(مختصر تاريخ مصر فى العصر الفرعونى (حوالى3100-332ق.م

 عبد الجواد سيد عبد الجواد  عبد الجواد

 لانعرف فى أى ساعة من الزمن بدأ تاريخ مصر الطويل ولا متى أشرقت شمس الإله رع على وادى النيل لتنبت حضارات القرى على ضفتى النيل فى  مرمدة بنى سلامة والفيوم وحلوان العمرى و جرزة و دير تاسا والبدارى والعمرة ونقادة وغيرها ولامتى توحدت تلك القرى فى إقليمين كبيرين شمالى وجنوبى ولكننا نعرف –  الآن-  أن رجلا من مصر الوسطى إسمه مينا أو نارمر قام عند حوالى أخريات الألف الرابعة قبل الميلاد بتوحيد هذين الإقليمين فى دولة مركزية واحدة ربما تكون هى الدولة المركزية الأولى فى تاريخ الإنسان عرفت بإسم الدولة الفرعونية نسبة إلى لقب حاكمها الفرعون(ساكن القصر العظيم). ورغم أن المصريين القدماء لم يعرفوا تسجيل تاريخهم فى أسرات متعاقبة فقد إصطلح العالم على دراسة تاريخ مصر الفرعونية فى الشكل الذى وضعه الكاهن المصرى مانيتون السمنودى فى عصر الملك بطليموس الثانى (284 – 264ق.م) فى إحدى وثلاثين أسرة تبدأ بالأسرة الأولى وعلى رأسها الملك مينا أو نارمر المذكور حوالى سنة 3100  ق.م وتنتهى بعودة الفرس إلى مصر مؤسسين حكم الأسرة الحادية والثلاثين والأخيرة حوالى عام 343ٌ ق.م والتى إستمر حكمها حتى دخول الإسكندر الأكبر مصر عام  332 ق.م وهى السنة التى يتحدد بها نهاية تاريخ  مصر الفرعونية وبداية تاريخ مصر الهيلينستية أواليونانية. وقد قسم المؤرخون المحدثون تلك الفترة الفرعونية الطويلة فيما بعد إلى عصور متميزة تسهيلا لدراستها هى عصر الدولة القديمة وعصر الدولة الوسطى وعصر الدولة الحديثة ثم العصر المتأخرويفصل بين كل هذه العصور فترات إنقطاع تعرف بعصور الفوضى وتنقسم بدورها  إلى عصر الفوضى الأول والثانى والثالث والأخير.

عصر الدولة القديمة(3100-2181ق.م)

بدأ حكم الأسرة الفرعونية الأولى حوالى سنة 3100 ٌق.م وذلك  بتوحيد الملك مينا للقطرين القبلى والبحرى فى مملكة واحدة ذات تاج مزدوج  وتدل الآثار المحدودة التى عُثر عليها  للملك مينا  – أو كما يعرف أيضا بنارمر –  على الحروب التى خاضها فى سبيل توحيد القطرين ومنها محاربته للبدو المقيمين على حدود مصر الشرقية والغربية على السواء وهكذا قُدر لمصر منذ مولدها أن تتقاذفها الأخطار من الشرق والغرب وظلت تلك الحقيقة الجغرافية السياسية صفة مميزة للتاريخ المصرى كله منذ نشأة  الدولة المصرية الفرعونية القديمة حتى إبتلاع العرب لمصر سنة 641م.

بنى الملك مينا مدينة منف وإتخذها عاصمة لدولته ومنح الوجه البحرى نوعا من الحكم الذاتى محاولة منه لكسب ود الشماليين وربما يكون قد تزوج من أميرة شمالية أيضاً وقد أصبح ذلك تقليدا فى عهد الأسرتين الأولى والثانية مما يدل على ضعف الإتحاد بين الشمال والجنوب فى تلك الفترة والواقع أن ذلك الضعف يمثل صفة مميزة أخرى للتاريخ المصرى القديم لإن عصور الفوضى التى عرفها ذلك التاريخ لم تكن تعنى فى الواقع أكثر من إنفصال القطرين وإجتياح البدو للبلاد فى ظل غياب فرعون قوى أو فى ظل غياب حكومة مركزية قوية بالتعبير المعاصر، كما أقام الملك مينا علاقات تجارية مع سوريا وفلسطين.

وقد خلف الملك مينا الملك جر الذى تابع سياسة الملك مينا الخارجية ووصلت حملاته إلى وادى حلفا وسيناء وحدود ليبيا وهو الذى شيد قصر مدينة منف كما يرجح أن المصريين قد توصلوا فى عهده إلى التقويم الشمسى عندما إستطاعوا الربط بين ظهور نجم الشعرى اليمانية وبين بداية السنة الشمسية وترك دن رابع ملوك الأسرة الأولى ذكرى عهد مجيد وقد إمتد عهده لنحو نصف قرن من الزمن وقد قام بحملات عسكرية فى الشرق حتى لُقب بالأجنبى وبرجل الصحراء وشيد كثير من القلاع والحصون كما إتبع سياسة المصالحة مع الشمال وأنشأ وظيفة حامل أختام الشمال وأجرى تعداد لسكان مصر، أما ملوك الأسرة الثانية(حوالى 2925-2700 ق.م) فقد أخذت عبادة إله الشمس رع فى عصرهم مكانتها الكبيرة فى التاريخ المصرى القديم بصفته رأس قصة الخلق ورأس التاسوع الإلهى( رع- شو- نفتوت – جب – نون –  إيزيس – أوزيريس – ست – نفتيس )والديانة المصرية القديمة ديانة ذات جذور طوطمية إرتبطت بعبادة الحيوان مند نشأتها الأولى على مستوى المناطق الجغرافية المختلفة ثم تطورت فيها ميثولوجيا للخلق إحتل فيها الإله رع إله الشمس موقع كبير الآلهة فى معظم فترات التاريخ المصرى(كان بتاح إله منف يأتى على رأس التاسوع الإلهى فى ميثولوجيا مقابلة) والتى إنبثقت منها عبادة الملك الفرعون الذى كان يعبد كنصف إله فى حياته ثم كإله كامل بعد مماته بصفته حورس – إبن الآلاهة إيزيس وأوزيريس – وأول ملك على مصر.

وفى عهد ملوك الأسرة الثانية إنتقل مقر الحكم إلى منف بشكل نهائى وكانت سياستهم الخارجية إمتدادا لسياسة الأسرة الأولى  ورغم ماأشارت إليه الأدلة الأثرية من قيام الملك مينا بحملات تأديبية ضد البدو و إلى قيام بعض خلفائه مثل الملك جر والملك قع بحملات تأديبية ضد الليبيين فقد تمكن الأخيرون من إحتلال الدلتا فى عهد الملك برايب سن من الأسرة الثانية وقد بذل ذلك الملك جهوداً كبيرة فى سبيل إجلائهم عن البلاد إلا أن جهوده قد باءت بالفشل ولم يتحقق ذلك إلا فى عهد خلفه خع سخموى آخر ملوك الأسرة الثانية. وقد عُرف عصر الأسرتين الأولى والثانية بإسم العصر العتيق أو العصر الثينى نسبة إلى ثينى التى جاء منها ملوكها بالقرب من أبيدوس فى صعيد مصر كما دام حوالى خمسة قرون تأسست خلالها الملامح الرئيسية للحضارة المصرية القديمة والتى ستنطلق وتبلغ أقصى مراحل قوتها وإزدهارها فى العصر التالى مباشرة والذى يُعرف فى التاريخ المصرى بإسم العصر الكلاسيكى أو عصر الدولة القديمة وعصر بناة الأهرام  فمع حكم الأسرة الثالثة( 2700- 2625 ق.م) بدأ عصر بناة الأهرام حيث شيد ملوكها لأنفسهم مقابر على شكل أهرامات على حافة الصحراء الغربية فى الجيزة وسقارة وميدوم ودهشور وأبى صير و أشهر ملوكها هو نثرخت الذى إشتهر بإسم زوسر ولقب جسر(المقدس) وإرتبط بإسمه كثير من القصص الأسطورية فى الأدب المصرى.

وفى عهد الملك نثر خت لمع إسم الحكيم إيموحتب مهندس بناء أول  مقبرة ملكية على شكل هرم مدرج والذى تمتع بشهرة كبيرة فى التاريخ المصرى كواحد من كبار الحكماء وإعتبر إلهاً للطب وعُبد فى العصر الفارسى وشيد له البطالمة العديد من المعابد فى مصر ومن شهرة حكمته وعلاقته بسيده زوسر( أو سنفرو مؤسس الأسرة الرابعة)أستلهمت قصة سنوات الجفاف ومعالجة فرعون لها بناء على نصيحة يوسف المذكورة فى العهد القديم .

أما عن السياسة الخارجية للأسرة الثالثة فتدل الآثار على أن فراعنة هذه الأسرة قد قاموا أيضا بحملات تأديبية على بدو سيناء  حيث وجدت آثار للملوك سانخت ونثرخت وسخم خت فى منطقة سيناء تشير إلى قيام هؤلاء الملوك بحملات تأديبية فى هذه المنطقة بهدف تأمين المحاجر وطرق القوافل.

ويبدأ عصر الأسرة الرابعة (2625-2510 ق.م) بحكم الملك سنفرو صاحب الشهرة الكبيرة فى التاريخ المصرى والذى خلدته التقاليد المصرية وظلت ذكراه حية لعدة قرون بصفته المحسن،  المحبوب، الرحيم، محب المعرفة، شديد التواضع . وقد إشتهر الملك سنفروأيضا بمقبرته التى بناها على شكل هرمى فكانت بذلك أول مقبرة ملكية بُنيت على شكل هرم محدب وكان بنائها بمثابة الخطوة الأولى نحو بناء الأهرام العملاقة بعد ذلك كماإشتهر أيضا  بالحصون الدفاعية التى بناها على حدود مصر الشرقية وظلت تعرف بإسمه حتى عصر الدولة الوسطى أى لفترة تقرب من حوالى ألف وخمسمائة سنة بحيث مثلت ذكراه إلهاما لملوك عصر الدولة الوسطى الذى أخذوا على عاتقهم مهمة النهوض بمصر من محنتها بعد عصر الفوضى الأول.

وتسجل آثار سنفرو إرسال حملات ضد النوبيين وكذلك ضد التحنو الليبين- وهى التسمية التى كانت تطلق على بعض القبائل الليبية- كما تشير إلى وجود علاقات تجارية وثيقة مع ساحل فينيقيا حيث تفيد الآثار أن سنفرو قد أرسل حملة من أربعين سفينة لجلب خشب الأرز من هناك.

 حكم سنفرو حوالى أربعين سنة وبعد وفاته خلفه إبنه خوفو الذى إشتهرفى التاريخ ببناء الهرم الأكبر بالجيزة وهو أشهر آثار العالم القديم على الإطلاق وبسبب ضخامة هذا البناء وعظم الموارد البشرية والمادية التى إستخدمت فى بنائه تحدثت الأساطير المتأخرة عن ظلم خوفو وطغيانه وقد قال عنه هيرودوت( لم يترك خوفو شرا إلا وإقترفه فبدأ بإغلاق جميع المعابد وحرم على المصرين تقديم الأضاحى ثم أمرهم بالعمل لحسابه وتولى بعضهم التنقيب عن مقالع أحجار الجبل العربى لقطع الأحجار التى تُسحب بعد ذلك حتى ضفاف النيل ثم تعبر بالسفن إلى ضفة النهر الأخرى ليتولى آخرون سحبها حتى الجبل الليبى، وكانوا يعملون فى مجموعات تتناوب كل ثلاثة أشهر وتتكون كل مجموعة من مائة ألف رجل أما الطريق الصاعد الذين سحبوا عليه الأحجار فقد إستغرق تشييده عشر سنوات عانى خلالها الناس من شتى أنواع العذاب وإستغرق العمل فى بناء الهرم نفسه عشرين سنة). ولذلك فلم يحتفظ المصريون له بذكرى طيبة كما فعلوامع سنفرو رغم إستمرارعبادته حتى العصر الصاوى(العصر المتأخر عندما أصبحت العاصمة فى صا الحجر شمالا).

أما فيما يتعلق بسياسته الخارجية فهناك مايشير إلى إزدهار التجارة بين مصر وفينيقيا كما كانت الحال أيام سنفرو ولا تشير الآثار إلى أى حملات عسكرية قام بها خوفو والواقع أن المعروف عن خوفو يعتبر قليلا جدا بالنسبة إلى هرمه الضخم ذو الشهرة العالمية.

وبعد وفاته خلفه إبنه خفرع صاحب الهرم الثانى من أهرامات الجيزة وصاحب تمثال أبى الهول الشهير حارس الجبانة الملكية حيث بُنى التمثال فى شكل أسد رابض ورأس تمثل الفرعون خفرع نفسه بجوار مقبرته الملكية وفى مدخل منطقة الجبانة كلها وذلك كحارس لها على الأرجح. وقد أزاح تحتمس الرابع  الرمال التى أحاطت بالتمثال بعد إعتلائه العرش فى عصر الأسرة الثامنة عشرة كما تشير لوحة الحلم التى أقامها أمام التمثال فيما بعد. ونص اللوحة يشير إلى قصة أصبحت مشهورة فى التاريخ الفرعونى مؤداها أن الفرعون تحتمس الرابع كان يصطاد يوما فى صحراء الجيزة  ثم جلس للراحة بجوار التمثال فغلبه النوم وفى نومه ظهر له الإله، أى أبى الهول، يشكو من الرمال التى أحاطت به وكادت تخنقه وطلب من الأمير تحتمس إذا مأصبح ملكا أن يزيح الرمال التى تراكمت حوله وبالفعل قام تحتمس الرابع بذلك بعد إعتلائه العرش وأقام اللوحه التى إشتهرت بإسم لوحة الحلم أمام التمثال ولاشك أن القصة كلها نوعا من الدعاية السياسية لحكم تحتمس ومحاولة لإكسابه صفة الشرعية حيث يعتقد أنه لم يكن الوريث الشرعى للعرش وقد دام حكم خفرع حوالى خمسة وعشرين سنة.

وبعد وفاته خلفه إبنه منقرع  وهو صاحب الهرم الثالث من أهرامات الجيزة وبإستثناء الهرم فلم يترك كثيرا من الآثار وبعد وفاته خلفه إبنه شبسس كا إف والذى خرج عن سنة أسلافه فى بناء الأهرامات العظيمة وبنى بدلا من ذلك مقبرة فى جنوب سقارة تعرف الآن باسم مصطبة فرعون ربما بسبب تخليه عن عقيدة إله الشمس رع كما يدل إختياره لكبير كهنة منف بتاح شبسس زوجا لإبنته ومن المعروف أن بتاح كان إله العاصمة منف بينما كان إله الشمس رع هو إله مدينة هليوبوليس.

