لغة الذبح

عبد العزيز جمال الدين عبد العزيز جمال

منشأ اللسان العربى هو الذبح والقتل انظرى إلى كم العنف والقتل فى المفردات العربية البدوية كما يذكر لنا الكاتب المغربى عبد الحق فاضل فى مقال له نشره بمجلة لسان العرب. المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم مجلد 10/ج2 يناير 1973 الرباط.

(الخد) فليس أهون شأنا, صحيح أن معنى الخدين على قوله “مؤخر العينين إلى منتهى الشدق، أو الذين يكتنفان الأنف عن يمين وشمال، أو من لدن المحجر (العين) إلى اللحى”، لكن الخد بالرغم من كل شئ مشتق من فعل (خد يخد) الذى إنما يعنى شق يشق، ومن ذلك (الأخدود): الشق أو الحفرة الطويلة فى الأرض، و(الأخاديد): أثار سياط على الجسم. وعندما يريدون فتح فكى رأس الذبيحة – حتى اليوم – يشقون لحمه الوجه على طول مجرى تلاقى الأسنان بين الفكين، أى يخدونها، أى يحدثون فى الوجه خدا أو أخدودا، ولا بد أن أبناء العصور الحجرية قد كانوا يفعلون نفس الشئ بقنيصهم الذى يجتمعون على افتراسه، يخدون وجهة من الأذن إلى الفم ليتمكنوا من فك الفكين وهذا أيضا دليل استطرادى على أصل تسمية (الفك) فقد كانوا (يفكونه) لاستخراج ما فى داخل الفم من لسان وجلد. 

وأما (الوجنة) فمن (الوجن) أى الدق والهرس، ومن ذلك قالوا وجن به الأرض: ضربها به، ووجن القصار الثوب: دقه، والميجنة : المدقة، فىا لضيعة الغزل وخيبة الهيام.

 (النحر) وهو أخو الجيد، فالنحر الذى يترنم به المشببون المساكين ما هو فى أصل معناه الا موضع ذبح البهيمة، ونحرت البعير نحرا، وتنحارا: “طعنته حيث يبدو الحلقوم على الصدر”! و”يوم النحر” لا يحسبن القارئ المستهام أنه يوم استعراض نحور الغيد لاختيار أجمل نحر فى المدينة أو القطر أو العالم، فإنما هو يوم الذبح وحسب، أى يوم عاشر ذى الحجة الذى يجئ فىه أجل الأضاحى.ولم يقتصر تطور معانى الكلمة على الجمال كالذى رأينا بل شمل العلم والفهم فى قولهم (النحرير والنحر) بكسر نونيهما بمعنى “الحاذق، الماهر، العاقل، المجرب، المتقن، الفطن، البصير بكل شئ” !! أى والله، كل هذه الصفات المثلى يغدقها عليه الفيروز ابادى” لأنه على قوله – ينحر العلم نحرا ” ! والذى نتوهمه أن ذلك الفطن الفهامة إنما سمى نحريرا ونحرا لأنه يحسن الذبح، ذبح الشاه والإبل ويتقنه، لا ذبح العلم ذبحا، ثم انتقل المعنى إلى الحذق والإتقان والبصر بكل شئ.. مثل (العقل) الذى كان معناه الأول عقل الناقة أى ربطها، ثم انتقل إلى معناه الفكرى المعروف.

الجسم:وهو البدن، ومنه صيغ (الجسيم) و(الجسام) زنة سعيد وسعاد: البدن، أى العظيم الجسم، وأصل الجسم هو (الجسمان) – كالبرهان وهذا أصله:

الجثمان:بمعناه، وهذا أصله فعل (جثم) أى لزم مكانه أو وقع على صدره، وهذا أصله فعل (جث جثا) أى قطع قطعا، أو انتزع الشجر من أصل و الظاهر أن هذا أصل التسمية, وأخالهم استعملوا هذه الصيغة منذ كانوا يقتلون طريدتهم بالسهام والرماح وهى واقفة أو راكضة، فتخر على وجهها وتتلقى الأرض بصدرها، أى تجثو وتجثم، ومن ثم كان معنى :

الجثة:هو جسم الميت، ولو أنه يستعمل لجسم الحى أيضا، ويبدو لنا (الجثمان) أنه كان يعنى جسم الميت أولا ثم استعير للحى كذلك، فصار يقال مثلا: فلان عظيم الجثة أو الجثمان، ثم نطقوه: الجسمان (بالضم) ومن ثم ظهرت صيغة (الجسم) بكسر الجيم هذه المرة.

الوجنة:فهى نفسها هذا النتوء تحت العين، الذى يشبه فى استدارته وحمرته التفاح، فى وجنات الأطفال والعذارى والمسلولين. وما زال إخلاف أولئك الحجريين الأوائل إلى هذه الدقيقة يدقون عظم الوجنة ليكسروه ويستخدموا ما فى داخله من مخ، أى كانوا يجنونه فلهذا سمى الوجنة.

والجيد:العنق، حكايته واضحة، فهو موضع الجد أى القطع من الذبيحة، وقد اكتشف القدميون أن جد الرأس دون غيره من الأعضاء يسبب موت المخلوق الذى يوقعه سوء حظه بين أيديهم، والجيد أيضا صار كالنحر يعنى موضع القلادة بالإضافة إلى معناه الأصلى : العنق.ومن الجيد صاغوا (الأجيد) أى الطويل الجيد, ومؤنثه (الجيداء)، ثم ظهرت صيغة صادية أى (الأصيد) وهو المائل العنق ثم صار يعنى الرجل الذى يرفع رأسه كبرا، وجمعه (الصيد) – زنة العيد – ومن ثم قالوا عن أبطالهم : الأشاوس الصيد. وظهرت كذلك صيغة (الأغيد) حيث قالوا: غيد غلام يغيد غيدا “من باب فرح” بمعنى : مالت عنقه، ثم بمعنى : لانت أعطافه على اعتبار ميلان عنقه قد كان عن دلال ونعومه، ومؤنث الأغيد هو (الغيداء) وجمعها (الغيد).

