هل كان عمر بن الخطاب هو المسيح العربي الذي قدم الخلاص لليهود من اضهاد البيزنطيين؟

محمد جمال محمد جمال

عاني اليهود منذ القرون الأولي للميلاد من اضهاد السلطات الرومانية بسبب ثوراتهم المستمرة التي ادت بالرومان أن يلغوا مقاطعة اليهودية ككيان سياسي و يضموها إلي الجليل في مقاطعة واحدة اطلقوا عليها “سوريا الفلسطينية”، و زاد ذلك الأضهاد بعد اعتناق الإمبراطورية للديانة المسيحية، فقد شهدت الإمبراطورية العديد من الأحداث الدامية ضد اليهود كان أهمها الهجوم الدموي الذي قاده البطريرك السكندري “كيرلس الأول” في بدايات القرن الخامس الميلادي ضد يهود مدينة الإسكندرية و كان نتيجته تهجير يهود المدينة منها و مصادرة أموالهم و احراق معابدهم، و بعد أنقسام الإمبراطورية إلي قسم شرقي بيزنطي و أخر غربي استمر التوتر بين اليهود و المسيحيين في الدولة البيزنطية الذي وصل مداه في القرون السادس و السابع الميلاديين.

ساعد علي ذلك احتدام النقاشات المسيحية – اليهودية المتعلقة بمدي مطابقة نبوئات العهد القديم علي احداث العهد الجديد و وضع اسفار العهد القديم و دورها علي العقيدة المسيحية و كذلك النقاشات حول شخصية يسوع و عدم ايمان اليهود به كمخلص كانت من ابرز اسباب العداء و الكراهية المتبادلة بين الطرفان، كل ذلك أدي إلي النظر تجاه اليهود دائما بتوجس علي انهم خونة محتملين، و قد تأكد للمجتمع المسيحي البيزنطي مدي خطر اليهود بعد تأييدهم للغزو الفارسي لسوريا و مصر عام 614م، و مساعدتهم للفرس في مسح أثار الوجود البيزنطي المسيحي من هذه المناطق و ايعازهم بهدم الكنائس و قتل المسيحيين.

أدت مساعدة اليهود للفرس بالدولة البيزنطية إلي القيام بأجراءات قمعية و مذابح ضدهم بعد نجاح القوات البيزنطية في استرداد الأراضي المحتلة بيد الفرس، كان أهمها قرار التعميد الإجباري لليهود الذي أمر به الإمبراطور هيراكليوس في الحادي و الثلاثون من مايو عام 631م، و هو الأمر الذي أدي بالعديد منهم إلي الهرب والأحتماء بالجبال والاماكن النائية منتظرين النجاة علي يد مخلص سيأتي و يخلصهم من دولة البيزنطيين الكافرة ويعيد إليهم أمجادهم السابقة، وهذه الفكرة الخلاصية نستشفها بوضوح من الكتابات اليهودية التي وصلتنا من هذه الفترة و من اهمها نص رؤيوي – تعني انه تم عرضه علي انه نبؤة مستقبلية – ينسب إلي الحاخام “شمعون بن يوحاي” و هو رجل دين يهودي شهير من القرن الثاني الميلادي، و بالطبع فأن الوثيقة التي تعرف بأسم “أسرار الحاخام شمعون بن يوحاي” تتداول بشكلها الحالي منذ عصر الحروب الصليبية و يرجعها بعض الباحثين إلي القرن الثامن الميلادي، و لكن اهميتها ترجع إلي اعتمادها علي مصادر معاصرة للتوسعات الإستعمارية العربية في الشرق الأوسط كما تظهر لنا بوضوح نظرة اليهود تجاه التوسعات العربية في ذلك الوقت و الطابع الخلاصي الذي شاب نظرتهم إلي العرب الغزاة.