وبوفاة شبسس كاإف تنتهى الأسرة الرابعة ويبدأ عصر الأسرة الخامسة (2510-2460 ق.م) بحكم أوسركاف الذى دام حوالى سبع سنوات وإلى عهده ترجع بداية العلاقات التجارية مع بلاد اليونان حيث عُثر فى معبده الجنازى على آنية مجلوبة من إحدى الجزر اليونانية ورغم أن العلاقات مع بلاد اليونان تعود إلى عهد الملك مينا نفسه إلا أنها كانت ذات طابع سياسى فقط ربما بسبب هرب بعض سكان الدلتا إلى جزيرة كريت عند هجوم الملك مينا عليها أثناء توحيد القطرين ولكن آثار عهد أوسركاف كانت الإشارة الأولى إلى تطور تلك العلاقات إلى علاقات تجارية. ويعتبر هجر الشعائر الجنازية لذلك الملك مع نهاية الأسرة الخامسة دليلا على تضاؤل أهميته فى التاريخ .

وقد خلف ساحورع الملك أوسركاإف وتشير آثاره إلى الحملات التى شنها على القبائل الليبية وعلى البدو الآسيويين على السواء وواصل العلاقات التجارية مع سوريا كما أرسل رحلة إلى بلاد بونت وبعد وفاته خلفه بعض الملوك غير المشهورين الذين لم يعُثر لهم على كثير من الآثار وهم نفر إير كارع وشبسسكارع ثم نفر إف رع حتى خلفهم  نى أوسررع الذى حكم حوالى خمسة وعشرين سنة وإشتهر ببناء معبده الشمسى فى غرب شمال سقارة والذى أطلق عليه تسمية بهجة رع وقد بنى المعبد بالحجر على طراز النموذج الأصلى للمعبد فى مدينة هليوبوليس مما يدل على علو شأن عقيدة الشمس فى عهده ويبدو أن هذا الملك قد واصل سياسة الحملات التأديبية على بدو الحدود الشرقية وبعد وفاته خلفه الملك من كاوحور ثم الملك جد كارع إسيسى الذى حكم لفترة طويلة إحتفل خلالها بعيد اليوبيل (عيد سد) أو عيد تجديد الولادات الذى يجدد فيه الفرعون قوته ونشاطه كملك ويبدو أنه إتبع سياسة سلفه ساحورع وإنتهج سياسة خارجية نشطة فنظم الحملات إلى سيناء وإلى محاجر الديوريت غربى أبوسمبل ووصل إلى بيبلوس فى سوريا وبلاد بونت وفى عهده إزداد نفوذ كبار الموظفين وحكام الأقاليم وجنحوا نحو مزيد من الإستقلال والحكم الذاتى وخلف جد كارع إسيسى الملك أوناس آخر ملوك الأسرة الخامسة الذى حكم حوالى ثلاثين عاما وقد إتبع أوناس سياسة خارجية نشطة أيضا و بنى هرما  بسقارة تميز بالنقوش الهيروغليفية التى تغطى حيطان الردهة وحيطان حجرة الدفن ويطلق على هذه النقوش إسم (متون الأهرام) والتى ترد أيضا فى أهرامات بعض ملوك الأسرة السادسة وتهدف هذه المتون إلى تحقيق السعادة للمتوفى صاحب المقبرة فى العالم الآخر عن طريق القوة السحرية لكلماتها وتعبر هذه المتون تعبيرا جيدا عن الفكر الدينى للمصرى القديم خاصة معتقداته عن العالم الآخر وهى ليست من إستحداث الأسرتين الخامسة والسادسة بل هى تجميع لمعتقدات المصريين منذ أقدم العصور.

ويبدأ عصر الأسرة السادسة( 2460-2200 ق.م) بحكم الملك تتى الذى تزوج الأميرة إيبوت إحدى بنات أوناس وإتخد اللقب الحورى سحتب تاوى أى الذى يهدئ الأرضين مما يدل على أن الإقطاعات الكبيرة التى كونها كبار الموظفين بدأت تهدد وحدة البلاد وليس هناك إتفاق على مدة حكمه لكن يعرف عنه أنه أصدر مرسوما لإعفاء المعبد من الضريبة كما إرتبط بعبادة الآلهة حتحور فى دندرة وحافظ على علاقات مصر الدولية مع النوبة بيبلوس ومع بلاد بونت وقد أشار مانيتون إلى أنه لم يمت ميتة طبيعية بل قتل بواسطة حراسه وخلفه الملك أوسركارع الدى يشير إسمه إلى أنه أعاد عبادة الإله رع  ولم يترك هذا الملك كثيرا من الآثار وخلفه الملك بيبى الأول إبن تيتى مؤسس الأسرة الذى إمتد حكمه لحوالى خمسين سنة وإتخد اللقب مرى تاوى أى حبيب الأرضين مما يشير إلى محاولته الحفاظ على وحدة البلاد الأمر الدى لم يتحقق مع ذلك  كما تشير قصة المؤامرة على حياة الملك المنقوشة فى مقبرة أونى أحد كبار موظفيه والذى ذكر فيها أن الملك قد كلفه بمحاكمة سرية للزوجة الملكية التى تآمرت على حياة الملك من أجل تثبيت إبنها على العرش ويرجح أن هذه الزوجة كانت تنتمى إلى عائلة من أبيدوس وأن محاولتها لقتل الملك وتثبيت إبنها على العرش كان لها فى الواقع علاقة بإزدياد نفود حكام الأقاليم. وقد حاول بيبى الأول فرض نفوده فى الوجهين القبلى والبحرى بالقيام بمجموعة من الأعمال الإنشائية الكبرى منها مدينة هرمه الخاصة( من نفر أو منف) التى بناها على مقربة من معبد الإله بتاح فى عاصمة البلاد والذى أصبح إسمها(منف) يطلق على المدينة كلها بحلول عصر الأسرة الثامنة عشرة. وقد قام بيبى الأول خلال حكمه  بحملة كبيرة على فلسطين كما أشارت بذلك نقوش مقبرة أونى.

وبعد وفاة بيبى الأول خلفه إبنه مرن رع وقد تولى الحكم صغيراومات شابا وقد إستمر أونى فى خدمة ذلك الفرعون أيضا كما يفهم من نقوش مقبرته حيث يذكر أنه أصبح حاكما للجنوب وأنه قد قام ببعثتين هناك من أجل إحضار أحجار الجرانيت لهرم الملك ومن كبار موظفى عهد مرن رع نعرف أيضا حرخوف الذى كلان حاكما على إقليم الفنتين(أسوان) والذى ذكر فى نقوش مقبرته فى أسوان أخبار البعثات التجارية التى كلفه بها الفرعون إلى الجنوب حتى بلاد يام بالقرب من الشلال الثالث ربما بهدف إحضار منتجات هذه البلاد وخاصة البخور الذى كان عنصرا أساسيا فى أداء الطقوس الدينية فى المعابد المصرية القديمة وكذلك فقد واصل مرن رع سياسة أبيه الخارجية فى سوريا وفلسطين حيث يقول أونى فى نقوش مقبرته( رد جلالته العاموالساكنين على الرمال (أى البدو) على أعقابهم . جمع جلالته قوة ضخمة فى صعيد مصر- من جنوب الفنتين وحتى شمال إقليم إفروديتويوليس(أطفيح) ومن إدارتى الوجه البحرى(…….)  وأرسلنى جلالته على رأس هذه القوة. أما الأمراء وأمناء خزائن الملك والأصدقاء فى البيت الكبير وأما مديرو ورؤساء قصور الوجهين القبلى والبحرى(……) فقد خرجوا على رأس قوات الوجهين القبلى والبحرى والأملاك والمدن التى يديرونها وأهل النوبة المقيمين فى هذه المناطق. وكنت أضع الخطط(…..)  وعاد هذا الجيش بسلام بعد أن قضى على بلاد الساكنين على الرمال. عاد هذا الجيش بسلام بعد أن دك مدنهم المحصنة. عاد هذا الجيش بسلام بعد أن قطع أشجار تينهم وكرومهم. عاد هذا الجيش بسلام بعد أن اشعل النار فى رجالهم. عاد هذا الجيش بسلام بعد أن أباد قواتهم الجرارة عاد هذا الجيش بسلام بعد أن عاد بقوات(؟) كبيرة من الأسرى. وكان جلالته كريما فى مكافأتى. وكلما ثار الساكنون على الرمال على هذه القوات أرسلنى جلالته لسحق بلادهم. وحدث ذلك خمس مرات(…….) وعبرت البحر أنا وقواتى على متن سفن مناسبة ورسوت على أرض تقع خلف قمم الجبل الواقع شمالى بلاد الساكنين على الرمال وسلك نصف أفراد الحملة الطريق البرى. وإرتددت إلى الخلف بعد أن حاصرتهم جميعا. فقضيت على جميع الأعداء القائمين بينهم).

وبعد وفاة مرن رع تولى نفر كارع الذى إشتهر بإسم بيبى الثانى وقد إرتقى العرش فى حوالى السادسة من عمره وعاش حتى بلغ المائة أى أنه قد حكم لحوالى أربع وتسعين عاما وهى أطول فترة حكم فى تاريخ مصر الفرعونية بل فى تاريخ مصر كله. وقد إستمر حرخوف فى خدمة بيبى الثانى حيث يتبين من نص خطاب أرسله الملك إلى حرخوف نقشه الأخير على جدران مقبرته بأسوان مدى سعادة الملك الطفل بقزم يرقص رقصا مقدسا أحضره له حرخوف عند عودته من بعثته التجارية إلى الجنوب. ويرجح أن النوبيين وسكان المناطق الشرقية كانوا مصدر إضطرابات فى هذا العهد أيضا حيث تشير نقوش مقبرة أحد موظفى الملك ويدعى حقا إيب إلى ثلاث حملات قام بها هدا الموظف إثنان منها بإتجاه الجنوب وواحدة بإتجاه بيبلوس لإستعادة جثمان موظف مصرى قُتل هناك عندما كان مكلفا بصنع سفينة للإبحار بها إلى بلاد بونت.

وفى أثناء فترة حكم بيبى الثانى الطويلة إزداد نفوذ حكام الأقاليم وتعرضت وحدة البلاد للخطر وبعد وفاته خلفه إبنه مرن رع الثانى والذى لم تتجاوز مدة حكمه عاما واحدا ثم خلفته الملكة  نيت إقرت (نيتوكريس) وهى أول ملكة حكمت مصر والتى إنتهى بحكمها عصر الدولة القديمة وقد تحولت سيرتها فى العصر اليونانى إلى أسطورة رادوبيس الغانية ونُسب إليها تشييد الهرم الثالث. ودخلت مصر إلى عصر الفوضى الأول الذى إنشقت فيه وحدة البلاد وإجتاحها البدو والأجانب وقد إستغرقت تلك الفترة حوالى مائة وخمسين سنة تمزقت فيها وحدة البلاد رغم أن المصريين لم يروا فيها فترة إنقطاع حيث ظلت الأسرات الحاكمة آنذاك تدعى السيادة على مصر كلها أو تسعى إلى ذلك على الأقل.

عصر الفوضى الأول(2181-2134ق.م) مينا

يتكون عصر الفوضى الأول من الأسرات السابعة والثامنة والتاسعة والعاشرة( 2200-2040 ق.م) وينتهى فى عهد منتوحتب الأول الذى تمكن من القضاء على الفوضى وإعادة توحيد البلاد مرة أخرى بعد توحيدها الأول على يد الملك مينا . وقد ذكر مانيتون أن ملوك الأسرة السابعة كانوا سبعين ملكا حكموا فى منف سبعين يوما وبالطبع يبدو ذلك ضربا من الخيال ولكنه يعبر فى نفس الوقت عن مدى الفوضى التى عمت مصر فى ذلك الوقت.

أما الأسرة الثامنة فيرى معظم المؤرخين أنها قامت فى منف وأن مؤسسها هو الملك نفر كارع وفى عهد هذه الأسرة إزدادت أحوال البلاد سوءً وبنهاية عهدها القصير إنقسمت مصر إلى ثلاثة أقسام حيث حكم الآسيوون فى الشمال وفى مصر الوسطى  ظهر بيت جديد للحكم فى إهناسيا شغل عهد الأسرتين التاسعة والعاشرة وفى الجنوب ظهرت قوة حكام طيبة .

وفيما يخص الأسرة التاسعة فمؤسسها هو الملك خيتى الأول الذى يصفه مانيتون بأنه كان أبعث للرعب من كل من سبقه من الملوك وأنه كان يفعل الشر فى مصر كلها وقد إستمرحكمها حوالى ثلاثين عاما  فقط أما مؤسس الأسرة العاشرة فيحمل نفس الإسم  نفر كارع  ولقب (مرى حتحور) وقد إمتد حكمها لأكثر من مائة عام ومن ملوكها أيضا الملك خيتى الثالث الذى تمكن من طرد الآسيويين من الشمال وهو صاحب النصائح الشهيرة لإبنه الملك مرى كارع والتى القت الضوء على أحوال مصر فى ذلك العصر وخاصة عن قصة الحرب الأهلية بين طيبة وإهناسيا والتى كانت منطقة أبيدوس مسرحا لها. ولكن العمر لم يدم بالملك مرى كارع طويلا  ولم يحكم سوى سنوات قليلة مات بعدها ودُفن فى منف.

وفى تلك الفترة تمكن حكام طيبة من القضاء على البيت الإهناسى ثم تمكنوا من إخضاع مصر كلها بعد ذلك وبدأت الأسرة الحادية عشرة( 2160-1991ق.م) بتوحيد مصر مرة أخرى حيث دخلت البلاد مرحلة جديدة تميزت بالإزدهار والتقدم السياسى والحضارى بشكل عام وهى مايعرف بإسم عصر الدولة الوسطى.

أما عن أسباب الفوضى التى كانت قد عمت مصر في عصر الفوضى الأول فقد ذهب المؤرخون مذاهب شتى ولكن معظمها يدور حول ضعف الملكية وإزدياد نفوذ حكام الأقاليم ثم إجتياح البدو الآسيويين لشمال مصر على أثر ذلك فى مشهد سوف يتكرر مرات ومرات فى التاريخ المصرى القديم.