من كل ما تقدم نرى رؤية عيان واقتناع أن الأسماء الذبحية والقطعية أطلقت أولا على أعضاء الحيوان ثم استعيرت للإنسان حيث ارتفع شأنها بارتفاع صاحبها، فاستخرجت منها معانى الترف والنعومة والجمال والدلال، وحسبك بهذا (الجيد) وذلك (النحر) دليلا على مكان الذبح من الحيوان ومكان القلادة بل التقبيل من (الغيد) الحسان.

الجبهة:معناها معروف، ومبناها أصله (الجب) – زنة الصب : القطع، فلعلهم كانوا يجبون الجبهة لكسر الجمجمة واستخراج مخها، وقارئنا الكريم يعلم أن إضافة الهاء إلى (الجب) أمر لا غرابة فىه فقد فئم فعل (القط) مثلا – أى أضيفت إليه حروف – فصار قطب وقطع وقطف وقطم وقطل..ومثله أفعال القص والقد والجد.

الجبين: أنه الجبهة معنى، وأصله (الجب) مبنى..العضلة : يظهر أن تسميتها قد جاءت من (العض) لأنها تؤكل عضا.

العظم:تم صيغ العظم من العضلة للصوقها به، من باب تسمية الجار بالجارة.

الضلع:كذلك سمى الضلع من اسم العضلة أسوة بالعظم، لكن الصيغة مقلوبة هذه المرة.

العضد:وينطق بعدة صور من تغيير الحركات على حروفه، وحسبنا منها الآن الصيغة الشائعة (بفتح الضم) ولعل اصله العض أو العضلة كذلك ولا سيما أنهم قالوا عضد القتب البعير : عضه فعقره، فعلى هذا يكون معنى العض مازال باقيا فى العضد.لكن العضد من أخرى أقرب مبنى ومعنى من (الخضد) فقد قالوا عضدت الشئ: قطعته، والمعضاد والمعضد : سيف للقصاب يقطع به العظام وأداة لقطع الشجر، واستعضدت الشجرة : قطعتها، كذلك قالوا خضد العود: قطعه، وخضد الشجر : قطع شوكه، واليخضود والخضد زنة البلد – كل ما قطع من عود رطب أو تكسر من شجر، وانخضدت الثمار: تشدخت, ومن أخوات خضد : خضر وخضل وخضب وخضم.

البشر (زنة البقر):الإنسان ذكرا أو أنثى، فردا أو جمعا، وقد سمى بذلك من البشرة (زنة البقرة)، والبشر جمعها، ومعنى (بشرت الشئ) كان وما زال : قشرته، فالبشرة هى القشرة، وبشرة الحيوان وجميعها لا يعنيان إلا الجلدة والجلود، وكما أطلقوا (السلخة) على ولد الشاه – وأصلها (السلخ): ما سلخ عن الشاه أطلقوا هذا الجلد المسمى بشرة على جلد الإنسان حتى اختص به دون إخوانه من بنى الحيوان، أو كاد.

المرفق:نعتقد أن أصل (المفرق)، من فرقت (بالتخفيف والتشديد) بين الشياين : فصلت بينهما، وفرقت شعرها بالمشط : سرحته شقين، ومن ثم صار (الفرق) يطلق على مفرق الشعر، و(المفرق) يطلق على مفرق الشعر وعلى موضع انشعاب الطريق.وقد أطلق الأعربون الأقدميون (المرفق) على موضع القطع بين كل عظمين فىما نظن، ثم اختص بموضع اتصال الساعد بالعضد، أو افتراق عظامها على الأصح.

الفقرة:هى أيضا مقلوبة من (الفرق) كالمرفق، وربما كان استعمالها عاما للقطع أول أمرها ثم اختصت بحزازات الظهر، وتنطق الفقرة من وزن النظرة والفطرة، لكن معنى القطع ما زال واضحا فى مادة (ف ق ر)، كقولهم فقرت الشئ : حززته وأثرت فىه، وقالوا فقرته الداهية: نزلت به وكأنها كسرت فقرات ظهره، ومن هنا سميت (الفاقرة)، بل هى “الداهية الشديدة”، والحق معهم، فما كل داهية تكسر الفقرات، وقد افتنوا فى تسميتها استفظاعا لها فدعوها (الفيقر)! فلا عجب من ثم أن يسموا المعوز المدقع (فقيرا) أى مفقورا، أى مصابا بفاقرة، وبعد ذلك صيغ الفقر والافتقار.

المفصل: على ذكر المفرق نذكر (المفصل) فهو كما هو معلوم مكان فصل العظام بعضها عن بعض، والأصح مكان اتصالها ببعضها البعض، وهذه نظرية جديدة معاكسة لكل ما تقدم، فمن شأن جميع التسميات السابقة القطع والفصل، لكن التأصيل اللغوى هو الذى يقودنا إلى هذه النتيجة المعكوسة، ذلك بأن الفصل أصله (الوصل). 

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in عبد العزيز جمال الدين and tagged . Bookmark the permalink.