يخبرنا النص عن شمعون الذي كان مختبئ في كهف من اضهاد ملك أيدوم – كان اليهود يشيرون إلي الدولة البيزنطية أحيانا ب أيدوم أو أولاد عيسو بغرض تشبيهها بالعدو التاريخي لبني إسرائيل في الميثولوجيا التوراتية و هي دولة أيدوم – منذ ثلاثة عشر عاما، و قد استخدم الكاتب كلمة “شيماد” العبرية للتعبير عن الأضهاد و التي تحتمل معني تغيير او تحويل في اسقاط واضح علي قرار الإمبراطور هيراكليوس سابق الذكر، و بعد أن قضي عدة أيام في صلاة و صيام كشف له الرب عن رؤية مستقبلية رأي فيها أن مملكة إسماعيل – يقصد العرب – ستأتي، فقال “ألم يكفنا ما فعلته بنا مملكة أيدوم الملعونة، حتي نستحق مملكة إسماعيل أيضا ؟” فجاء إليه ملاك و قال له “لا تجزع يا ابن الإنسان. جاء القدير بمملكة إسماعيل ليخلصك من تلك المملكة الشريرة إيدوم. و سينصب عليها نبيا بإرادته و سيفتح الأرض لهم. و سيأتون و يعيدون للأرض مجدها. و سيقع رعب عظيم بينهم و بين أبناء عيسو”.

يوضح النص بشكل لا لبس فيه نظرة اليهود للعرب أثناء الغزو كمخلصين لهم من حكم البيزنطيين، و هذا ليس جديد في التاريخ اليهودي، فقد نظر اليهود نفس النظرة الخلاصية إلي الدولة الفارسية الأخمينية و اعتبروا ملكها “قورش” هو مسيح الرب المخلص لشعبه المختار من اضهاد البابليين الذي بني هيكل الرب مرة أخري في مدينته المقدسة أورشليم بعد أن دمره البابليين عام 586 ق.م، و لكن إذا كان يهود القرن السابع الميلادي قد نظروا إلي الجيوش العربية كمخلصة لهم من اضهاد البيزنطيين بنفس الطريقة التي نظر بها يهود السبي البابلي إلي الجيوش الفارسية كمخلصة لهم من اضهاد البابليين، ألا يحتاجوا إلي شخصية مخلصة لهم يتطلعوا اليها لتحقيق أمالهم مثلما تطلع يهود السبي البابلي إلي قورش العظيم ؟

نعم ذكرت الكتابات اليهودية تلميحا إلي ظهور مخلص عربي و منها تكملة النص الذي ذكرنا مقدمته عاليه، حيث يكمل كاتب النص ليخبرنا برد فعل الحاخام شمعون بعدما اخبره الملاك بأن خلاصهم علي يد العرب، فيقول شمعون “و ما أدرانا أن بهم خلاصنا ؟ قال له الملاك : ألم يقل النبي أشعيا إنه رأي عربة و زوج من ركاب العربات أحدهما يمتطي حمارا و الأخر يمتطي جملا ؟ لم قال ذلك فيما كان في وسعه القول “عربة تجرها الجمال ثم عربة تجرها الحمير ؟” هل لأنه – يشير إلي العرب – عندما يذهب إلي الحرب يمتطي جملا و عندما تنهض المملكة بساعديه سيمتطي حمارا ؟”

يشير كاتب النص هنا إلي الأية السابعة من الأصحاح الحادي و العشرون من سفر إشعيا و التي تقول “6 لأنه هكذا قال لي السيد: اذهب أقم الحارس. ليخبر بما يرى7 فرأى ركابا أزواج فرسان. ركاب حمير. ركاب جمال. فأصغى إصغاء شديدا” في محاولة منه إلي إعطاء قدوم العرب صبغة مقدسة، و في هذا الجزء من النص يلمح الكاتب إلي قدوم المخلص الذي من علاماته إنه “وضيعا،ً راكبا على حمار” (زك 9 : 9)، و لكن من هو هذا المخلص ؟ إن اشتراطات النص هنا ترفض أن يكون نبي الإسلام هو المخلص المنتظر، فصحيح إنه قد أرسل في أواخر أيامه حملات هاجمت الأراضي البيزنطية و تناوشت مع البيزنطيين هناك، إلا انها لم تحقق نجاحات حاسمة، و لم يدخل نبي الإسلام إلي أورشليم منتصرا سواء كان ممتطيا حمار أو غيره.يهود عرب