ومن الواضح أن حكم بيبى الثانى الطويل قد أدى إلى ضعف الملكية ثم كان حكم خليفتيه الضعيفين مرن كارع ونيتوكريس هو نهاية الملكية فى عصر الدولة القديمة ودخول البلاد إلى عصر من الفوضى تميز بإنعدام الأمن وإنقلاب الأحوال الإجتماعية رأسا على عقب بحيث أصبح الغنى فقيراً والفقير غنياً كما عبرت عن ذلك بردية شهيرة من ذلك العصر إشتهرت بإسم بردية إيبور وفيها يقول كاتبها إيبور فى إحدى الفقرات( لقد أصبح الأجانب أناساً فى كل مكان لقد أصبح الأجانب مهرة فى حرف الدلتا). ولقد حاول بعض المؤرخين نسبة ماحدث من فوضى  بعد عصر الدولة القديمة إلى ثورة إجتماعية قام بها المصريون إحتجاجا على سوء الأحوال الاقتصادية والعبْ الناتج عن تخصيص هبات دائمة  للعناية بمقابر الملوك والملكات وكذلك لإزدياد نفوذ وإمتيازات حكام الأقاليم الذين حذوا حذو الملوك فى نفقاتهم وتشييد مقابر ضخمة لأنفسهم ولذويهم وفى توريث إمتيازاتهم لإبنائهم،وبالطبع لايمكن أن يكون مثل هذا التفسير صحيحاً وذلك فى ظل الخضوع الدائم المعروف عن المصريين لحكامهم على مر العصور فمابالك وحال الإلوهية التى كان يتمتع بها فراعنة مصر القديمة ومما يؤكد ذلك إن ظاهرة تخصيص كثير من موارد الدولة لنفقات مبانى الفرعون الضخمة لم تتراجع أبدً بل إزدادت  فى عصر الدولة  الوسطى والدولة الحديثة التى تمثل أزهى عصور مصر الفرعونية ولم نسمع فيها عن أى ثورات إجتماعية والواقع أن أسباب الضعف كانت فى الغالب سياسية تماما تتمثل فى ضعف وإنهيار الملكية فى منف وقيام أسر حاكمة متصارعة فى إهناسيا وطيبة وإستغلال البدو الآسيويين لهذه الحال وإحتلالهم للدلتا وإشاعة الفوضى فى البلاد وهى صورة ،كما أشرنا سابقا، سوف تتكرر فى تاريخ مصر الفرعونية حتى نهايته تقريبا، ويؤكد ذلك الإفتراض كثير من الفقرات التى وردت فى بردية إيبور المشار إليها سابقا.

وهناك بردية أخرى تصف لنا كذلك تلك الأحداث المريرة التى مرت بها مصر فى تلك المرحلة من تاريخها نتيجة ضعف السلطة المركزية وتعرف بإسم بردية نفرتى . وقد سُجلت هذه البردية فى أوائل عصر الأسرة الثانية عشرة ولكن كاتبها نسبها إلى فترة بعيدة ترجع إلى أيام الملك سنفرو مؤسس الأسرة الرابعة وذلك على أساس أنها كانت تمثل نبوءة بظهور الملك أمنمحات مؤسس الأسرة الثانية عشرة بهدف الدعاية لحكمه ومما جاء فيها(سأُريك البلاد وقد أصبحت رأسا على عقب وحدث فيها مالم يحدث من قبل حيث سيمسك الناس بأسلحة القتال وتعيش البلاد فى فزع وسيصنع الناس سهاماً من النحاس وسيسعى الناس للحصول على الخبز بإراقة الدماء).

وكذلك ينسب المؤرخون حدوث نتائج هامة لعصر الفوضى الأول فى المجالات السياسية والاجتماعية والدينية وهذا أيضا أمر مبالغ فيه لإن المعالم الرئيسية للحضارة المصرية القديمة قد إستمرت كما هى تقريباً فى عصر الدولة الوسطى وذلك بإستثناء الأعمال الأدبية المتميزة التى خلفها ذلك العصر مثل نصائح الملك خيتى الثالث لإبنه مرى كارع وهى ذات طابع  سياسى إجتماعى وكذلك شكاوى الفلاح الفصيح وهى ذات طابع أخلاقى ومن المعروف أن الأزمة تولد الإبداع سواء فى حياة الشعوب أو فى حياة الأفراد.

كذلك فقد ظهرت فى ذلك العصر بعض الأفكار الدينية الجديدة مثل إعتقاد المصريين فى فكرة الحساب فى الآخرة وفى وجود محكمة بعد الموت يحاسب أمامها الناس جميعا عن أعمالهم التى إقترفوها فى حياتهم الدنيا وأن الثروة والجاه والمقابر الضخمة لن تشفع أمام هذه المحكمة ومع ذلك فقد ظلت السيادة للأفكار الدينية القديمة مثل بناء المقابر الضخمة والإنفاق عليها بما يضمن سعادة المتوفى فى العالم الآخر. وكذلك الإعتقاد فى السحر وزيادة الإعتماد عليه فى الآخرة .

عصر الدولة الوسطى(2134-1786ق.م)

وبقيام الأسرة الحادية عشرة الطيبية (2160-1991ق.م) تدخل مصرإلى عصر الوحدة مرة أخرى ورغم أن النصف الأول من عصر الأسرة الحادية عشرة يدخل فى نطاق عصر الفوضى الأول إذ كان الملوك الأربعة الأوائل من هذه الأسرة معاصرين للأسرة العاشرة فى إهناسيا فإن بداية عصر الدولة الوسطى يتحدد بحدث كبير هو إعادة توحيد البلاد على يد منتوحتب الأول خامس ملوك هذه الأسرة . وقد بدأ الصراع بين الأسرتين فى عهد الملك أنتف الثانى من ملوك الأسرة الحادية عشرة الذى خاض حربا ضد الملك الإهناسى خيتى الثالث وإستولى على إقليم ثنى وأخذ يتوسع شمالا. وقد أعقب ذلك فترة سلام بين البيتين ولكن بعد أن إرتقى منتوحتب الأول العرش وفى العام الرابع عشر من حكمه تجددت الحرب بين البيتين. وبدأ هجوم طيبى ضخم بقيادة منتوحتب الأول أسفر عن سقوط إهناسيا نفسها وإعادة توحيد مصر.

وبعدما تم لمنتوحتب الأول ذلك إتخذ فى العام التاسع والثلاثين من حكمه لقبا حوريا ملكيا جديدا يعبر عن هذا الواقع وهو لقب (سماتاوى) الذى يعنى موحد الأرضين وقد خلدت آثار معبد الرمسيوم الملك منتوحتب الأول بين أقرانه العظماء مينا وأحمس الأول حيث ظهر الملوك الثلاثة مينا ومنتوحتب الأول وأحمس الأول بوصفهم المؤسسين للدولة القديمة والدولة الوسطى والدولة الحديثة. وقد إنعكس أثر هذه الوحدة القومية فى رخاء البلاد وتقدمها الحضارى حيث إستؤنف تشييد الأبنية الضخمة ومعابد الآلهة ومقاصيرها.

وفيما يتصل بالسياسة الخارجية للملك منتوحتب الأول فقد عمل على إعادة نفوذ مصر فى الصحراء الشرقية فأرسل حملة إلى وادى الحمامات قضت على مصادر الشغب فى هذه المنطقة وطارد الآسيويين حتى حدود نهر الليطانى كما أرسل حملة على قبائل التمحو والتحنو الليبين وكذلك بالنسبة للجنوب فقد أرسل أكثر من حملة لتأمين حدود مصر الجنوبية.

وقد دام حكم منتوحتب الأول واحد وخمسين سنة وإرتقى العرش بعد وفاته إبنه منتوحتب الثانى الذى دام حكمه لحوالى إثنى عشر عاما إتسمت بالسلام والرخاء ومن أهم الآثار التى تدل على عصره مجموعة خطابات خلفها شخص يدعى حقانخت كان يعمل كاهنا جنزيا فى مقبرة الوزير إيبى فى عهد منتوحتب الثانى ثم إستدعى فى العام الثامن من حكم هذا الملك إلى مهمة بالجنوب فكلف إبنه بالإشراف على المقبرة وعلى مزرعة كان يملكها فى شمال طيبة وكانت عائلته تقيم فيها. وقد تطرق حقا نخت فى هذه الرسائل الموجهة إلى إبنه إلى جميع مناحى الحياة الخاصة به وبعائلته وبخدمه وبمزرعته بحيث مثلت وثيقة هامة تلقى كثير من الضوء على الحياة الإجتماعية فى مصر القديمة.ورغم هذا الهدوء الذى تميز به عهد منتوحتب الثانى فقد أرسل حملة على بدو الصحراء الشرقية وصلت حتى حدود البحر الأحمر بقيادة ضابط يدعى حنو ومن هناك أبحرت إلى بلاد بونت.

وبعد وفاته خلفه إبنه منتوحتب الثالث الذى حكم لحوالى سبع سنوات فقط ولم يخلف عهده كثير من الآثار ومع ذلك فقد حفظت لنا الآثارإرساله البعثات فى أعوام حكمه الأول والثانى لإحضار الأحجار من جنوبى أسوان وكذلك وادى الحمامات وقد كانت بعثة وادى الحمامات التى تكونت من عشرة آلاف رجل جُمعوا من مصر العليا والسفلى  تحت قيادة الوزير أمنمحات الذى يرجح أنه هو الذى إرتقى عرش مصر بعد عودته من تلك البعثة بقليل وأسس الأسرة الثانية عشرة (1991-1785ق.م).

ومن الواضح أن أمنمحات لم يكن من أصل ملكى كما يعنى إسمه (آمون فى المقدمة) أنه كان من عباد آمون وأنه قد جعل من هذا الإله إلاها رسميا للدولة الجديدة كما إتخذ اللقب الحورى(وحم ميسوت) بمعنى مجدد الولادات مما يعنى أنه كان  مؤسسا لأسرة جديدة ونلاحظ أيضا فى لقب التتويج( سحوتب إيب رع) بمعنى الذى يهدئ قلب رع عودة إلى قيم الدولة القديمة وربما يكون هذا الإتجاه هو الذى أدى فى النهاية إلى ظهور صيغة آمون رع التوفيقية. وقد قدمته بردية نفرتى كاهن تل بسطة فى شرق الدلتا على أنه مخلص البلاد من الفوضى وتنسب هذه البردية إلى عصر الملك سنفرو كما أشرنا سابقا وعلى أنها كانت نبوءة بوصول أمنمحات إلى حكم مصر ولكن قد يكون من المؤكد أن نفرتى كان رجلا من رجال أمنمحات وأن البردية قد كتبت فى الواقع فى عهد أمنمحات نفسه وأنها كانت وسيلة من وسائل الدعاية السياسية التى تلائم العقل المصرى القديم كأشكال النبوءة والحلم وغيرها من هذه الأشكال وتقول البردية (كل خير قد ولى والبلاد تعانى من جراء البدو الغزاة والأعداء بيننا والآسيويون يدخلون مصر، المالك أصبح فى حاجة يسأل الناس وغدا الأجنبى غنيا، نقصت الأرض وتضاعف حكامها، إن المخلص سيأتى، سيظهر ملك فى الجنوب يدعى إمنى(إختصار إسم أمنمحات) إبن أمرأة من تاستى(إقليم الفنتين) طفل من نخن سيستلم التاج الأبيض ويرتدى التاج الأحمر ويوحد القوتين (أى القطرين) .

والبردية بهذا الشكل وبصرف النظر عن هدفها السياسى فى الدعاية لحكم أمنمحات  تلقى الضوء على الخطر المزمن الذى كان يمثله إجتياح البدو لمصر فى ظل غياب سلطة مركزية قوية يمثلها وجود فرعون قوى على رأس الحكم وهى بهذا الشكل أيضا تذكرنا بالبرديات التى خلفها عصر الفوضى الأول مثل بردية إيبور ونصائح الملك خيتى الثالث لإبنه مرى كارع .

وقد أنشأ أمنمحات عاصمة جديدة لمصر تسمى (إيثت تاوى) بمعنى القابضة على الأرضين وتقع إلى الجنوب من منف بحوالى ثمانية عشرة كيلو ربما لصعوبة السيطرة على الأرضين من موقع العاصمة القديمة طيبة كما عمل على إعادة تنظيم الجهاز الإدارى للبلاد وأعاد العمل بنظام التجنيد العسكرى.

وفى بداية عهده أبحر مع خنوم حتب حاكم إقليم بنى حسن فى أسطول من عشرين سفينة حتى الفنتين وقضى على المقاومة لحكمه فى هذه المنطقة كما قام بجولة تفتيشية فى الشمال إلى الدلتا حيث أرسل عدة حملات لدفع غارات البدو عن حدود مصر الشرقية وأقام هناك موقعا حصينا لمحاولة منع غاراتهم المستقبلية أُطلق عليه تسمية (حيطان الأمير أو أسوار الحاكم) وفى نفس الوقت عادت العلاقات الدبلوماسية إلى سابق عهدها مع بيبلوس وعالم بحر إيجة.

وفى العام العشرين من حكمه أشرك معه إبنه سنوسرت الأول فى إدارة شئون البلاد ودشن بذلك تقليدا إتبعه ملوك الأسرة الثانية عشرة بعده. وقد قاد إبنه سنوسرت الأول الحملات على النوبة وقاد أكثر من حملة فى عهد أبيه ضد قبائل التمحو الليبين فى وادى النطرون وأثناء غياب سنوسرت فى إحدى هذه الحملات أُغتيل أمنمحات الأول بعد حكم دام ثلاثين سنة – فى مؤامرة دبرها حريم الملك حوالى سنة 1992ق.م –  و لكن سنوسرت تمكن من العودة إلى مصر بسرعة حيث قضى على المتآمرين وإرتقى عرش مصر. ويرد وصف هذه الأحداث فى نص أدبى شهير خلفه ذلك العصر هو (قصة سنوهى)- أحد أفراد حاشية سنوسرت العائدة معه من ليبيا-  وكان بين المتهمين فى حادث إغتيال الملك أمنمحات وقد روى فيها قصة هروبه من مصر ولجوئه إلى أحد أمراء البدو فى سوريا حتى عودته إلي الوطن بعد عفو سنوسرت عنه.

وقد أشتهر سنوسرت الأول الذى إستمر عهده لخمسة وأربعين عاما بكثرة أعماله العمرانية وأهمها تشييده من جديد لمعبد رع بمدينة هليوبوليس أكبر وأقدم الآلهة المصرية لكسب ود أهل مصر السفلى ويبدو أنه قد إنحاز لعقيدة رع  كما يدل لقب تتويجه ( نفر كارع) كما إتبع سياسة أبيه فى إشراك ولى عهده معه فى حكم البلاد فأشرك معه فى الحكم إبنه أمنمحات الثانى وواصل سياسة أبيه فى بسط النفوذ المصرى على النوبة وفى إرسال الحملات التأديبية على التمحو والتحنو الليبيين بينما إقتصرت علاقاته بفلسطين وسوريا على التبادل التجارى السلمى.

وبعد وفاته خلفه إبنه أمنمحات الثانى الذى تميز عهده بالسلم وفى عهده إزدهرت العلاقات التجارية مع بلاد الشرق الأدنى والبحر المتوسط  وإنفتحت مصر على المؤثرات الشرقية ونزحت إلى مصر أعداد كبيرة من الأيدى العاملة وبدأت عمليات تسلل بطيئة مهدت الطريق أمام السيطرة الآسيوية عندما سمحت الظروف بذلك.

وبعد وفاته خلفه إبنه سنوسرت الثانى الذى شهد عهده  بداية واحد من أكبر المشروعات الإقتصادية فى مصر القديمة وهو إستصلاح أراضى منطقة الفيوم بتحويل رافد من روافد النيل إليها. وفى عهده دخلت طلائع الهكسوس إلى مصر سلما أثناء عمليات التبادل التجارى مع فلسطين إذ يرد فى  نقش على أحد حيطان مقبرة خنوم حتب حاكم إقليم بنى حسن فى عهد سنوسرت الثانى أن الحاكم المذكور قد إستقبل فى إقليمه جماعة من البدو الآسيويون الذين ربما أتوا من فلسطين وكان على رأسها (أباشا – حاكم الأراضى الجبلية) الذى يرى فيه بعض المؤرخين شخص النبى إبراهيم الجد الأكبر لقبيلة إسرائيل العبرية التى دخلت مصر بعد ذلك التاريخ ضمن قبائل الهكسوس التى إجتاحت مصر فى عهد الفوضى الثانى .

