اللغة المصرية واللهجات المصرية

 داليا وصفى داليا 

لست خبيرة في هذا الموضوع إطلاقا.. ولكني مصرية، أتحدث اللغة المصرية وأكتبها أحيانا، إلا إنني أكتب باللغة العربية في الأغلب الأعم كما أفعل الآن.. ولمن لا يعرف الفارق بين اللغة المصرية واللغة العربية فيمكن أن أقول له ببساطة أنت تقرأ الآن لغة عربية ولكنك قبل أن تقرأ مقالي هذا وبعد أن تنتهي منه كنت تكلم من بجانبك بلغتك المصرية.. وهذا أمر يدور فيه سجال وجدال طويل وكبير ومتشعب ولا ينتهي وكأنه الدهر.. وهذا أدى إلى عدم تمكن الغالبية العظمى من الشعب المصري من الكتابة باللغة العربية الفصحى بشكل مطلق واحترافي لأنها ليست اللغة المنطوقة وايضاً عدم قدرتنا على الكتابة باللغة العامية أو المصرية لأنها غير معتمدة في المؤسسات الرسمية، ولم نعتد الكتابة بها..

سبب كتابتي لهذا المقال يتراوح بين سؤالين: أولهما هل نحن السكندريين أهل الاسكندرية كنا في فترة زمنية ما نتحدث كما يظهرونا بالأفلام والمسلسلات التليفزيونية؟ وهل الأخوة البورسعيدية يتحدثون أيضا بتلك اللهجة؟ وهل الأخوة بصعيد مصر تحدثوا بتلك اللهجة ايضا في فترة ما؟ وسؤالي هذا ينطبق على جميع ربوع مصر وأقاليمها المختلفة..

نعم هناك كلمات نختلف في معانيها ومسمياتها ولكن تلك اللهجة الممطوطة لبعض الأحرف أو الكلمات والتي تختلف من إقليم ﻷخر هل هي حقيقية أم هي تضخيم تمثيلي ومفتعل من بعض الكتاب او المخرجين والممثلين؟

وإذا كانت الإجابة بنعم فذلك يدفعنا للسؤال الثاني: فأين ذهبت؟ ولماذا ذهبت؟ صديقي أنطون ميلاد مؤلف كتاب اللغة المصرية الحديثة تساءل بحزن وتعجب لماذا تخليتم عن تراثكم؟ وكان يقصد بها الشباب الصعيدي والشباب النوبي الذي ترك لهجته الصعيدية أو لغته النوبية وتماهي بشكل شبه تام في اللهجة العامة الدارجة في المدينة المركزية “القاهرة”!!!

الموضوع ليس بغير ذي بال وليس بغير هام، الموضوع تتداخل وتتقاطع بداخله عدة قضايا هامة وتاريخية التهاون بإحداها يؤدي لظهور وتفشي الأخرى سلسلة طويلة بلا بداية او نهاية.

لنبدأ من رأس الموضوع، الدولة، الحكومة، نظام الحكم، أسموه ما شئتم.. كل دولة منذ أن وجدت تلك السلطة وهي تعلم أنها لكي تسيطر على دولة او مدينة اخرى يجب ان تمحي فكرة التميز والفردانية عندها وتقنعها انها ليست مختلفة، بل وأدنى أيضا من غيرها..  وليصل المستعمر لتلك النقطة يجب عليه محو او تسفيه الماضي الخاص بالمستعمرة ثم وضع لغته وافكاره وعاداته ليصبح هو السائد والمسيطر، وبالطبع سيجد أهل المستعمرة صعوبة في تعلم اللغة والعادات والتقاليد الجديدة ويحاول دمجها بعاداته وتقاليده ولغته فيصل إلى أنه لا أحتفظ بتراثه وثقافة مجتمعه ولا تشرب الثقافة الجديدة وأتقنها بلغتها وعاداتها..

هل يتحدث الشعب المصري في حياته العادية باللغة العربية الفصحى؟

هل نكتب عامية في المؤسسات الحكومية؟

لسنا هذا ولا ذاك..

