!الديموقراطية والعلمانية والبيضة ولا الفرخة

 عبد الجواد سيد عبد الجواد  عبد الجواد

جدل بيزنطى آخر يجتاح الأوساط الثقافية المصرية فى الآونة الأخيرة خاص بالعلاقة بين العلمانية والديموقراطية، وهو جدل أنسب ما يمكن أن يوصف به أنه أشبه بالجدل البيزنطى بشأن العلاقة بين الأب والإبن فى اللاهوت المسيحى، وأيهما أقدم من الثانى، ومن يؤدى إلى الآخر، العلمانية تؤدى إلى الديموقراطية بالضرورة، أم أن الديموقراطية هى التى تؤدى إلى العلمانية بالضرورة، وهل يمكن أن ينفصل كل منهما عن الآخر؟

وحيث أن الديموقراطية هى مصطلح سياسى يقصد به حكم الأغلبية وحقوق الأقلية وتداول السلطة والمساواة أمام القانون وأن الشعب مصدر السلطة والتشريع، بينما العلمانية هى مصطلح ثقافى يقصد به حرية الرأى والعقيدة، وفصل الدين عن الدولة، وعدم التمييز العرقى أو الدينى بين الناس، فهل يمكن أن يكون هناك فرق بين الإثنين، أم أنهما يمثلان وجهان لعملة واحدة، بحيث يكون المؤمن بالعلمانية – وبالضرورة – هو نفس المؤمن بالديموقراطية وبالعكس؟ هل كانت العلمانية والديموقراطية تنفصلان فى عقل الإنسان الأوربى الذى إخترع هذه المصطلحات، سواء على مستوى النظرية، أوعلى مستوى التطبيق، كما تختلف وتتصارع الآن فى عقول بعض المثقفين، الذين يحاولون جاهدين الفصل بينهما كى يستريحوا فى وهم المستبد العادل إلى أجل غير مسمى، ويعفون أنفسهم من واجب اللحظة التاريخية فى إنارة الطريق نحو المستقبل والتبشير بفكرة الدولة المدنية الديموقراطية الحديثة ، بحجة أن الثقافة العلمانية يجب أن تسود أولاً، وكأنه لايمكن التبشير بالديموقراطية والعلمانية معاً، وأن العلمانية هى دورة تدريبية يجب أن يمر بها المجتمع المصرى أولاً حتى يتأهل لتصفيات الديموقراطية بعد ذلك!

وحتى إذا سايرنا وهم أن العلمانية خطوة يجب أن تسبق الديموقراطية وليس العكس، فهل هناك مايضمن تأسيس ثقافة علمانية فى ظل نظام حكم إستبدادى، أم أن النظام الإستبدادى هو الذى يختار لك ماتتعلمه وما تؤمن به وحتى ماتأكله وماتشربه؟ وبإستثناء نموذج أتاتورك – والذى نجح فقط بسبب صدق النية فى الربط بين وجهى العملة العلمانية والديموقراطية – فماذا فعلت علمانية المستبدين سوى أن جلبت على بلادها الخراب والدمار!

ماذا فعلت علمانية شاه إيران سوى إستبداد وبذخ وظلم إجتماعى، أدى إلى نشوب ثورة إسلامية، ماذا فعلت علمانية جعفر نميرى الماركسية سوى إستبداد وفرض قوانين الشريعة الإسلامية على بلاده، وإدخالها فى حرب أهلية كلفتها إثنين مليون قتيل وأربعة ملايين مشرد، ثم إنفصال جنوبها عن شمالها ، ماذا فعلت علمانية ناصر سوى إستبداد وقمع حريات وتكميم أفواه وهزيمة مروعة وموت مبكر، ماذا فعلت علمانية أنور السادات سوى حريات ظاهرية وأحزاب شكلية وتحالفات مشبوهة مع الإخوان أدت إلى إغتياله وصعود تيار الإسلام السياسى، ماذا فعلت علمانية حسنى مبارك سوى إستبداد وفساد ورغبة فى توريث الأبناء أدى إلى إنفجار وثورة وتمكين لتيار الإسلام السياسى ، ماذا فعلت علمانية صدام حسين سوى إستبداد وفساد ورغبة فى توريث الأبناء جعل ثلث شعبه يرحب بالغزو الأمريكى وثلث يرحب بتنظيم القاعدة وثلث يموت أو يهاجر، ماذا فعلت علمانية أسرة الأسد سوى إستبداد وفساد ورغبة فى توريث الأبناء جعلت شعبه يستجير من الرمضاء بالنار، ويترك بلاده مسرحاً لكل جماعات الإرهاب ، ماذا فعلت علمانية القذافى وكتابه الأخضر سوى إستبداد وفساد ورغبة فى توريث الأبناء دفعت إلى إنفجار وثورة وسيطرة لجماعات الإرهاب!

والخلاصة واضحة والدرس واضح، وهى أن العلمانية والديموقراطية مشروع واحد، ووجهان لعملة واحدة، ولا يمكن لأحدهما أن ينجح بدون الآخر، فلايمكن للعلمانية أن تعيش فى ظل نظام إستبدادى، ولايمكن للديموقراطية أن تعيش فى ظل مجتمع غير علمانى، فلنبشر بهما معاً، أو نتركهما معا، ونسلم أنفسنا – وبدون لف ولا دوران – لوهم المستبد العادل، كما إعتدنا طوال خمسة ألف عام!

جاكرتا 20/12/2014م

[email protected]

Print Friendly
This entry was posted in Secular Essays مقالات علمانية, عبد الجواد سيد عبد الجواد and tagged , , . Bookmark the permalink.