وبعد وفاة سنوسرت الثانى خلفه إبنه سنوسرت الثالث الذى يعد واحدا من أعظم ملوك مصر القديمة. وقد تمكن سنوسرت الثالث من القضاء نهائيا على نفوذ حكام المقاطعات وضم النوبة إلى مصر بشكل نهائى حيث قام فى العام الثامن من حكمه بحملة كبيرة عليها مبحرا عبر قناة شقها فى صخور الشلال الأول وإتبع ذلك بما لايقل عن ثلاث حملات أخرى قادها  بنفسه فى الأعوام الثانى عشر والسادس عشر والتاسع عشر من حكمه وسجل أحداثها فى لوح نصر أقامه عند سمنة جنوب وادى حلفا كما أقام سلسلة من التحصينات مكونة من ثمان قلاع تمتد من سمنة إلى بوهن وهى أعمال تتشابه مع ماسوف يقوم به فراعنة الدولة الحديثة بعد ذلك فيما يخص تأمين حدود مصر الشرقية وقد قاد سنوسرت أيضا حملة فى الشمال إلى حدود فلسطين لم تكن ذات طابع هجومى ولكنها كانت بهدف تأمين الحدود المصرية الشمالية. وقد قسمت مصر فى عهده إلى ثلاثة أقسام جغرافية كبيرة تضم مقاطعات مصر السفلى ومصر الوسطى ومصر العليا على رأس كل منها موظف كبير يساعده بعض المعاونيين ويخضع الجميع للإشراف المباشر للوزير.

وقد دام حكم سنوسرت الثالث خمسة وثلاثين عاما وفى أخريات أيامه أشرك معه فى الحكم إبنه أمنمحات الثالث الذى خلفه بعد وفاته. وقد  إستفاد أمنمحات الثالث من ظروف الإستقرار السياسى التى تحققت فى عهد أبيه فوجه جهوده لتنمية وإستثمار الموارد الإقتصادية لمصر بحيث إستطاع إستصلاح مايقرب من سبعة وعشرين ألف فدان فى منطقة الفيوم وأقام على الشاطئ الشمالى من المنطقة تمثالين ضخمين يمثلانه وهو جالس يبلغ إرتفاع كل منهما إثنى عشر مترا وهما التمثالان اللذان إشتهرا بإسم (تمثالى ممنون) و تحدث عنهما هيرودوت فى تاريخه عن مصر وقال أنه كان يصدر منهما أصواتا عند الغروب.

أما أهم أعمال أمنمحات الثالث فهو معبده الجنازى الذى عرفه الرحالة الإغريق بإسم (اللابيرانث أى التيه) ووصفوه بأنه أعظم من الأهرام وكانت مساحته حوالى سبعين ألف متر مربع وقد إعتبره الإغريق من عجائب مصر وقد وصفه كل من هيرودت وديودور وإسترابون فذكر هيرودت أنه قد شاهده بنفسه وأنه يفوق الوصف وأنه  يفوق الهرم أما ديودور فقد وصفه بأنه يدعو للعجب لدقة صناعته وأن من يدخله لايستطيع أن يجد طريق الخروج منه بسهولة أما إسترابون فقد وصف اللابيرانث بأنه يحتوى على عدد ضخم من الأبهاء المتصلة بعضها بالبعض الآخر عن طريق ممرات دوارة لايستطيع الغريب أن يجد مساره خلالها. ومع الأسف فلم يترك لنا الزمن من هذا البناء العجيب اليوم إلا أكداس من التراب.

دام حكم أمنمحات الثالث خمسة وأربعين عاما وفى العام الأخير من حكمه أشرك معه إبنه أمنمحات الرابع فى إدارة شئون البلاد والذى حكم لحوالى عشر سنوات دخلت البلاد بعده فى حالة من الإضطراب كتلك التى حدثت فى نهاية الدولة القديمة إذ تولت الحكم بعده سبك نفرو كأول إمرأة وفرعون فى تاريخ مصر والتى ربما كانت أخت الملك أو زوجته و فى عهدها القصير الذى لم يتجاوز الثلاث سنوات إضطربت أحوال البلاد وظهرت بوادر هجرات الشعوب البدوية وقلاقل وراء الحدود الشمالية الشرقية وبنهاية حكمها ينتهى عهد الأسرة الثانية عشرة والذى ينتهى بها عصر الدولة الوسطى كلها لتدخل مصر بعد ذلك إلى مرحلة حرجة أخرى من تاريخها عرفت بإسم عصر الفوضى الثانى.

عصر الفوضى الثانى(1786-1580ق.م)

ويشمل هذا العصر الأسرتين المصريتين الثالثة عشرة والرابعة عشرة (حوالى 1785-1633ق.م)وأسرتى الهكسوس الخامسة عشرة والسادسة عشرة( حوالى 1730-1530ق.م)  ويتميز هذا العصر المضطرب بقلة المصادر الأثرية والكتابية ولذا فلايمكن تقديم أكثر من صورة عامة عنه. وقد إستغرق هذا العصر مايزيد عن قرنين وقد حكم خلاله عدد كبير من الملوك ويمكن تفسير ذلك على أساس أنه كانت هناك مجموعات تحكم فى نفس الوقت، فى الشمال وأخرى فى مصر الوسطى وثالثة فى الصعيد.

ويرجح بعض المؤرخين سبب إنهيار الأسر الثانية عشرة بعدم وجود وريث شرعى للحكم وأيضا بحركة الهجرة الواسعة للعمالة الآسيوية إلى مصر وكذلك بعودة نفوذ حكام الأقاليم ولاشك أن كل هذه الأسباب مجتمعة قد ساهمت فى إنهيار الأسرة الثانية عشرة ولايقتصر الأمر على واحد منها فقط.

وبعد إنهيار الأسرة الثانية عشرة إتخذت الأسرة الثالثة عشرة التى خلفتها من (إيثت تاوى) عاصمة لها كما كان الحال من قبل وجاء معظم ملوك هذه الأسرة من طيبة وفى عصر هذه الأسرة تمت سيطرة الهكسوس على مصر فى عهد الملك ديدومسيو الأول ( توتيمايوس عند مانيتون) حوالى سنة  1675ٌ ق.م فكان ذلك بمثابة النهاية لها رغم توالى حكم بعض ملوكها حتى بعد سقوط منف ولكن بالطبع فقد تقلص نفوذ هؤلاء وإنحصر عن الدلتا ولم يعودوا يسيطرون إلا على مناطق محدودة من مصر بعد أن كانوا ملوكا على مصر كلها.

وفى ظل هذه الظروف إستغل أمراء منطقة سخا فرصة ضعف الأسرة الثالثة عشرة وإستقلوا بإقليمهم متخذين من مدينة سخا الحالية بمحافظة كفر الشيخ عاصمة لهم مؤسسين بذلك الأسرة الرابعة عشرة لكن هذه الأسرة لم تستمر طويلا بدورها بعد سقوط الأسرة الثالثة عشرة. وهكذا توزع حكم مصر فى هذه الفترة من تاريخها بين ملوك الأسرة الثالثة عشرة فى الجنوب وأمراء سخا فى غرب الدلتا بينما كان الهكسوس يسيطرون على شرقها حيث إتخذوا من مدينة (أواريس) الواقعة فى شرق الدلتا عاصمة لهم كما إتخذوا من الإله المصرى ست معبودا لهم وووضعوا إسم الإله رع فى ألقابهم الملكية مما يدل على تأثرهم وذوبانهم فى الثقافة المصرية على نحو ما.

وكلمة الهكسوس هى تحريف للكلمتين المصريتين حقاو وخاسوت التى تعنى حكام الأراضى الأجنبية وهى أحد التسميات التى أطلقها المصريون على الآسيويين بشكل عام وقد ترجمها مانيتون فى تاريخه بمعنى ملوك الرعاة أما يوسيفيوس اليهودى فقد ترجمها فى كتابه (تاريخ اليهود) والذى نقل فيه فقرات كثيرة من كتاب مانيتون المفقود بمعنى الأسرى الرعاة وربط بينهم وبين شعب إسرائيل الذى دخل مصر فى حدود ذلك الوقت أيضا ولكن أفضل الإفتراضات فى هذا الخصوص هى أن شعب إسرائيل كان مجرد فصيل من فصائل الهكسوس الذين سيطروا على الوجه البحرى ولم يشكل كل فصائلهم وأنه قد دخل مصر معهم فى حدود نفس التاريخ التى إجتاحت فيه الشعوب البدوية مصر من الشرق بسبب ظروف الجفاف التى شملت إقليم شرق المتوسط فى ذلك الوقت بدليل وجود إسم (يعقوب حار والذى عرف ايضا بإسم يعقوب بعل) ضمن أسماء ملوك الهكسوس، وبشكل عام فهناك شبه إتفاق بين علماء المصريات على أن اليهود أو العبرانيين قد دخلوا مصر مع الهكسوس أو فى زمن إحتلال الهكسوس لمصر بأقل تقدير ولكن تاريخ خروجهم منها فمازال محل خلاف بين العلماء، وهناك نظريات كثيرة تعالج هذا الموضوع الهام بعضها يأخد برواية يوسيفيوس المنقولة عن مانيتون بأن تاريخ الدخول حدث فى عهد الهكسوس وكان الخروج فى عهد أحمس الأول مع الهسكوس وأن أوزرسيف الذى حاصره أحمس فى شاروهين هو موسى نفسه ومن أهم العلماء الذين يؤيدون هذا الرأى ألن جاردنر عالم المصريات الشهير، ومع ذلك فإن النظرية المقابلة الأخرى التى ترجح خروجهم فى عصر رمسيس الثانى وإبنه مرنبتاح تبدو هى الأقٌوى وذلك بسبب النص القاطع – وأسباب أخرى – الذى عثر عليه فى لوح أثرى منسوب إلى عصر مرنبتاح والذى يعدد فيه الفرعون منجزاته ويشير فى إحداها إلى قضائه على شعب إسرائيل صراحة ولكن الواقع أن هذا الموضوع الهام من موضوعات التاريخ المصرى القديم مازال محل جدل حتى اليوم وهناك كثير من النظريات الأخرى التى تعالج هذا الموضوع والتى عالجها الدكتور محمد بيومى مهران فى كتابه(بنى إسرائيل) وربما تساعد الإكتشافات الأثرية المستقبلية على حسمه بشكل نهائى ولكن وفى كل الأحوال فمن المؤكد أن الحقيقة التاريخية بهذا الخصوص- وأى كانت – تختلف تماما عن الرواية الدينية التى ذُكرت فى قصة الخروج فى العهد القديم والتى فسرت دخول وخروج شعب إسرائيل من مصر بأسباب دينية تماما بينما هى فى الواقع سياسية افتصادية تماما وذلك لإن اليهود عندما بدأوا فى تسجيل تاريخهم فى العهد القديم بعد العودة من المنفى فى  بابل بواسطة الكاهن عيزرا ومن تبعه من الكهنة خلال القرن الخامس قبل الميلاد فقد إعتمد هؤلاء منهجا دينيا أسطوريا  لتفسير أحداث التاريخ القديم والتى كان قد مر على وقوعها  عدة قرون عندما بدأوا فى تسجيلها ولذا فقد غلب عليها  طابع الخيال الدينى أكثر من طابع الكتابة التاريخية. 

وعلى كل حال فبنهاية عهد الأسرة الثالثة عشرة إنقسمت مصر إلى ثلاثة ممالك رئيسية هى مملكة الهكسوس التى كانت تسيطر على الدلتا ومصر الوسطى، ومملكة طيبة التى  ظهرت فى الصعيد وشكلت الأسرة السابعة عشرة وكانت تسيطر على الصعيد، ثم مملكة النوبة التى كان يحكمها أمير نوبى يسيطر على الجنوب من الفنتين حتى كرما وكان حليفا للهكسوس.

ومن الواضح أنه منذ نهاية عهد الأسرة الثالثة عشرة لم يجرؤ أحد من الأمراء المستقلين على إدعاء الملك وتحدى الهكسوس وذلك حتى تجرأ أمراء الصعيد مؤسسى الأسرة السابعة عشرة على إتخاذ ألقاب الفراعين وتحدى نفوذ الهكسوس فى الشمال. ونعرف من وثيقة متأخرة من عصر الرعامسة عرفت بإسم (بردية ساليه) كيف بدأ النزاع بين ملوك طيبة وبين الهكسوس إذ نعرف من هذه البردية أن الملك سقنن رع (الثانى) كان فى ذلك الوقت حاكما على طيبة وكان معاصرا لملك الهكسوس أبوفيس( أبيبى) الذى أرسل يطلب منه إسكات أفراس النهر فى مياه طيبة لإنها تزعجه وهو فى قصره فى الدلتا وذلك كما يبدو على سبيل إستفزازه وإهانته بشكل متعمد. ومن فحص مومياء سقنن رع المحفوظة الآن فى المتحف المصرى نرى أن صاحبها قد مات متأثرا من جراح كثيرة فى صدره وضربة فأس فى رأسه مما يرجح أن يكون هذا الملك قد مات فى الحرب التى بدأت مع الهكسوس فى عهده على أثر تلك الحادثة .

 وبعد وفاته تولى إبنه الملك كامس الذى وصلت إلينا أخبار معاركه فى سبيل تحرير مصر على لوحة لصبى فى أحد المدارس كان مدرسه قد أملاها عليه كقطعة إملاء وقد إشتهرت بإسم (لوحة كارنارفون)  وفى عام 1954م عثر على لوح حجرى فى أساسات معبد الكرنك وعليه 38 سطرا من الكتابة أكملت للتاريخ قصة كفاح كامس ضد الهكسوس. وفى هذا اللوح الحجرى ينحى كامس باللائمة على ملك الهكسوس ويذكره بهزيمته أمامه وبخوف الآسيويين من جيش مصر ويذكر كامس فى هذه اللوحة أنه قد أسر رسولا بعث به ملك الهكسوس عبر طريق الواحات إلى ملك كوش يحمل رسالة مكتوبة بخطه يحرضه فيها على مهاجمة مصر من الجنوب أثناء إنشغال كامس بحربه ويعده بأن يتقاسم معه مدن مصر. ونتيجة لخشية كامس أن يحدث عليه هجوم من طريق الواحات أرسل حملة  إحتلت الواحات البحرية لإنها تقع على رأس الطرق الموصلة إلى مصر الوسطى ثم يعدد كامس المدن التى إستولى عليها وفرح أهل طيبة بإنتصاراته. ولكن الإستيلاء على الوجه البحرى كله وعلى أواريس عاصمة الهكسوس لم يتم على يديه ولكن على يد أخيه أحمس الذى برز فجأة كالبطل الثالث بعد كامس والذى لانعرف كيف إنتهت حياته وواصل أحمس قتال الهكسوس حتى أجلاهم عن مصر تماما.