في الحقيقة فنحن لدينا شخص في التاريخ الإسلامي المبكر قام بالأستيلاء علي أورشليم كما قام أيضا بتنظيف صخرة الهيكل، بل و قام أيضا ببناء مكان للعبادة علي الصخرة في نفس موضع الهيكل القديم، و هذا الشخص هو “عمر بن الخطاب” الذي لقب بالفاروق، و الواقع أن رؤية الحاخام بن يوحاي تلمح إلي أن لعمر منزلة خلاصية عند اليهود و تطلق عليه لقب “محب إسرائيل” و لكن كاتب النص لا يعتبره المخلص المنتظر و يبدو أن النصوص اليهودية المعاصرة لعمر قد توسمت فيه سمات المخلص و لكن ربما حدثت بعد ذلك تطورات ادت إلي تغير السياسة العربية علي اليهود مما جعلهم يحيدون عن نظرتهم الاولي، و سيكون من المفيد هنا أن نذكر ما قاله النص اليهودي عن عمر “يكون الملك الثاني الذي ينهض من بين أبناء إسماعيل محبا لإسرائيل. و يسد الشقاق بينهم كما يسد الشقوق في الهيكل. و يعيد تشكيل جبل موريا (صخرة الهيكل) و يسويه و يبني مكانا للسجود – ذكرت في النص بكلمة “Hishtahawaya” و التي تعني مكانا للسجود، و السجود شعيرة تشترك فيها الصلاة الإسلامية مع بعض انواع الصلوات اليهودية –  علي صخرة الهيكل، وفق ما ورد “ليكن عشك موضوعا علي صخرة”” و من الجدير بالذكر أن هذه النظرة الخلاصية اليهودية تجاه عمر قد ظهرت في مصادر إسلامية أيضا، فقد احتفظ الطبري بنبؤة جاءت علي لسان كعب الأحبار لعمر تدعي أنه المخلص الذي انتظره اليهود منذ دمار هيكلهم الثاني علي يد الرومان، و هذا نصها كما اوردها الطبري في تاريخ الرسل و الملوك “يا أمير المؤمنين؛ إنه قد تنبأ علي ما صنعت اليوم نبي منذ خمسمائة سنة، فقال : و كيف ؟ فقال : إن الروم أغاروا علي بني إسرائيل فأديلوا عليهم، فدفنوه، ثم أديلوا فلم يفرغوا له حتي أغارت عليهم فارس فبغوا علي بني إسرائيل، ثم أديلت الروم عليهم إلي أن وليت، فبعث الله نبيا علي الكناسة، فقال : أبشري أوري شلم ! عليك الفاروق ينقيك مما فيك. و بعث إلي القسطنطينية نبي، فقام علي تلها، فقال : يا قسطنطينية، ما فعل أهلك ببيتي ! أخربوه و شبهوك كعرشي، و تأولوا علي، فقد قضيت عليك أن أجعلك جلحاء يوما ما، لا يأوي إليك أحد، و لا يستظل فيك علي أيدي بني القاذر سبأ وودان، فما أمسوا حتي ما بقي منها شيئ.”

من الأمور التي تؤيد أيضا اعتبار اليهود لعمر علي أنه المخلص لقبه الذي اشتهر به في التراث الإسلامي “الفاروق” فقد اصطلح المسلمون علي أن هذا اللقب قد سماه به نبي الإسلام لأنه قد فرق بين الحق و الباطل، و هذا تفسير غير مقنع حيث أن عمر لم يكن هو الرفيق الوحيد للنبي و لم يكن أول من اعتنق الإسلام لهذا فأنه من المشروع أن نتسائل لماذا خصه النبي بهذا اللقب ؟ ألم يفرق أي من الرفاق الأخرين بين الحق و الباطل أيضا ؟ ألم يفرق أبو بكر أو عثمان أو علي بين الحق و الباطل ؟؟؟ إذا فلما اختص هو بهذا اللقب ؟ يزيد علي ذلك أيضا وجود بعض الروايات التي ترجع تسميته بهذا اللقب إلي أهل الكتاب، منها ما اورده الطبري “حدثنا الحارث، قال : حدثنا ابن سعد، قال : أخبرنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، قال : قال ابن شهاب : بلغنا أن أهل الكتاب كانوا أول من قال لعمر : الفاروق، و كان المسلمون يأثرون ذلك من قولهم، و لم يبلغنا أن رسول الله ذكر من ذلك شيئا.” و هذه الرواية لا تذكر فقط أن اهل الكتاب هم أول من سمي عمر بهذا اللقب بل أيضا تكذب الرواية الأخري التي تذكر أن النبي هو من اسماه بذلك، و يؤيد ذلك ما ذكره الطبري أيضا عن أن أول من حياه بلقب الفاروق كان يهودي من دمشق أثناء غزوه للشام “عن سالم، قال : لما دخل عمر الشام تلقاه رجل من يهود دمشق، فقال : السلام عليك يا فاروق ! أنت صاحب إيلياء لا و الله لا ترجع حتي يفتح الله إيلياء”، و في الحقيقة فأن كلمة “فاروق” هي كلمة من أصل أرامي تعني المخلص، و قد اتت الكلمة بصيغتها السريانية في الترجمات السريانية للعهد القديم بالصيغة “بوروقو” و “بوروق” بنفس المعني الذي يعني المخلص أو المنقذ.

