في نسبية الأخلاق

مؤمن سلام  مؤمن سلام

أحد الأمراض الثقافية التي تعاني منها الأمة المصرية هو مرض المطلق، فقد أصبح كل شيء في حياتينا ينتمى لعالم المطلق الثابت الذي لا يتغير ولا يتبدل. ما نتج عنه هذا الجمود والتكلس الذي أصاب حياتنا السياسية والاجتماعية والثقافية والفنية والعلمية، ولذلك ثبتنا في المكان والزمان وأصبحنا ننتمي لعالم القرون الوسطى بعد أن كنا بدأنا في التحرك نحو الحداثة.

أثار الموضوع في ذهني خبر القبض على مهندس مصري يحمل الجنسية الأمريكية أو أمريكي من اصل مصري في الولايات المتحدة بتهمة تسريب تصميمات حاملة طائرات لظابط مخابرات مصري وهو في الحقيقة ظابط بالأف بي أي. فثار السؤال حول ما قام به المهندس المصري، هل هو عمل وطني أم خيانة؟ فمن نظر للأمر من زاوية أنه مصري يحمل الجنسية الأمريكية أعتبره بطل وطني ومن نظر للأمر من زاوية أنه أمريكي من اصل مصري اعتبره خائن. وهذا في الحقيقة جدل كاشف عن نسبية الأخلاق التي يغضب كثير من المصريين عند سماعها. حيث يعتبر المصري أو المصرية الأخلاق أمر مطلق ثابت لا يتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال، بل يعتبرون من يقول بنسبيتها شخص منحل لا أخلاقي.

والحقيقة هذا سيعيدنا مرة أخرى وأخرى لنظام التعليم المصري الذي يخرج لنا حافظين لمعلومات وليس مفكرين وباحثين، يخرج لنا عقول جامدة مغلقة على أفكار مطلقة بدلاً من عقول ناقدة تعرف أن النسبية هي حاكمة كل شيء تقريبا. وأن كثير من الأشياء كانت خطأ في الماضي ثم اصبحت صحيحة بعد ذلك والعكس صحيح، ليس فقط في العلوم ولكن أيضا في العادات والتقاليد والأخلاق. ولذلك أيضا لا يوجد ما يسمى بالتطرف الاجتماعي الذي يردده البعض معرفا إياه بأنه الخروج عن عادات وتقاليد المجتمع، وإلا أصبح كل المجددين والزعماء والقادة متطرفين اجتماعياً.

فأنت إذا قتلت شخص من جنسية أخرى، في هذه الحالة ستصبح قاتل مجرم ربما تم إعدامك وهو سيكون مجرد ضحية وشخص مسكين تم قتله، ولكن إذا كانت بلدك وبلده في حالة حرب وكنت أنت وهو جنود كلا في جيش بلده والتقيتم في المعركة وقتلته، هنا لن تكون مجرم بل بطل وربما حصلت على نيشان أو ترقية وهو لن يكون ضحية بل البطل الشهيد. رغم أن الفعل هنا واحد هو القتل والذي يعتبره الجميع لا أخلاقي إلا أنه في موقف ما أصبح أخلاقي بل عمل بطولي.

ونفس الأمر في حالة السرقة، فقد تكون في بعض الأحوال بطولة إذا كانت لخدمة الوطن أو لخدمة العدالة لكشف مجرم أو إقامة الدليل على إجرامه. وقد رأينا في مصر البرقع أو النقاب الذي سيطر على نساء الطبقة الوسطى والعليا في المدن المصرية وكان يعتبر دليل أخلاق ورفعة تحول الآن إلى رمز للتطرف والتخلف. وفي وقت ما كان حديث شاب وفتاة يعتبر جريمة أخلاقية لا تغتفر وطعن في شرف وأخلاق الفتاة ودليل تهتك الشاب، فأصبحت العلاقة الآن بين الشباب والفتيات لا محدودة تعدت مرحلة الحديث بكثير ورغم ذلك لم يعد هذا يطعن في أخلاق الطرفين. ونستطيع سرد آلاف الأمثلة على نسبية الأخلاق في كل أمور الحياة.

هكذا هي الأخلاق مثل كل شيء في هذه الحياة أمر نسبي متغير متبدل، وهذا ما يجب أن نتعلمه في منازلنا ومدارسنا أن الحياة بكل جوانبها متغيرة متطورة لا تعرف الثبات، فالثبات يعنى الموت والتخلف.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in مؤمن سلاّم and tagged , . Bookmark the permalink.