ونستمد معلوماتنا عن حرب أحمس مع الهكسوس من مقبرة أحد قواده المدعو (أحمس إبن أبانا) حيث يروى هذا القائد على جدران مقبرته تاريخ حياته وكيف أنه تنقل فى الخدمة العسكرية كقائد لإحدى السفن ويذكر كيف تبع سيده الملك فى حربه مع الهكسوس وكيف سقطت أواريس بعد حصارها وكيف فر الهكسوس إلى مدينة (شاروهين) فى جنوب غزة وكيف حاصرها الجيش المصرى لمدة ثلاث سنوات حتى اسقطها وكيف هربت فلول الهكسوس إلى زاهى وهى كلمة مصرية قديمة كانت تشير إلى منطقة فلسطين وسوريا. وهكذا تحررت مصر من الهكسوس بجهود ملوك الأسرة السابعة عشرة الطيبية بدأً  بجهود الملك سقنن رع الأول وسقنن رع الثانى  وإبنه كامس نهاية بجهود أخيه أحمس الأول محرر مصر من الهكسوس ومؤسس الأسرة الثامنة عشرة(حوالى 1570-1295ق.م) أشهر الأسرات الفرعونية فى تاريخ مصر القديمة على الإطلاق.

عصر الدولة الحديثة(1580-1078ق.م) رمسيس

كان للصراع مع الهكسوس تأثيره الكبير على عهد أحمس الأول وعلى تاريخ الأسرة الثامنة عشرة كلها فقد أدرك أحمس وخلفائه من بعده ماللقوة العسكرية من أهمية فى الحفاظ على سلامة الوطن كما أن المصريين قد تعلموا أثناء صراعهم مع الهكسوس كثير من التقنيات العسكرية الحديثة مثل العجلات الحربية وإستخدام البرونز بدلا من الحديد ولذا فقد شهد عهده ثورة تمثلت فى تمجيد الجندية وبناء جيش قوى بدأ به خلفاءأحمس الأول سلسلة الحروب الدفاعية عن مصر والتى أدت فى النهاية إلى تأسيس إمبراطورية مصرية إمتدت من حدود مصر الشرقية حتى نهر الفرات.

كذلك فقد شهد عهده إرتفاع مركز المرأة  فى المجتمع المصرى وذلك بسب الدور الكبير الذى لعبته الملكات الثلاث  (تتى شرى) زوجة سقنن رع الأول (وإيعح حوتب) زوجة سقنن رع الثانى والملكة (أحمس نفرتارى) زوجة الملك أحمس الأول نفسه فى الصراع مع الهكسوس بحيث ظهرت فى هذه المرحلة وظيفة جديدة للملكة هى وظيفة زوجة الإله آمون وكانت الملكتان إيعح حوتب وأحمس نفرتارى أولى من شغلتا هذا المنصب الدينى الهام إعترافا بالمكانة الجديدة التى أصبحت زوجة الفرعون تحتلها فى ذلك العصر والتى كان لها إنعكاساتها على تاريخ الأسرة كله بحيث تمكنت إمرأة  مثل الملكة حتشبسوت من ان تحتل مركز الفرعون القوى بعد ذلك .

وبعد وفاة أحمس الأول خلفه إبنه أمنمحتب الأول والذى إتخذ  القابا ملكية تدل على إهتمامه بالبلاد الأجنبية مثل لقبه الحورى كا او عف تاو( الثور الذى أخضع البلاد)(اللقب الحورى هو اللقب الإلاهى الذى يشير إلى نسبة الفرعون إلى حورس الإلهى أول ملك على مصر) والإسم النبتى أعا نيرو( الذى يثير رعبا شديدا)(اللقب النبتى هو اللقب الدنيوى الذى يشير إلى سيطرة الفرعون على الوجهين القبلى والبحرى) ومع ذلك فقد عم السلام سنوات حكمه فى الداخل وفى الخارج ونجحت مصر فى عهده فى توسيع وتأمين حدودها الشرقية والجنوبية دون الإضطرار للقيام بحملات كبرى وقد شهد عهده بعض الإنجازات المميزة فى تاريخ الحضارة المصرية القديمة مثل توصل أحد رعاياه ويدعى أمنمحات إلى إختراع الساعة المائية و كذلك كتابة (بردية إيبرز) التى عُثر عليها فى الأقصر وتعتبر المصدر الرئيسى للطب المصرى القديم و إكتمال النص النهائى لكتاب (إمى دوات) وهو الكتاب الرئيسى من بين الكتب الجنائزية الملكية.

وبعد وفاته خلفه إبنه تحتمس الأول والذى إستطاع أن يمد النفوذ المصرى فى النوبة إلى ماوراء الشلال الثالث عند جزيرة تومبوس كما قام بشن حملة على بلاد نهرين حيث كان يحكم الميتان فى شمال شرق الشام قرب نهر الخابوروالفرات وأقام لوحة حدود هناك.

وبعد وفاته خلفه إبنه تحتمس الثانى الذى قام بدوره بتدعيم تلك الإنتصارات فقام فى العام الأول من حكمه بشن حملة فى النوبة لسحق ثورة فى كوش ثم قام بحملة على جنوب فلسطين ضد البدو(شاسو) وإستمر فى زحفه حتى وصل إلى حدود بلاد نهرين مرة أخرى.وقد تزوج تحتمس الثانى من أخته غير الشقيقة حتشبسوت التى أصبحت ملكة شهيرة بعد ذلك.

فبعد وفاته خلفه إبنه تحتمس الثالث ولإنه كان مازال صغيرا فقد وُضع تحت وصاية زوجة أبيه حتشبسوت التى أخذت  تدير شئون البلاد بإسمه لبعض الوقت وعندما إطمأنت إلى قوة مركزها وكثرة أعوانها نحته جانبا وحملت ألقاب الفرعون المصرى كاملة كما زعمت لنفسها مولدا إلهيا من الإله آمون ونقشت ذلك على جدران معبدالدير البحرى الذى يعد أعظم منشآتها على الإطلاق.

وقد إعتمدت حتشبسوت على مجموعة من الرجال الأقوياء كان أشهرهم (سنموت) الذى وصف نفسه بأنه كان أكبر الكبراء فى كل البلاد ورئيس الرؤساء فى كل الأقاليم . وقد تراجعت سياسة مصر الآسيوية فى عهد حتشبسوت ربما بسبب عدم ميولها العسكرية كإمرأة ومع ذلك فقد إشتهرت حتشبسوت بالبعثة التجارية الكبيرة التى أوفدتها إلى بلاد بونت فى الجنوب حتى موقع الصومال الحالية وقد سجلت أخبار الرحلة على معبد الدير البحرى.

وبعد وفاة حشبسوت إنفرد تحتمس الثالث بحكم البلاد لكنه إعتبر حكمه وكأنه يبدأ منذ وفاة أبيه وتجاهل تماما الفترة التى إنفردت بها زوجة أبيه حتشبسوت بالحكم ولم يعترف بها. وبدأ تحتمس الثالث عهداً جديدا فى تاريخ مصر القديمة خاصة من الناحية الخارجية حيث كان يتمتع بعبقرية عسكرية فذة مكنته من مواجهة التمرد الكبير الذى قامت به ولايات مصر الآسيوية بعد عهد حتشبسوت مباشرة وكنتيجة لسياستها السلمية وأيضا كنتيجة لظهور قوة ميتانى ورغبتها فى توجيه سياسة الشرق الأدنى. وكان أمير قادش على رأس هؤلاء المتمردين وقد وصل إلى مجدو بموقع تل المتسلم الحالية وجمع حوله ثلاثمائة وثلاثين أميرا لكى يوقفوا تقدم الفرعون عند مجدو ولكن تحتمس الثالث وبمجرد أن علم بهذا التجمع المتمرد حتى خرج على رأس جيشه وتوجه إلى فلسطين وعبر ممر عارونا الممتد بين شعاب جبل البرقل وذلك بدلا من الإلتفاف حول ذلك الجبل بهدف مفاجئة العدو وإختصار الوقت فى نفس الوقت وبالفعل فوجئ هؤلاء بوصوله على رأس جيشه  ففروا تاركين معسكرهم ودخلوا المدينة المحصنة ويذكر النص المصرى بأنه لولا إنشغال الجنود المصريين بنهب المعسكر لأمكنهم الإستيلاء على المدينة بسهولة لكن هذا الخطأ قد كلفهم سبعة أشهر من حصار المدينة حتى تمكنوا من إسقاطها فى النهاية وقدم كل من فيها الولاء للفرعون.

كانت حملة تحتمس الثالث على مجدو فاتحة لحملات أخرى بلغ عددها ستة عشر حملة كان يقوم بها كل عام عند إقبال الصيف ويرجع إلى مصر فى أوائل الشتاء. وقد قام تحتمس الثالث بتجهيز الموانئ السورية لتكون قاعدة للجيش المصرى. وفى حملته السادسة فى العام الحادى والثلاثين من حكمه تمكن من الإستيلاء على قادش وفى حملته الثامنة وصل إلى الفرات وإستولى على مدينة قرقميش وأصبحت مصر منذ هذه الحملة صاحبة النفوذ فى غربى آسيا. وفى الحملة السادسة عشرة والأخيرة فى العام الثانى والأربعين من حكمه ثارت مدينة قادش بمؤازرة ملك ميتان إلا أنه أسقطها للمرة الثانية وقضى على كل محاولة لمعارضة النفوذ المصرى فى تلك البقاع. أما آخر حملة حربية لتحتمس الثالث فكانت على النوبة حيث ذهب إليها فى العام الخمسين من حكمه و مات بعد أن حكم مصر لمدة أربع وخمسين عاما مثلت أزهى عهود العسكرية فى مصر القديمة ربما بنفس الشكل الذى مثلت فيه حملات محمد على أزهى عهود العسكرية المصرية فى العصر الحديث.

وبعد وفاته خلفه إبنه أمنمحتب الثانى وقد نشأ عسكريا على خطى أبيه حيث تكشف نصوص مقبرة مين عمدة مدينة طينة ومدرب أمنمحتب بعض اللمحات عن طفولته وتربيته العسكرية كما توضح اللوحة التى أقامها أمام أبى الهول وعثر عليها عام1936م معرفته بالرياضة وقوته البدنية وبراعته فى كل فنون الحرب.

وفيما يتصل بسياسته الخارجية فقد عمل بعد توليه العرش مباشرة على القضاء على الثورات التى قامت ضد النفوذ المصرى فى غربى آسيا فإندفع نحو سوريا وأخضع كل من لم يقدم له الولاء وفعل مالم يكن من عادة الفراعنة فعله وهو إعدام أسراهم فأحضر سبعة من أمراء المدن السورية إلى طيبة وقتل ستة منهم أمام الإله آمون فى طيبة أما السابع فقد أرسله إلى نبتا ليشنق هناك أمام الإله آمون سيد جبل برقل. وقد تبع تلك الحملة بحملة أخرى فى السنة التاسعة من حكمه. أما فى الجنوب فقد إمتد النفوذ المصرى فى عهده إلى حدود منطقة سندس شمال الخرطوم . وقد حكم حوالى خمسة وعشرين عاما وبعد وفاته خلفه إبنه تحتمس الرابع الذى يبدو أنه كان من أبناء الملك ولكنه لم يكن صاحب الحق الشرعى فى الحكم إذ تروى لنا لوحة الحلم التى أقامها بين ذراعى أبى الهول فى صحراء الجيزة- والتى سبق ذكرها- كيف أنه كان يصطاد يوما من الأيام فى صحراء الأهرام عندما كان أميرا وجلس فى ظل تمثال أبى الهول فغلبه النوم ورأى فى حلمه أبيه الإله أى أبى الهول يبشره بأنه سيصبح ملكا فى المستقبل ويطلب منه إذا تحقق ذلك أن يرفع الرمال التى تراكمت حوله وكادت تخنقه لإنه لم يكن يستطيع التنفس بسببها. ومن الواضح أن هذه القصة تدخل فى نطاق أدب الدعاية السياسية مثل بردية نفرتى التى أشرنا إليها عند الحديث على عهد أمنمحات الأول . وبالفعل قام تحتمس الرابع برفع التراب عن التمثال بعد أن إعتلى العرش كما أثبت أنه كان جديرا بهذا العرش أيضا. فبمجرد توليه الحكم توجه على رأس جيشه إلى سوريا حيث أعاد تأكيد النفوذ المصرى وعاد محملا بالكثير من الغنائم وبعدد كبير من الأسرى الذين بنى لهم حيا خاصا فى العاصمة طيبة وكذلك فعل نفس الشئ عندما ذهب إلى السودان لإخماد ثورة نشأت هناك.

وقد سن تحتمس الرابع سنة جديدة عندما تزوج من إبنة ملك الميتان الأميرة (موت أم أويا) على سبيل المصاهرة السياسية بهدف توطيد العلاقات بين البلدين وهذه الأميرة هى التى أنجبت له إبنه أمنمحتب الثالث الذى تولى العرش بعد وفاته.

وفى عهد أمنمحتب الثالث دخلت الأسرة الثامنة عشرة طورا جديدا من تاريخها حيث لم يكن حاكمها الجديد ميالاً إلى الحرب بطبيعته  فقد كان الملك الشاب ميالا إلى الفن والمتعة والجمال فطبع البلاد بطابعه وأخذت مصر تبنى المعابد الضخمة والقصور الفخمة وبدأت الفنون تحتل المكانة الأولى وتراجعت سياسة الحروب الدفاعية التى إستنها فراعنة الدولة الحديثة منذ عهد أحمس الأول.

وقد تزوج أمنمحتب الثالث بالعديد من النساء كانت زوجته الملكة (تى) أشهرهم وكانت سيدة من عامة الشعب من مدينة أخميم وكان لها مكانة كبيرة فى قلب الملك وقد تزوج أيضا من أميرة ميتانية هى الأميرة (جيلوخيبا) إبنة ملك الميتان ثم تبع ذلك بالزواج من أميرات بابليات وآشوريات.

وفى عهده ظهر خطر قبائل العابيرو التى بدأت تثير المتاعب فى فلسطين كما أشارت إلى ذلك رسائل تل العمارنة التى عثر عليها فى موقع مدينة (أخيتاتون) عاصمة إخناتون. ويعتقد أن هؤلاء العابيرو كانوا هم العبرانيين وكانوا جزءً من شعب إسرائيل الذى أخذ  يغير على فلسطين بعد خروجه من مصر مع الهكسوس أيام أحمس الأول وأن جزء آخر منهم قد ظل فى مصر حتى خرج بعد ذلك مع موسى فى عهد مرنبتاح إبن رمسيس الثانى. كذلك فقد بدأ الحيثيون فى تهديد نفوذ مصر فى غربى آسيا.

