى أدّى إلى هذا التوسع الكوني اللا معقول !

بحيث أصبح هناك فى الكون تناسب بين التوسع والكثافة.

(لضبط هذا التوسع والتخفيف من حدته ,تنخفض الكتلة الحجمية بفعل التوسع الكوني ,هذا الانخفاض فى الكتلة الحجمية يجعل معدل التوسع أكثر انخفاضا) !

***

الخلاصة:

لن أنسى أن أشكر الأستاذ والصديق الذي أهداني هذا الرابط وترجمته من (موقع هابل) ,لأنفع به الأحبّة القرّاء !

قلنا أنّه يمكننا تخيّل الإنفجار العظيم بإنفجار كرة مثلاً تحوي داخلها مادة كثيفة الى أبعد الحدود.

بحيث تستمر المادة الناتجة بالإنتشار بعيداً عن بعضها مكونةً هذا الكون الفسيح.

الآن لاحظوا تساؤل العلماء أنفسهم ووضعهم العراقيل أمام تلك النظرية. ليس بالطبع لإيقاف عجلة التقدّم ,إنّما للتوّصل الى إجابات علميّة مقنعة.

يقول العلماء (هذا عدا الإعتراضات التي ذكرتها أعلاه في متن المقال):

إنّ نظرية الإنفجار العظيم تعتمد على فكرتي (الحجم الأصغر ,والطاقة الأعظم) ,كبداية لحدوث الإنفجار ثمّ ولادة الكون.

لكن هذا يُناقض كافة أسس قوانين الفيزياء المُعتمدة التى تفترض العكس !

أيّ الحجم الأعظم ,ثمّ الانكماش وتركيز الطاقة فى حيّزٍ مُتناقص.

وعندما يصل تركيز الطاقة فى الحيّز المكاني إلى مقادير عالية جداً

يحدث حينها الانفجار ,والتحوّل إلى الانتشار !

وهناك تساؤلات اُخرى تحتاج تركيز علمي وشرح عن الفوتونات مثلاً في بداية تكوّنها كيف كانت ذات كتلة ضخمة عكس ما هي عليه اليوم.

وغير ذلك ممّا لا أوّد إشغالكم به الآن.

لكن عندي سيبقى السؤال الأهمّ بدون جواب (ولو مؤقتّاً) وهو:

حتى قبل أنْ تنفجر أصلاً ,كيف جاءت الكتلة الكثيفة (ومِنْ أين) ,الى الوجود؟

أنا لستُ متأكداً من توّصل العلماء لجواب هذا السؤال المهم في حياتي.

إنّما الذي متأكد منه ,أنّهم سيتوصّلون إليه يوماً ما في المستقبل.

وحتى لو كان الجواب في غير صالحهم ,سيعلنون ذلك على الملأ وبالفمِ المليان.

لأنّهم كما سبق وقلنا لايخشون الفشل ,فالفشل خيار من خياراتهم !

يستمرون بالبحث والعمل لاتعيقهم تابوهات العقل العربي والمسلم كما يحدث معنا.

معنا ستواجه أيّ محاولة للنهوض والتقدّم بالعوائق من جميع الأنواع

حتى الأسئلة الطبيعية للأطفال الأبرياء ,تُحرّم في بلادنا بداعي الكفر والزندقة والإزدراء !

وبهذا الخصوص يقول د. خالد منتصر مايلي:

فى وطنٍ تزدادُ فيه قوانين الإزدراء 

لا يوجد مستقبل ,لا يولد تقدّم ,ولا تُصنع حضارة  !

***

المصدر:

http://hubblesite.org/gallery/album/objects-from/pr2003011a

تحياتي لكم

رعد الحافظ

20 ديسمبر 2014

Print Friendly
This entry was posted in Science جامعة تحوت, رعد الحافظ and tagged . Bookmark the permalink.