دائرة الخوف

سيمون سميرسيمون سمير

هي دائرة فلا بداية لها ولا نهاية ، فإن كان لها بداية فقد علمنا جذور المشكلة فيسهل حينئذٍ الإعتراف بها و من ثم حلها، و إن كان لها نهاية فنحن لا نحتاج أصلاً أن نبحث عن المشكلة لنحلها فقد آن الأوان أن تنتهي إذ أننا علمنا أن لها نهاية حتمية.

إن تسألني عزيزي القارئ عن هذه الدائرة أحدثك عن دائرة يقع فيها إنسان الشرق ، الذي نشأ و تربى على ثقافة الخوف و الرعب و الترهيب ، فقيل له – ما مضمونه – أنك كلما كنت قبيحاً زادت قوتك، ومن ثم اشتدت حميتك، وتجملت صورتك، فصرت كبيراً وسط البشريين من أبناء الشرق.

ليست قضيتي الآن أن أهاجم من إعتادوا القبح و أحبوه، لكن قضيتي هي أن معتادوا القبح أنفسهم لا يدرون أنهم جبناء و ضعفاء، فهم خافوا ترهيب المجتمع لهم و خضعوا لمعاييره العقيمة اعتقاداً منهم بأن هذه هي المعايير النموذجية الصحيحة، فلم نعد نرى من يعبرون عن أنفسهم بصورة صحيحة، لأن المجتمع قد عودنا أن لا نعبر عن مشاعرنا و إلا نكون من العاجزين، أو نكون من أولئك الذين لا تقوى سواعدهم على أن يعيشوا داخل تلك الغابة، و كأنهم سيكونون أقوياء بكتمانهم مشاعرهم و أحاسيسهم.

هذا بالضبط ما سربه لهم المجتمع من فكر فاعتنقوه اعتناقاً، و تمسكوا به حتى صار لهم مرجعاً فكرياً ينظرون من خلاله إلى العالم كله و الدنيا بأسرها، فمن عبر عن نفسه بصراحة دون تزويق أو تجميل يكون من الفاسقين، ومن العار أن يقول ما يريد كي يعبر عما يدور بداخله، فنحن مجتمع شرقي له عاداته و تقاليده، فمنها ترهيب من يختلف عنا، ومنها مطالبة الناس بالنفاق مع تغيير شكل الكلمة لتأخذ أشكال مختلفة، و كأن المضمون قد تغير بتغير شكل الكلمة التي تصفه، فالبعض يصف النفاق بكلمة التدين، و البعض الآخر يصف النفاق بتسميته حكمة، وآخرون يصفون النفاق بكلمات مثل الحشمة و الحياء، وهذه مجرد أمثلة والأمثلة تزيد عنها كثيراً.

تظهر الأمثلة السابقة واضحة جلية إذا نظرنا لكيفية رؤية المجتمع لتعبير الأنثى تحديداً عن نفسها، و ذلك بالطبع بسبب أننا مجتمع شرقي معقد جنسياً، لا يرى من الأنثى سوى الجسد فلا ينظر لها أنها إنسان و كيان مثلنا تماماً له احتياجات مثلنا، وله لحظات غضب، وعنده رغبة في التعبير عن ذاته بحرية تامة مثل الذكور بالضبط ليس أقل تحت أي مسمى من المسميات التزويقية، فنحن حين نمنعهم فقط نطلب منهم أن ينافقونا، وإن لم تنافقنا الأنثى وتمثل علينا دور المؤمنة التقية النموذجية، فإنها بالطبع سوف يُنظر لها على أنها غير منضبطة وغير ملتزمة بالأخلاق والآداب أي بالبلدي “شمال”، ذلك ليس بسبب مجرد أنها تعبر عن نفسها بحرية، لا بل لأنها تعبر عن نفسها متناسية أنها أنثى لا يحق لها أن تعبر عن ذاتها وأن تُظهر كيانها وشخصيتها كإنسان له وجود، فإن كانت ذكر لمنحناها هذا الحق، أما وهي أنثى فبأي حق تعبر عن نفسها؟ لا يجوز فمهما حدث هي أنثى، ومهما حدث يجب ألا ننظر لها سوى على أنها جسد متحرك، دوره في الحياة خدمة رغبات بعلها المنتظر او الحالي او السابق، أو أنها ماكينة إنجاب الأبناء للرجل الذي إن أرضته وأطاعته في جميع نزواته رضى عنها وأعطاها فتات حقوقها، وإن لم تطاوع جميع نزواته وترضى به مهما كان فمن حقه نزع حقوقها عنها، والمجتمع لن يمنعه بل على العكس سوف يدعمه، هذا لأننا مجتمع لا يهتم كثيراً بشأن حقوق كل فرد من أفراده في التعبير عن ذاته.

إن بكى طفلاً اعتاد مجتمعنا أن يقول له “أنت رجل لا تبكي” و كأن الرجل لا يجب أن يحس ولا يجب أن يشعر بالحزن و الألم ، بعيداً عن أن الدراسات قد أثبتت أن البكاء و الصراخ هما من أهم الوسائل التي يستطيع الإنسان من خلالهما إخراج الغضب من داخله ، لكن من خصص البكاء للنساء؟ هل ذكر ذلك في قرآن أو إنجيل؟ أم هو عرف مجتمعاتنا الشرقية البليدة التي تمنع الانسان من ان يشعر او يحس.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in سيمون سمير and tagged , , , , . Bookmark the permalink.