وقد أشرك أمنمحتب الثالث إبنه أمنمحتب الرابع معه فى الحكم وقد تزوج الأخير من أميرة شهيرة تسمى (نفرتيتى) وأقام مع أبيه فى طيبه لكنه بعد أن تولى العرش بعد وفاة أبيه وفى العام السادس من حكمه قرر الإنتقال إلى عاصمة جديدة بناها إلى الشمال من طيبة أطلق عليها إسم أخيتاتون أى أفق آتون أو مشرق آتون وقرر إعتبار قرص الشمس آتون إلها واحدا وبدأ فى إضطهاد آلهة مصر الأخرى وخاصة الإله آمون وكهنته فى طيبة كما غير إسمه من أمنمحتب الرابع إلى إخناتون أى المفيد لآتون. ولاشك أن عقيدة إخناتون الجديدة لم تنشأ من فراغ فقد كانت إمتدادا لعبادة رع أكبر وأقدم آلهة مصر القديمة ولكن  فكرة فرضها كعقيدة وحيدة لم يقدر لها النجاح وكان تأثيرها سلبيا على مصير البلاد نتيجة لإنشغال الفرعون بها من جهة ولما أحدثته من إنشقاق فى المجتمع من جهة أخرى. وفى ظل هذه الظروف إزدادت أحوال البلاد سوءً وإنتهزت مملكة خيتا الفرصة وأخذت تغير على المناطق السورية وتضمها منطقة بعد أخرى وذلك بالإضافة إلى ظهور خطر العابيرو أو العبرايين الذى أشرنا إليه سابقا.

ومن أهم آثار إخناتون الدينية نشيده إلى الإله آتون والذى يتشابه بشكل كبيرا للغاية مع المزمور 104 من مزامير العهد القديم وهو أمر يثير تساؤلات كثيرة عن مدى تاثر آداب اليهود الدينية بالآداب الدينية المصرية القديمة وآداب الشرق الأدنى القديم بشكل عام!

كذلك كان لحركة إخناتون الدينية الجديدة تأثيرا كبيرا على الفن المصرى فى هذه المرحلة فظهرت أشكال  جديدة من التعبير أكثر جرأة وأكثر إنسانية من الأشكال القديمة الجامدة. ولم يطل العمر بإخناتون إذ مات فى العام الحادى والعشرين من حكمه ودفن فى تل العمارنة ثم نقل جثمانه إلى وادى الملوك بغرب طيبة بعد ذلك ولم تحقق دعوته الدينية نجاحا يذكر وإنفض عنها كل من كان إنتمى إليها ممالأة له فى حياته وأشهرهم خليفته الثانى تون عنخ آمون الذى حكم بعد خليفته سمنخ كارع و غير إسمه من توت عنح آتون إلى تون عنخ آمون وإنتقل للحياة فى طيبة مرة أخرى وهجر تل العمارنة التى أصبحت مدينة أشباح بعد ذلك.

وقد مات توت عنخ آمون  صغيرا وقد أثبت فحص موميائه أنه قد مات بسبب حادث أو إغتيال وذلك من أثر صدمة عنيفة فى مؤخرة الرأس. وقد كشف العالم الأثرى هوارد كارتر عن مقبرته فى نوفمبر عام 1922م بمنطقة وادى الملوك بطيبة ويعتبر ذلك الكشف من أهم الكشوف الأثرية فى تاريخ العالم بشكل عام وليس فى تاريخ مصر فقط  إذ تحتوى آثار توت عنخ آمون على أكثر من خمسة آلاف قطعة أثرية بأحجام مختلفة يأتى على رأسها القناع الجنزى الفريد لوجه الفرعون الصغير شديد التعبير والذى أصبح ينافس أهرام الجيزة فى الإشارة إلى حضارة مصر القديمة. كما أصبحت ذكريات هوارد كارتر نفسه عن هذا الكشف أحد الأدبيات الكلاسيكية المرتبطة بعالم الآثار القديمة.

وبعد وفاة توت عنخ آمون  خلفه الكاهن آى ولم يحكم أكثر من ثلاث سنوات ثم خلفه القائد العسكرى الشهير حورمحب الذى تزوج من الأميرة الملكية موت نجمت أخت نفرتيتى و حاول إسترضاء كهنة آمون ونجح بالفعل فى القضاء على كثير من مظاهر الفساد والفوضى التى خلفها عهد إخناتون حتى إشتهر فى التاريخ المصرى بلقب فرعون محاربة الفساد وقد عُثر على لوح حجرى  يشمل القوانين والإجراءات التى إتخذها فى سبيل تحقيق العدالة ورفع الظلم عن المواطنين. كما أمر بإصلاح المعابد وترميمها مما لحقها من تخريب فى عهد إخناتون وفى عام حكمه السادس عشر قام بحملة عسكرية فيما بين بيبلوس وقرقميش مما سبب ضغطا كبيرا على الحيثيين وهو الأمر الذى أدى إلى عقد معاهدة بينه وبين الملك الحيثى مورسيل ضمن بموجبها إستقرار الأحوال وراء حدود مصر الشرقية. ومات حور محب بعد أن حكم مصر لحوالى سبعة وعشرين عاما وخلفه زميل سابق له فى الجيش يدعى رمسيس هو الذى أصبح رمسيس الأول مؤسس الأسرة التاسعة عشرة فيما بعد.

لم يحكم رمسيس الأول لأكثر من سنتين سار فيها على خطوات حورمحب فى تسيير شئون البلاد بعدل وحزم وبعد وفاته خلفه على العرش إبنه سيتى الأول الذى إنتسب إلى عبادة الإله ست كما يبدو من إسمه وواصل سياسة إصلاح المعابد التى خربت فى عهد إخناتون ونلاحظ أن الفراعنة كانوا يختارون بين آلهة مصر الكبرى لأسباب سياسية أو لأسباب إيمانية خاصة بهم وكان رع أشهر هذه الآلهة و كذلك آمون وست وبتاح كما كانت عقيدة أزوريس عقيدة شعبية عميقة الجذور فى الروح المصرية القديمة وكان أوزوريس إلها للعالم السفلى وأبا لحورس أول ملك على مصر لكن الآلهة الكبرى ظلت كما هى حتى نهاية تاريخ مصر الفرعونية وهى رع وآمون وبتاح وست. وفى بعض الأحيان كان ملوك الفراعنة يلجأوون إلى نوع من التوفيق بين الآلهة محاولة لإرضاء أكبر عدد ممكن من رعاياهم فمثلا كان الفرعون  ينتسب إلى إلهين فى نفس الوقت مثل الإلهين آمون ورع والذى إنتسب إليهما كثير من فراعنة الدولة الحديثة .

أما فيما يتصل بسياسة سيتى الأول الخارجية فلقد قام فى سنى حكمه الأولى بحملة على سوريا وتبع ذلك بثلاث حملات واجه فى الحملة الأخيرة منها الحيثيين فى موقعة عسكرية غير حاسمة. وفيما يتصل بالغرب فلقد ظهرت بوادر إضطرابات على حدود مصر الغربية فقام ستى ببعض حملات فى هذه الجهات وسجل أخبار إنتصاراته فيها عل جدران معبد الكرنك.

وبعد وفاته خلفه إبنه رمسيس الثانى أشهر فراعنة مصر القديمة على الإطلاق ليس لإن إسمه قد إرتبط بالصراع مع موسى وشعب إسرائيل فقط ولكن لإن هذا الفرعون أستطاع أن يفرض إسمه على التاريخ من خلال منشآته العظيمة وحملاته الظافرة وحكمه الطويل الذى بلغ سبعة وستين عاما. ومن أهم آثار رمسيس الثانى  معابد أبى سمبل الشهيرة التى نقلت من مكانها بعد بناء سد مصر العالى بمعونة منظمة اليونسكو عام 1964. ولقد أنشأ رمسيس عاصمة جديدة لمصرأطلق عليها إسم (بررعمسيس) والتى تعنى بيت رمسيس محبوب آمون وتقع فى شرق الدلتا على الفرع التانيسى للنيل وكانت بذلك ذات موقع متوسط يناسب توجهات رمسيس السياسية بإتجاه تثبيت النفوذ المصرى فى  فلسطين وسوريا. وفى تسمية العاصمة الجديدة مايشير إلى توحد الآلهين رع وآمون. وقد إرتبط إسم رمسيس الثانى فى التاريخ بقصة خروج شعب إسرائيل من مصر ولكن الواقع أن ذلك قد يكون قد حدث فى عهد إبنه مرنبتاح وليس فى عهده – كما أشير سابقا.

وقد قام رمسيس الثانى فى عام حكمه الرابع بحملة على سوريا وفى عام حكمه الخامس وقع الصدام بينه وبين الحيثيين فى موقعة قادش الشهيرة . كانت جيوش رمسيس الثانى مقسمة إلى أربعة فرق رئيسية تحمل أسماء آلهة مصر الكبرى وهى فرق آمون ورع وبتاح وست وقد تمكنت هذه الفرق من تحقيق النصر فى النهاية بعد أن واجهت صعوبات كبيرة ووقع الطرفان على أثر ذلك معاهدة كانت بمثابة هدنة عسكرية إذ تجدد النزاع بعد ذلك بين رمسيس الثانى وبين الحيثيين فى العام الثامن من حكمه فقام بحملة أخرى لكن النصر لم يكن حاسما فيها أيضا كالحملة الأولى وفى العام الحادى والعشرين من حكم رمسيس الثانى تم توقيع معاهدة صداقة بين مصر وبين مملكة الحيثيين إستقرت بها العلاقات بين البلدين.

وبعد وفاة رمسيس الثانى خلفه إبنه مرنبتاح المشهور صاحب لوحة إسرائيل وكان فى الستين من عمره عندما تولى الحكم وكان أبيه قد أشركه معه فى إدارة شئون البلاد وقد شهد عهده إضطرابات  أثارتها شعوب البحر الإغريقية التى بدأت تتدفق على شواطى المتوسط فى حدود عهده ونعتقد أنها نفس الفترة التى إستقرت فيها قبيلة البالستو الإغريقية على شواطئ فلسطين وأعطتها إسمها الحالى وهؤلاء هم الفلسطينيون الذين سوف يدخلون فى صراع مرير مع الشعب الإسرائيلى فى فلسطين بعد خروجه من مصر .

وقد قام مرنبتاح بحملة على آسيا فى العام الثالث من حكمه وفى العام  الخامس تمكن من صد هجوم كبير قامت به بعض القبائل الليبية من قهق ومشوش بالتحالف مع خمسة قبائل من شعوب البحر وإستطاع بذلك دفع هذا الخطر عن مصر مؤقتا. ومات مرنبتاح بعد أن حكم أحد عشر عاما وبوفاته دخلت مصر فى  مرحلة من الفوضى وتعاقب العديد من الملوك فى الحكم مثل آمون مس الذى حكم فترة وجيزة بعد مرنبتاح ثم مرنبتاح سابتاح الذى حكم لمدة ست سنوات حتى خلعه الملك سيتى الثانى الذى حكم لست سنوات هو الآخر وجاء بعدهم الملكة تاوسرت وخلفها حاكم أجنبى هو باى السورى الذى إشتهر بإسم (إرسو)  والذى يمثل عهده نهاية الأسرة التاسعة عشرة. وبتولى ست نخت الذى عزل إرسو يبدأ تاريخ الأسرة العشرين والتى يمثل عهدها آخر عصر الدولة الحديثة وربما آخر عهد قوة فى تاريخ مصر الفرعونية.

وقد حكم ست نخت حوالى ثلاثة أعوام وتولى بعده رمسيس الثالث ومن أشهر آثاره معبد مدينة هابو فى طيبة أما فيما يتعلق بسياسته الخارجية فقد حدث الإحتكاك الأول بينه وبين القبائل الليبية وحلفائهم من شعوب البحر فى السنة الخامسة من حكمه وإنتهت الحرب بينهما بهزيمة الليبيين هزيمة كبرى على حدود الدلتا الغربية عندما كانوا فى طريقهم إلى منف.

وفى العام الثامن من حكمه خاض رمسيس الثالث حربا ضد شعوب البحر الشمالييين وتمكن من هزيمتهم ولكن الليبيين إنتهزوا فرصة إنشغال المصريين بحرب شعوب البحر وأعادوا تنظيم أنفسهم وشنوا هجوما كبيرا آخر على مصر فى العام الحادى عشر من حكم رمسيس الثالث وكانت قيادة الحرب هذه المرة  للمشوش بينما كانت قيادة الحرب الأولى لريبو وإستطاع المشوش وحلفائهم فى هذه الحرب الثانية الوصول إلى الدلتا ومحاصرتها من الشمال والجنوب ولكن رمسيس الثالث تمكن مع ذلك من هزيمتهم فى نهاية الأمر وقتل مششر زعيم قبيلة مشوش قائدة هذه الحرب وقد ترك هذا الإنتصار أثرا كبيرا بين المصريين وسموا هذه المناسبة بعيد قتل المشوش وأخذوا يحتفلون بها سنويا لكن كل هذه الجهود لم تمنع النتيجة النهائية المحتومة فى الواقع  لإن مصر وقعت فى النهاية فى يد الليبيين الذين شكلوا الأسرات من الثانية والعشرين حتى الرابعة والعشرين ولو أن ذلك قد يكون قد حدث فى شكل تغلغل فى موجات من الهجرة السلمية إنتهت بسيطرة العناصر الليبية فى نهاية الأمر كما حدث مع الهكسوس قبل ذلك وقد مثل ذلك أول إحتلال حقيقى لمصر من جهة الغرب كما مثل الهكسوس قبل ذلك أول إحتلال حقيقى لها من جهة الشرق. وسوف يطلق بعض المؤرخين على عصور الحكم الليبى لمصر إسم عصر الفوضى الليبية بدلا من تسمية عصر الفوضى الثالث الذى يتبعه معظم المؤرخين وتبدو تسمية الفوضى الليبية مناسبة تماما فى الواقع لسياق التاريخ المصرى فى ذلك العصرالمضطرب.

أما بالنسبة لسياسة رمسيس الثالث تجاه الشرق فقد أضطر فى بداية حكمه إلى القيام بحملة آسيوية ربما نتيجة الإضطرابات التى نتجت عن هجرات الشعوب الهندوأوربية وقد تمكن من إعادة الأمن إلى نصابه فى ممتلكاته الآسيوية ولو إلى حين. أما عن الجنوب فقد كانت النوبة قد تمصرت تماما فى هذه الفترة من عهد الأسرة العشرين ولذلك فلم تعد موضع قلق بالنسبة للفراعين الذين لم يحاولوا القيام بحملات قوية إلى هذه البلاد ومع ذلك فإن نقوش معبد مدينة هابو تشير إلى رحلة محدودة قام بها رمسيس الثالث على النوبة.

عصر الفوضى الثالث/الفوضى الليبية(1080-664ق.م)موسيقي مصري

وبموت رمسسيس الثالث فقدت مصر آخر فراعنتها العظام ودخلت فى طور من الضعف والتفكك إنتهى بخسارة ممتلكاتها فى سوريا وفلسطين و بسيطرة الليبيين بعد ذلك على الدلتا وتكوين الأسرات من الثانية والعشرين حتى الرابعة والعشرين فبعد وفاته حكم ثمانية من الفراعنة الضعفاء بدءً برمسيس الرابع حتى رمسيس الحادى عشر الذى إنقسم حكم مصر بعد وفاته بين كهنة آمون فى طيبة فى الجنوب وبين القادة العسكريين فى الدلتا فى الشمال .