هل توحد المظهر الخارجي للشعب المصري كما بالخليج العربي؟

هل عدنا للملبس المصري الأصلي من فساتين قصيرة زاهية الألوان وجلاليب مميزة التفصيلة بالارياف وبدل وقورة بالمدن؟

ايضا لسنا هذا ولا ذاك..

هل كنت تعلم أن هناك لغة في مصر تدعى اللغة النوبية؟ ولها فنون وآداب وحضارة وثقافة متميزة؟ بالطبع تعرف.. فأنت مصري وهم مصريون.. هل تعرف أن تلك اللغة على وشك الانقراض؟؟نوبية

هل تعرف أن هناك لغة أمازيغية في مصرنا الحبيبة؟ ولها أيضا حضارتها وآدابها وثقافتها الخاصة؟ ربما بعضنا يعرف وبعضنا لا يعرف.. ولكن هل تعرف إنها على وشك الانقراض؟

هل تعرف أن هناك لغة تدعى البجا؟ ولها ثقافة ايضا وحضارة وفنون وآداب؟ هل تعرف انها كادت ان تندثر بمصرنا الحبيبة؟

هل تهتم في الأصل عزيزي القارئ إذا اندثرت تلك الفنون والثقافات والحضارات الموجودة بمصرنا الحبيبة؟

البعض قد يرد يرد وما المانع.. أو انه لن يتأثر.. أو انهم بلا تأثير أثناء وجودهم فبالتالي لن يكونوا ذو تأثير إذا ما اختفوا..امازيغ

أولاً: أختفاء تلك اللغات والحضارات يؤثر بشكل مباشر على الابداع والحراك الثقافي والفني في المجتمع؛ وهذا بالتالي يؤثر على السياحة القادمة لبلدنا لأنه انتقاص من المواد السياحية والاماكن السياحية الموجودة بمصر, واختفاء لون مميز من الفنون والآداب النادرة الموجودة بالعالم..

ثانياً: تأثير أختفاء تلك العادات والتقاليد والفنون والآداب المختلفة من أهلها وتماهيهم مع العادات والتقاليد واللغة العامة السائدة بباقي المجتمع المصري يفقدهم ماهيتهم وإحساسهم الداخلي بتميزهم وبالتالي يؤدي إلى الخمول والكسل والبعد عن الابداع والتميز..

ثالثاً: عند أختفاء كل تلك اللغات والعادات والتقاليد والحضارات المختلفة سيكون من الصعب تطبيق اللامركزية والتي قد تساهم في زيادة الدخل الخاص بكل أقليم أو محافظة بشكل خاص والدخل العام للدولة بشكل إجمالي وذلك عن طريق وجود دخل خاص بكل محافظة أو إقليم من جهوده الذاتية ومن تميزه في الفنون والآداب والثقافة والصناعات والمزارات السياحية عن المحافظات والأقاليم الأخرى.

قد يقول البعض أن اللامركزية تؤدي إلى تفتيت الدولة وتسمح “للأعداء” بالتمكن والسيطرة داخل الوطن.. وهذا غير صحيح على الإطلاق، فهناك دول كثيرة تمارس اللامركزية وهي من الدول المتقدمة جدا ثقافياً وسياحياً وصناعياً.

أذكر أحد أقاربي والمتعلم بمدارس فرنسية منذ نعومة أظافره وحتى دخوله كلية الآداب قسم اللغة الفرنسية ثم إلتحاقه بجامعة السوربون الفرنسية عندما قال لي بعد زيارته الأولى لفرنسا: كل مقاطعة تتحدث لهجة غير باقي المقاطعات؛ لهجة مختلفة حتى لتكاد تكون لغة أخرى مستقلة بذاتها، فبالجنوب لغة وبالشمال أخرى، وبالجبال غيرها، وبالسهول مختلفة عنهم جميعاً.. إلا انهم جميعا يتعاملون باللغة الفرنسية الرسمية المتداولة عالمياً..