من المعروف أن عمر عندما دخل إلي أورشليم قام بتنظيف صخرة الهيكل بعد أن كانت مقلب قمامة منذ أن انتشرت المسيحية في الإمبراطورية الرومانية في القرن الرابع الميلادي، و كانت قبل ذلك مكانا لمعبد للأله جوبيتر الذي بناه الإمبراطور هادريان في مكان هيكل هيرودس اليهودي القديم بعد أن قمع ثورة اليهود المعروفة بأسم “ثورة بار كوخبا” التي اندلعت ما بين الأعوام 132 و 136م و التي ادت إلي قيام هادريان بتدمير أورشليم و هيكل هيرودس و بناء مستعمرة رومانية جديدة عرفت بأسم “أيليا كابيتولينا” علي أنقاض المدينة القديمة و قام بوضع حظر علي إقامة اليهود فيها، ذلك الحظر الذي جدده الأمبراطور هيراكليوس في القرن السابع الميلادي و الذي لم يكسر إلا في عهد العرب الذين سمحوا لليهود بالأقامة مرة أخري في المدينة، و يوجد أحتمال قوي بأن من سمح لليهود بالأقامة في القدس كان عمر نفسه، حيث أن الوثيقة المعروفة بأسم “العهدة العمرية” و التي تتعهد لسكان المدينة المسيحيين بألا يسكنها معهم أحد من اليهود تحوم حولها الشكوك بأنها قد تم صياغتها في عصور متأخرة و نسبت إلي عمر، و يؤيد ذلك الأحتمال وثيقة يهودية عثر عليها ضمن وثائق “الجنيزة” بالقاهرة ترجع إلي القرن الحادي عشر تعرف بأسم “الحولية العربية اليهودية” تذكر بأن عمر قد سمح لسبعون أسرة يهودية بالأنتقال للأقامة في القدس، و قد اختارت هذه الأسر الأقامة في الجزء الجنوبي من المدينة ليكونوا علي مقربة من الأماكن المقدسة، كذلك فقد كانت من سياسات العرب الإستراتيجية في ذلك الوقت إسكان جماعات من اليهود في المدن المحتلة و من ذلك ما ذكره البلازري في كتابه فتوح البلدان من أن معاوية قام بأسكان مدينة طرابلس بعدد كبير من اليهود.

هل حقا كان عمر هو “المسيح العربي” ؟ ذلك سؤال ربما لن نتمكن أبدا من الأجابة عليه علي وجه التأكيد، لقلة المصادر و احجام الباحثين عن دراستها لأسباب عقائدية و سياسية، و لكن من المؤكد أن اليهود قد استقبلوا العرب الغزاة في المشرق و ساندوهم، و ربما كان لليهود يد في اسقاط العديد من المدن الحصينة أمام العرب كما يقترح بعض المؤرخين الكنسيين القريبيين زمنيا من الأحداث، و ربما ترجع هذه المودة من جانب اليهود تجاه العرب إلي العداء المشترك للبيزنطيين و كذلك الأقتراب الأيديولوجي بين العقيديتين الإسلامية و اليهودية، كل ذلك ربما ادي بيهود المشرق إلي نسيان المذابح التي قام بها العرب تجاه يهود شبه الجزيرة العربية و دفعهم إلي مساندتهم لتحقيق الخلاص من الأضهاد البيزنطي الذي يطمحون إليه.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in محمد جمال and tagged , , , , , , , . Bookmark the permalink.