ومن علاقة النسب والمصاهرة بين بيت حريحور كاهن طيبة ونسى بابند الحاكم العسكرى للدلتا ولدت الأسرة الحادية والعشرين الذى يشوب ترتيب ملوكها  كثير من الإضطراب ولايوجد إتفاق بين الباحثين بشأن ترتيب الحكام فيها نظرا لإستمرار تقاسم السلطة فى الواقع بين الجنوب فى طيبة والشمال فى تانيس ولكن تشتهر فيها أسماء سمندس وبسوسنس الأول وأوسركون وسى آمون وبسوسنس الثانى وسوف تستمر ظاهرة تقاسم السلطة بين الشمال والجنوب حتى ظهور شيشنق الأول الليبى قائد الجيش وحاكم الدلتا والذى سوف يتمكن من الإستيلاء على السلطة وفرض حكمه على مصر كلها مؤسسا بذلك الأسرة الثانية والعشرين.

وشيشنق الأول هو فرعون شهير فى ذلك العصر المضطرب حيث ورد إسمه فى العهد القديم بسبب الحملة التى قام بها على فلسطين أثناء حكم سليمان حوالى سنة 931  ق.م .وقد زوج شيشنق الأول إبنه أوسركون الأول من إبنة بسوسنس الثانى آخر ملوك الأسرة الحادية والعشرين وإتخذ من تانيس (بوباسطة) عاصمة لملكه وإستمرت عهود الحكام ذوى الأصل الليبى لأكثر من قرنين بعده نسوا فيهم أصلهم الأجنبى وحملوا ألقاب الفراعنة ودانوا بعقائد المصريين. وقد عمل شيشنق الأول على الزواج من الأسرة الكهنوتية فى طيبة كأسلافه ملوك الأسرة الحادية والعشرين كما عين أحد أبنائه فى منصب كاهن آمون رع فى الكرنك.وقد خلفه على عرش مصر إبنه أوسركون الأول الذى ولى أبنائه الأربعة كهانة طيبة على التوالى وقد حمل ألقاب والده وخلف كثيرا من الآثار.

وبعد وفاة أوسركون الأول خلفه إبنه تلكوت الأول ولايعرف الكثير عن عهده وبعد وفاته خلفه إبنه أوسركون الثانى الذى إختار بدوره إبن عمه شيشنق الثانى لكهانة آمون فى طيبة ولكن ذلك قد سبب إنشقاق فى الأسرة حيث عمل شيشنق الثانى على إتخاذ الألقاب الملكية مع أوسركون الثانى ولكن الأخير إنتهز فرصة وفاة شيشنق الثانى وعين إبنه  نيلموس فى كهانة آمون . وقد ترك أوسركون الثانى كثيرا من المبانى ولكن يلاحظ أنه كان يستخدم فى مبانيه أحجارا من مبانى أسلافه وخاصة رمسيس الثانى مما قد يدل على عدم تقديره لهؤلاء الأسلاف ويؤكد الأصل الأجنبى لفراعنة هذا العصر بشكل عام لإن ظاهرة إستخدام أحجار السلف وخاصة رمسيس الثانى سوف تستمر فى عهد هذه الأسرة.

وبعد وفاة أوسركون الثانى خلفه إبنه تلكوت الثانى وفى عام حكمه الحادى عشر عين إبنه أوسركون كبيرا لكهنة آمون فى طيبة وقائدا لكل البلاد وقد إشتعلت فى العام الخامس عشر من حكم تلكوت الثانى ثورة عنيفة دامت لحوالى عشر سنوات.

وبعد موت تلكوت الثانى خلفه على العرش شيشنق الثالث وليس إبنه أوسركون الذى ظل على كهانة آمون فى طيبة وإتخذ شيشنق الثالث ألقاب الفراعنة وإستمر حكمه لفترة تزيد عن النصف قرن وقد شيد الكثير من المبانى وبنفس الأسلوب أيضا إستخدم أحجار مبانى رمسيس الثانى فى كثير منها. وفى أواخر عهده نشأت أسرة ملكية جديدة منافسة هى الأسرة الثالثة والعشرين وكان مقرها فى شرق الدلتا أيضاً فى مدينة ليونتوبوليس القديمة(تل المقدم الحالية بالقرب من ميت غمر بمحافظة الدقهلية).وبعد وفاة شيشنق الثالث خلفه على عرش الأسرة ملك يسمى بماى وتعنى القط ثم شيشنق الرابع وإنتهى حكم الأسرة بالملك أوسركون الرابع.

أما مؤسس الأسرة الثالثة والعشرين فهو أمير ليبى آخر يسمى بدباست وقد حكم لحوالى أربعين سنة تبعا لرواية مانيتو وخمسة عشرين سنة فقط تبعا لرواية أخرى وقد رحبت طيبة بحكمه ويبدو أن البيتين الحاكمين فى الدلتا قد رضيا بالأمر الواقع بحيث أصبحت مصر تحكم من أسرتين ملكيتين ومن عاصمتين مختلفتين هما تانيس وليونتوبوليس فى وقت واحد وقد ظل الأمر كذلك حتى تمكن أوسركون الثالث خليفة بدباست من القضاء نهائيا على حكم الأسرة الثانية والعشرين ولكن الواقع أنه بعد وفاة أوسركون الثالث إنقسمت الدلتا كلها إلى عدد كبير من الممالك الإقطاعية الصغيرة الخاضعة لحكامها المحليين ولم تكن سيطرة الأسرة الثالثة والعشرين سوى مجرد سيطرة إسمية. وبعد وفاة أسركون الثالث خلفه تكلوت الثالث ثم رود آمون ثم يويوت الثانى وإنتهى حكم هذه الأسرة بظهور أمير ليبى آخر فى غربى الدلتا هو تاف نخت الشهير مؤسس الأسرة الرابعة والعشرين الذى أخذ يبسط نفوذه على أمراء غرب الدلتا ثم حارب أمراء مصر الوسطى حتى أخضعهم وتمكن فى نهاية الأمر من إخضاع أمراء شرق الدلتا أيضا وأصبح حاكما معترفا به على كل الوجه البحرى ومصر الوسطى  وبدأ فى الزحف على الصعيد.

 لكن آمال تف نخت لم تتحق إذ ظهر له منافس قوى قادما من الجنوب مؤسسا الأسرة الخامسة والعشرين السودانية. ومؤسس الأسرة السودانية هو الملك كاشتا إبن الملك ألارا ووالد بعنخى وكان هو الذى بدأ الإتصالات مع المصريين فى الجنوب من أجل الزحف على الدلتا وتخليصها من حكم الليبيين لكن العمل الحقيقى لم يتحقق إلا فى عهد إبنه بعنخى الذى خلفه على عرش نباتا عام 747ق.م حيث أسرع بعنخى بإرسال جيوشه إلى مصر حين أتته الأنباء ان تف نخت أمير سايس بدأ فى الزحف على الصعيد .

وبالفعل إستطاعت جيوش بعنخى الإستيلاء على طيبة لكنها فشلت فى دخول منطقة إهناسيا والأشمونين وعندما وصلت تلك الأنباء إلى بعنخى قرر التوجه بنفسه إلى مصر لمساعدة جيوشه وزحف على طيبة مرة أخرى ودخلها وزار معبد الإله آمون وأعلن خضوعه كعادة كل غزاة مصر فى ملاطفتهم لمشاعر المصريين الدينية المعروفة ثم واصل زحفه شمالا حتى دخل منف وقدم فروض الطاعة للإله بتاح  إله منف أيضا ثم أعقب ذلك بزيارة معبد عين شمس حيث إعترف به كهنة الإله رع ملكا على مصر وعندئذ أعلن أمراء الدلتا خضوعهم وعلى رأسهم تف نخت الذى كان قد إختبأ فى جزيرة صغيرة فى شمال الدلتا.

ولكن بعنخى قرر بعد ذلك العودة إلى مقر حكمه فى نباتا مما شجع منافسه تف نخت على الظهور وإدعاء الملك مرة أخرى ملقبا نفسه حاكم القطرين وسيد الدلتا والصعيد. وفى هذه الأثناء كان بعنخى قد مات وخلفه إبنه شاباكو الذى أسرع إلى الشمال وبسط سلطانه على مصر مرة أخرى وأنهى حكم الليبيين إلى الأبد.

وما أشبه قصة الفوضى الليبية بقصة فوضى الهكسوس مع الفارق بأن الهكسوس ظلوا غرباء حتى أخرجهم أحمس الأول من مصر فى نهاية الأمر أما اللبيين فقد ذابوا فى مصر والمصريين ودانوا بعقائدهم وتسموا بأسمائهم ونسوا مع الزمن أصولهم الأجنبية كما نسى المصريون أصول هؤلاء الأجنبية أيضا وقد جاء منهم بعض الملوك العظام الذين دافعوا عن مصر وحملوا راية الحضارة المصرية حتى النهاية مثل باخوريس إبن تاف نخت.

وشهد زمن دخول شاباكو إلى مصر صعود نجم آشور فى الشرق الأدنى القديم وتطلعها إلى فرض نفوذها المباشرعلى كل شعوبه لكن شاباكو آثر أن يؤسس علاقات ودية مع الآشوريين فأرسل الهدايا إلى سرجون الثانى ملك آشور فى ذلك الوقت لثنيه عن مهاجمة مصر ومع ذلك فقد قام سرجون بمهاجمة مصر ووصل حتى حدود رفح ولكنه لم يستطع التقدم لأكثر من ذلك حيث ردته القوات المصريه وإضطرته للعودة إلى بلاده.

وبعد وفاة شاباكو خلفه شبتكو الذى لم يحكم إلا فترة وجيزة توفى خلالها سرجون الثانى وتولى بعده سنحريب(705-681 ق.م) الذى زحف على أورشليم وحاصرها حتى أخضعها ثم إضطره تفشى وباء الطاعون فى جيوشه بإلإضافة إلى الإضطرابات الداخلية فى بلاده إلى العودة إلى بلاد الآشوريين حيث قتل بعد ذلك بيد أحد أبنائه وخلفه أسرحدون(680-669 ق.م) وفى نفس الوقت كان شبتكو قد مات وخلفه على عرش مصر طهراقا وبدأ ينظم المقاومة ضد الآشوريين ويثير المتاعب ضدهم فى غربى آسيا ويتعاون مع حكامها وخاصة ملوك إسرائيل وإستطاع هزيمة أسرحدون عندما زحف على مصر سنة 674 ق.م.

لكن أسرحدون عاود الكرة مرة أخرى عام 670 ق.م. ووصل إلى منف حيث دارت بينه وبين طهرقا معركة كبيرة تمكنت فيها الجيوش الآشورية من إسقاط منف وتدميرها وهرب طهرقا إلى الجنوب. وفى هذه الحملة أمر أسرحدون بتغيير كثير من أسماء المدن المصرية إلى أسماء آشورية كما أمر بترحيل جماعات كبيرة من الأطباء والبيطريين والسحرة والكتبة والموسيقيين إلى عاصمته فى نينوى كما سيفعل الفاتح العثمانى سليم الأول بالمصريين بعد ذلك بحوالى الفى سنة بعد غزوه لمصر سنة 1517م.

وعلى كل حال فبمجرد أن علم طهرقا بعودة الملك الآشورى أسرحدون إلى بلاده حتى خرج من مقره فى طيبة وزحف على الدلتا مرة أخرى وعزل الأمراء الذين خضعوا لأسرحدون ولكن الملك الآشورى عندما علم بذلك سارع بالخروج فى حملة جديدة لكنه مرض ومات فى حران قبل أن يصل إلى مصر وخلفه إبنه آشور بانيبال(668-626 ق.م.) الذى تابع إنفاذ حملة أبيه على مصر ووسع منها حيث هاجمها برا وبحرا وواجه جيش طهرقا فى معركة رهيبة وتمكن من الإنتصار عليه وعندما إنسحب طهرقا إلى  الجنوب تبعه آشور بانيبال ودخل طيبة وأحرقها بالنار فهرب طهرقا إلى نباتا ولم يتبعه آشور بانيبال  وقرر العودة إلى الشمال وحكمه من خلال بعض الأمراء المصريين وخاصة نكاو أمير سايس والد أبسماتيك الأول مؤسس الأسرة السادسة والعشرين فيما بعد حيث قربه آشور بانيبال وأعاده إلى إمارة سايس كما عين ولده أبسماتيك أميرا على مدينة أتريب.

وفى ذلك الوقت كان طهرقا قد مات وخلفه إبنه تانوت آمون الذى قرر الزحف على الشمال مرة اخرى بمساعدة أهل الصعيد الذين رحبوا به كمحرر لهم من الآشوريين. وتوجه تانوت آمون إلى  الشمال حتى وصل إلى منف و حاصر الحامية الآشورية لكن أمراء الشمال لم يساعدونه ولم يعلنوا ولائهم له و أرسل الآشوريون جيشا طوق جيش تانوت آمون فى منف مما إضطره إلى الهرب إلى طيبة فتبعه الآشوريون إلى هناك كما فعلوا مع طهرقا من قبل ودخلوا طيبة ودمروها تدميراً تاماً هذه المرة. وإضطر تانوت آمون على أثر ذلك إلى مغادرة مصر نهائيا والتوجه نحو عاصمته الجنوبية نباتا وبخروجه من مصر إنتهى عصر الأسرة الخامسة والعشرين السودانية وإستقر الحكم الآشورى فيها لبعض الوقت حتى إستطاع أبسماتيك الأول طرد الآشوريين وتأسيس الأسرة السادسة والعشرين المصرية وعاصمتها سايس – صا الحجر الحالية –  التى شكلت آخر عصر نهضة فى تاريخ مصر الفرعونية .

صحوة الموت(664-525ق.م)

كانت ظروف ضعف الحكومة الآشورية فى نينوى بسبب محاولة بابل التخلص من النفوذ الآشورى وكذلك ظهور قوة الفرس الميديين الجديدة هى التى شجعت أبسماتيك على التخلص من الإحتلال الآشورى فبدأ بتجميع السلطات الداخلية فى يديه حتى أصبح فى عام 654 ق.م حاكما فعليا على مصر كلها كما أخذ يتصل سرا بملك ليديا الذى كانت بلاده قد تعرضت للإحتلال الآشورى بدورها وعقد معه حلفا ثم أعد جيشا قويا مطعما بجنود من المرتزقة الإغريق الذى بدأ ظهورهم محسوسا فى تاريخ مصر منذ ذلك العصر وإستطاع بهذا الجيش إكتساح الحاميات الآشورية القوية التى كانت تعسكر فى الدلتا وطردها نهائيا من مصر. وقد إنعكست فرحة التحرر من الإحتلال الآشورى وإستعادة وحدة البلاد على نواحى الحياة الداخلية فسادت مشاعر العزة القومية و التفاخر بأمجاد السلف وتمثل ذلك فى إحياء تقاليد الدولة القديمة  فى اللغة والدين والفنون بحيث إصطبغ عصر الأسرة السادسة والعشرين بصبغة الدولة القديمة فى كل شئ مع بعض التجديد. ومن المظاهر التى ميزت عهد أبسماتيك أيضا والذى إستمر لحوالى أربعة وخمسين عاما هى إستمراره فى إستقدام الجنود الإغريق إلى مصر والذى رأى فيه البعض خطرا جديدا على البلاد يعادل خطر الآشوريين والفرس.