ودول أخرى كثيرة مثل أمريكا وكندا واستراليا ونيوزيلندا بها العديد من الثقافات واللغات المختلفة وليس اللهجات فقط ومع ذلك هي دول متقدمة علمياً وثقافياً ولا تعاني من نزاعات داخلية أو خارجية ولا يوجد بها فئات تتقاتل او تتناحر أو تطالب الاستقلال عن الدولة الأم..

لم تتخل تلك الدول عن لامركزيتها، وتلك اللامركزية نشطت الفنون والآداب والثقافات والمزارات السياحية المختلفة، وكل شئ يترجم من وإلى اللغة المحلية واللغة الخاصة بالدولة لتصل إلى العالمية.. فلا هم قتلوا اللغة الخاصة التي يستخدمها الشعب وبذلك كانوا سيفقدوا تلك الابداعات ولا هم وقعوا ضحية للمؤامرات الخاصة بتفتيت الدولة وإستعمارها الكامنة بخيالنا المصري منذ 60 عاماً..

عندما يشعر المواطن المصري ان دولته تحترم فردانيته واختلافه الثقافي لن يفكر أبداً في مساعدة أي محتل سيعمل على محو شخصيته المتفردة أو إستغلال إختلافه الثقافي ليضر به بلده التي تحميه وتؤيد وتساند إختلافه المفيد للوطن..

قبل أن ننسى السؤال الثاني المتعلق بلماذا ترك الشباب لهجاته المحلية أو اللغات الداخلية كالنوبية والامازيغية والبجا وتعلم أو تعود على اللهجة السائدة؟

أعتقد أن إجابة هذا السؤال ستكون هي: المركزية، الفقر، الجهل، الفراغ، المركزية..

المركزية جعلت كل من يريد فرصة أفضل للمعيشة أو للدخل الزائد يتجه إلى المركز أو العاصمة، وكعادة فارغي العقول غير المؤمنين بالفردانية والاختلاف الطبيعي بين الأفراد، يتم السخرية من كل شخص مختلف عن المجموع، سواء كانت السخرية خاصة بالمظهر من ملابس مميزة أو لون البشرة أو لهجة مختلفة، مما يجعل الفرد يشعر بغربة ويحاول التأقلم والتماهي مع المجتمع المحيط حتى لا يشعر بالوحدة أو يشعر انه منبوذ ودخيل على الأخرين..

ومع طول المدة التي قد يقضيها الفرد المغترب بمحافظة المركز يعود لأقليمه “إذا عاد” وهو محمل بالألم والخجل من لهجته الخاصة لأنها سببت له الإحراج أو الفشل في بعض الأحيان في الإقليم المركزي أو محافظة المركز، ويحاول تلقينها لأبناءه حتى لا يعانوا نفس معاناته إذا ما خرجوا خارج حدود إقليمهم “وهو ما يتمناه لهم، الوصول إلى المركز”،  في حين أن هذا الفرد لايستطيع التفاخر بإقليمه أو مركزه لأنه لم يصبح متميز في إطار ثقافي أو حضاري أو سياحي بشكل حقيقي، فتدهور التعليم والمناهج التاريخية والمراكز الثقافية الخاصة أدت إلى عدم معرفة كل منا بجذوره وربطه بها وتفاخره بإنتماءه لها، فأصبح من كان يتفاخر بفنونه وعاداته يتفاخر بها شكلياً عن عدم إقتناع وعدم علم وانتماء حقيقي لأنه لم يعد ملامساً لتميزه وتفرده عن الأخرين، وهذا يعيدنا مرة أخرى لمساوئ المركزية بالدولة.

وهذه كما اعتقد أسباباً كافية لمحاولة الأجيال الجديدة الانسلاخ من ثقافتها وحضارتها والاندماج والتماهي وسط الأغلبية غير المرئية رغبة في الحصول على دفء الجمع بدلاً من خواء الجهل والوحدة.

Print Friendly
This entry was posted in داليا وصفي and tagged , , , , , , . Bookmark the permalink.