وبعد وفاة أبسماتيك خلفه إبنه نكاو الثانى فى عام 610 ق.م وكان لايقل إقداما عن أبيه فعندما ورثت بابل مركز آشور فى غرب آسيا وطمعت فى إحتلال مصر أعد نكاو الثانى جيشا وتحالف مع الآشوريين هذه المرة وتمكن من هزيمة البابليين وحليفتها مملكة إسرائيل فى موقعة بالقرب من مجدو مما جعل إسرائيل تغير من تحالفها مع البابليين وتتحالف مع مصر بعد ذلك فى عهد الفرعون إبريس الذى خلف أبسماتيك الثانى. وقد جر ذلك عليها بلاءً عظيما إذ حاصر نبوخذ نصر ملك بابل أورشليم ودمرها وأسقطها ونفى كثير من الشعب اليهودى إلى بابل عام 583 ق.م . وبعد موقعة مجدو إنتصر نكاو الثانى على البابليين مرة أخرى فى موقعة على ضفاف الفرات بالقرب من قرقميش لكن طموحاته توقفت بعد ذلك نتيجة لصعود قوة نبوخذ نصر.

ومن أهم أعمال نكاو الثانى شروعه فى شق قناة تربط النيل بالبحر الأحمروهى القناة التى أكملها بعده  الملك الفارسى دارا وقد إشتهرت فى التاريخ بإسم قناة نكاو وقد أعيد حفرها فى العصر الروماني  كما أعاد عمرو بن العاص حفرها بعد فتحه لمصر وأطلق عليها إسم  قناة أمير المؤمنيين وذلك بهدف تسهيل وصول المؤن والغنائم إلى المدينة عاصمة الدولة العربية الإسلامية الوليدة فى ذلك الوقت.

وبعد وفاة نكاو الثانى خلفه إبنه أبسماتيك الثانى الذى تجنب الإحتكاك بالبابليين وعمل على الحفاظ  على علاقته بالإغريق وزاد من تشجيعهم وإستعان بهم فى تكوين أسطول ضخم .

وبعد وفاة أبسماتيك الثانى خلفه إبريس الذى إستغل أسطول سلفه فى غزو فينيقيا ونجح فى ذلك بسبب إنشغال نبوخذ نصر فى حروبه مع ميديا وعندما هاجم نبوخذ نصر أورشليم ودمرها وسبى شعبها نتيجة تحالفها مع مصر عام 583.م رحل كثير من اليهود إلى مصر فرحب بهم إبريس وسهل لهم ظروف العيش فى مصر فإنتشرت جالياتهم حتى منطقة الفنتين بالقرب من أسوان. وسوف تتحالف هذه الجاليات مع الفرس عند دخولهم مصر بعد ذلك بسبب جهود الفرس فى تحرير اليهود من النير البابلى.

وعلى كل حال فقد أثارت سياسة إبريس فى الإستمرار فى إستقدام المرتزقة الإغريق غضب العسكريين المصريين فحدث عصيان فى صفوف الجيش نتيجة لإرسال فرقة من فرقه إلى قرطاجة إذ ظن أفرادها أن الفرعون قد فعل ذلك فى محاولة للتخلص منهم فثاروا ضده فأرسل إليهم أحد قواده وهو أحمس أمازيس أو أحمس الثانى لكنهم إستمالوه ونصبوه ملكا عليهم وإشتعلت بين الطرفين حربا إنتصر فيها أمازيس على إبريس وقتله وإنفرد بالحكم.

كان أحمس الثانى أمازيس صديقا للإغريق بدوره وقد إتخذ حرسه الخاص منهم وكان تحالفه معهم نابعا من إدراكه للأخطار المحيطة بمصر من ناحية البابليين والفرس على السواء . وقد إستطاع فى أوائل حكمه صد هجوم بابلى على  مصر وقد إضطره ذلك إلى إحتلال جزيرة قبرص وعقد معاهدة مع ملك ليديا فى غرب آسيا ونجحت سياسته فى  تجنيب مصر الأخطار الخارجية التى أحاطت بها ولكن فى السنة الأخيرة من حكمه أخذت نذر خطر جديد  تلوح فى الأفق وهو خطر الفرس الميديين لكنه مات قبل أن تقع تلك الكارثة وكان مقدرا على خليفته أبسماتيك الثالث أن يرى بلاده تسقط فى أيدى الفرس عام 525 ٌق.م وأن يدفع حياته ثمنا لذلك. ففى أخريات القرن السادس ق.م كان الفرس قد ورثوا إمبراطورية الآشوريين وبدأوا يتطلعون إلى السيطرة على مصر وقد ساعدت الظروف على ذلك إذ ساق القدر للملك قمبيز غازى مصر مغامر يونانى إسمه فانيس كان يعمل قائدا لإحدى فرق المرتزقة الإغريق فى مصر ثم إختلف مع الملك أحمس الثانى فهرب إلى قمبيز ملك الفرس وزين له غزو مصر ونصحه بطلب مساعدة بدو الصحراء الشرقية ليدلوه على مداخلها ويضمنوا لجيشه إمدادات المياه والطعام وهى العقبة الرئيسية التى كان يخشاها قمبيز وبالفعل تم ذلك التحالف وإنفذت الحملة إلى مصر ووصل قمبيز وجيوشه إلى مشارف غزة فى ربيع عام 525 ٌق .م ثم إجتاحوا مدينة الفرما بعد ذلك وتوجهوا مباشرة إلى الدلتا حيث دارت معركة كبيرة بينهم وبين المصريين إخترقوا فيها دفاعات الدلتا فهرب المصريون إلى منف لكن قمبيز حاصرهم ودخل المدينة  حيث إسستسلم له الملك أبسماتك الثالث خلف أحمس الثانى فأكرمه قمبيز لكن الفرعون إنتحر بعد ذلك أو قتل فى رواية أخرى . وبعد ذلك تقدم قمبيز إلى طيبة وإستولى عليها وأصبح بذلك حاكما على مصر كلها ومن هناك أنفذ حملتين بإتجاه السودان وليبيا ولكنهما بائتا بالفشل حيث أبيدت جيوشه وردمتها رمال الصحراء.

النهاية(525-332ق.م) الإسكندر الأكبر

وبإستيلاء قمبيز على مصر تأسست الأسرة السابعة والعشرين الفارسية وقد حكم فيها خمسة ملوك هم قمبيز الذى غزاها عام 525 ق.م ثم دارا الأول الذى زارها عام 517 ق.م وأمر بتجميع القانون المصرى منذ أقدم العصور حتى أحمس الثانى ثم الملك أسركسيس ثم أرتاكسركسيس وأخيرا دارا الثانى الذى توفى عام 404 ق.م ليستقل بها بعد ذلك الفرعون المصرى آمون حر الثانى الذى كان قد أعلن الثورة فى أخريات عهد دارا الثانى حوالى سنة 410 ق.م حتى تمكن من الإستقلال سنة 404 ق.م مؤسسا الأسرة الثامنة والعشرين المصرية وظل يحكم لمدة ستة سنوات حتى عام 399 ق.م

وفيما يخص حكم الأسرة السابعة والعشرين الفارسية لمصر يجب أن نلاحظ أن  حكم مصر لم يستقر لملوكها المذكورين أبدا إذ ظل المصريون طوال هذا العصر فى ثورة مستمرة متحالفين فى معظم الأحيان مع المدن اليونانية والتى كانت بدورها فى صراع دائم مع الفرس وخاصة أثينا وإسبرطة. ومن أكبر الثورات التى شهدها هذا العصر وكادت مصر أن تتحرر خلالها من حكم الفرس ثورة عام 488 ق.م ثم ثورة عام 460 ق.م وأخيرا ثورة آمون حر الثانى التى إنتهت بالتحرر من السيطرة الفارسية عام 404 ق.م كما أشير سابقاً.

وبعد وفاة آمون حر الثانى خلفه أحد أمراء الدلتا الأقوياء ويدعى نفريتس مؤسسا بذلك الأسرة التاسعة والعشرين المصرية وإتخذ من مدينة منديس عاصمة له وقد ضمت هذه الأسرة أربعة ملوك حكموا حوالى عشرين سنة (398-378 ق.م) . وفى أثناء حكم نفريتس الذى دام ست سنوات حاول الفرس إستعادة نفوذهم فى مصر ولكن ظروف عدم الإستقرار داخل البيت الحاكم الفارسى حالت دون ذلك. وقد تحالف نفريتس مع الإسبرطيين فى صراعهم مع الأثينيين على زعامة بلاد اليونان وأرسل لهم أسطولا ضخما ومؤن كثيرة ولكن الإثنينيين إستولوا عليه.

وبعد وفاة نفريتس خلفه ملك ضعيف لم يحكم سوى عام واحد ثم خلفه فرعون شهيرهو باخوريس الذى حكم لمدة ثلاثة عشر عاما تمكن خلالها من صد الحملة القوية التى أرسلها الفرس على مصر وإستغرقت الحرب فيها ثلاث سنوات (385-383 ق.م).وقد نأى باخوريس بنفسه عن صراعات أثينا وإسبرطة  وتحالف مع إيفا جوراس ملك سيلاميس فى قبرص عوضاً عنهما.

وفى عهد باخوريس عاد  بعض من النفوذ المصرى إلى فلسطين وجنوب فينيقيا وبعد وفاته خلفه على العرش نفريتس الثانى الذى لم يحكم سوى أربعة أشهر إنتقل العرش بعدها إلى أمير قوى كان قد قام بدور كبير فى أيام باخوريس هو نختنبوالأول الذى تمكن من تأسيس الأسرة الثلاثين المصرية(380-343 ق.م)ونقل العاصمة من منديس إلى سمنود.

وفى عهد نختنبو المذكور قام الملك أرتاكسركسيس الثانى الذى خلف دارا الثانى(404 -358ق.م) بمحاولة قوية لإسترجاع سيادة الفرس علي مصر فأرسل حملة ضخمة عام 373 ق.م بقيادة الوالى الفارسى على سوريا  تمكن الجيش الفارسى خلالها من تدمير الدفاعات المصرية ومحاصرة منف ولكن إرتفاع مياه فيضان النيل أجبر القوات الفارسية على الإنسحاب بعد ذلك.

وبعد وفاة نختنبو خلفه إبنه جدحر فإستبدل سياسة الدفاع بالهجوم وإستأنف سياسة التحالف مع أثينا وأسبرطة وتمكن من تجهيز جيش ضخم بلغ ثمانين الف مصريا وعشرة آلاف من الأثينيين وألفا من الإسبرطيين وأعد مابين مائتين إلى ثلاثمائة سفينة حربية وخرج على رأس هذا الجيش محققا إنتصارات ساحقة فى سوريا أعادت إلى الأذهان إنتصارات الفرعون نكاو الثانى لكن خيانة أخيه الذى إستولى على العرش فى غيابه مستغلا إستياء الكهنة من الضرائب المرتفعة التى فرضها عليهم جدحر فى سبيل تجهيز الجيش وأمره لإبنه الذى كان مصاحبا لجدحر فى حملته بالعودة بمعظم الجيش وكذلك إستدعاء أثينا للقائد اليونانى كابريوس الذى كان يقود الفرق الإثينية فى جيش جدحر قد جعل جدحر يسقط فريسة لليأس فيترك جيش ويفر هاربا مستسلما إلى ملك الفرس فى صيدا.

وبعد وفاة أخى جدحر مغتصب العرش تولى إبنه المذكور الذى عاد بمعظم الجيش من ميدان المعركة وإتخذ لقب نختنبو الثانى وإستطاع القضاء على مؤيدى جدحر بتأييد من الكهنة الذين أعفاهم من كثيرا من الضرائب ومنحهم كثيرا من الإمتيازات. وقد تمكن نختنبو الثانى من صد الحملة التى أنفذها الفرس إلى مصر عام ( 351-350 ق.م) ولكنه لم يصمد فى الحملة الثانية التى قادها الملك أرتاكسركسيس الثالث بنفسه فتراجع إلى مصر العليا حيث تمكن من الصمود لحوالى سنة ونصف ثم هرب إلى السودان لتتحول مصر إلى إقليم فارسى مرة أخرى وأخيرة خلال الفترة التى يعتبرها بعض المؤرخين الأسرة الحادية والثلاثين والأخيرة فى تاريخ مصر الفرعونية.

لم يدم الحكم الفارسى طويلا ففى ذلك الوقت كان فيليب المقدونى قد تمكن من توحيد بلاد اليونان المتهالكة بعد معركة خيرونيا سنة 338ق.م وبعد إغتياله خلفه إبنه الإسكندر الأكبرالذى زحف فى حملاته الظافرة على آسيا وهزم الملك دارا الثالث فى موقعة إفسوس عام 333 ق.م ومن هناك إتجه إلى سوريا فمصر التى سلمها له الوالى الفارسى مازاكيس بدون قتال فى عام 332 ٌق.م فدخلها ظافرا حيث توج فرعونا فى معبد الإله بتاح بمنف كما إعتاد غزاة مصر أن يفعلوا فى ذلك العصر ثم زار معبد الإله آمون فى واحة سيوة حيث كان يعتقد أنه إبنا لهذا الإله المصرى الشهير وأمر بتشييد مدينة الإسكندرية ثم عاد إلى مدينة بابل بعد أن أصبحت مصر القديمة العظيمة جزءً من إمبراطوريته الوليدة وبدأ بعد ذلك عصر جديد فى تاريخ الشرق الأدنى القديم و البحر المتوسط يعرف بإسم العصر اليونانى أو العصر الهيلينيستى وهو العصر الذى إختلطت فيه مؤثرات الحضارات الشرقية القديمة بتراث الحضارة اليونانية وسادت فيه بعض الممالك الإغريقية فى مصر وشمال وشرق البحر المتوسط .

عبدالجواد سيد عبدالجواد

جاكرتا 8/12/2014م

[email protected]

أهم المراجع :

1-دراسات فى تاريخ الشرق الأدنى القديم  د.أحمد أمين سليم-  دار النهضة العربية- بيروت

2-تاريخ مصر القديمة – نيقولا جريمال-ترجمة ماهر جويجاتى- دار الفكر للدراسات والنشروالتوزيع- القاهرة- باريس

3-معالم تاريخ الشرق الأدنى القديم –د. أبوالمحاسن عصفور- دار النهضة العربية- بيروت

4- مصر الفراعنة – ألن جاردنر- ترجمة/نجيب إبراهيم ميخائيل – الهيئة المصرية العامة للكتاب- القاهرة

5-الكتاب المقدس- طبعة إنجليزية-  مؤسسة الجيدوين- سنغافورة.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Egyptian History مصرنا, عبد الجواد سيد عبد الجواد and tagged . Bookmark the permalink.