طبق يقدم باردا

ايمن ابراهيمدماء

انسحب الغروب ،لم يعد فرد الحمام ،وبدأ البرد يلسعني،ففهمت ان “الضاني”قد اغواه بالنتاية الشقلباظ ،وتركة حتى حط معها فوق بنيته العالية فأطبق علية بالشبكة وسلبه مني،لم يردعه وعيدي،وبدأ الليل يدخل واللسعات تتزايد.نادتني أمي بعصبية من بئر السلم ،واربت باب السطوح ونزلت.

بعد ساعة جلست مع “أحمد كنيش و”حماده عسل”على المقهى،وأخبرتهما بما حدث وأنني سأضرب الضاني بالمطواه كما وعدت،ونظر كنيش في حزن لي وقال”عسل عايز يفاتحك في موضوع ..اسمعه”واخبرني عسل انه رأى سارة مع مروان شقيق الضاني اليوم في السينما. صعد إلى نافوخي الدم وظننت انني سأنفجر.

….

تعلمت من مشاوير كثيرة ذهبت إليها خطاي مع الأيام،ان الأنتقام عبارة عن طبق لابد ان يقدم بارد،فأخبرت كنيش والعسل انه لاخيار من تأديب مروان والضاني ولكن بالعقل،تركنا المقهى وصعدنا إلى الخلوة التي بنيتها جوار عشش الحمام لتكون قعدتنا بعد ان مات أبي.

 

جاء موت أبي مثل بروفة تتمرن عليها كثيرا حتى يحين وقت العرض فلا تستطيع ان تفرق بين التمرين والحقيقة،بأختصار مات مرات عديدة بالنسبة لي،المرة الأولى عندما اصر على ان اكون ثانوية عامة علمي،ليلتها حسمت قراري واخبرتة به في الصباح لأتلقى صفعة قوية من كفه الغليظ،،كانو أخوتي الكبار  ينظرون ولا ينظرون ولم يتدخل أحد منهم.بعدها جاءت الصفعات تباعا كلما رسبت،وكأن القسوة هي الحل الوحيد حتى لاأفسد.

………

قال عسل”الولا واخوه يتأدبو بكره الصبح وساره تخلص انت معاها عشان دي تخصك”وقلت سأبعث بسوتيانها التي احتفظ به إلى امها وسأجعلكم تركبونها هنا في الخلوة.

……..

عندما تسوء الأمور يصعب تذكر السبب،كيف أمكن لأبن الناس ان يتحول لصايع،انه الوقت..اعظم معلم في التاريخ،كنت أموت من الضحك في سري كلما شاهدني شاهد وانا اتأبط كتابين ،فيدعو لي بالنجاح،وهي في الأساس كتب عن المسرح والشعر وملاحم إغريقية،كانت تنزف دماء وهي  مشغوفة بتفسير العالم،تماما كما نزفت الدماء من فمي يوم ان انتصر ابي للكلاسيكيات الشعبية وأصر ان يراني مهندس أو طبيب “شيل من نافوخك أدبي دي خالص انت مجموعك حلو”فقلت له”إللي هيحط رجله في حياتي هكسرهالو” ونزل الكف الغليظ فوق وجهي وكانوا اخوتي الكبار ينظرون ولا ينظرون،وشعرت انني اشخص قصة يوسف بشكل معكوس ،يظل الغول الذي بداخلك يصرخ للأنتقام،وأنت توعدة بالطبق البارد الذي سيبلل جوفة.حتى يتثنى لك ان تراة وهو يتجشأ شاكرا بعد ان التهمه.

……..

أخبرت سارة في التليفون انني احتفظ لها معي بمقطع فيديو ستسعد حينما تشاهدة على اليوتيوب لو لم تصعد بمفردها غدا وتنتظرني في الخلوة.وكنت قد شحنت مطوتي الخوجه وممرتها على فص ثوم حتى لا يلتئم اي شج ستحدثة غدا.

…….

حينما لاتسعفك الكتب بكلمة مجرد كلمة واحدة ،عليك اذن ان تحرقها،لأنها خذلتك.وتصبح حقيقة ان يتحول ابن الناس لصايع ليس قرار ياتي في يوم وليلة وإنما ،قانون جديد تسوء الأمور ليصعب معها كما قلنا تذكر السبب.

كأن تمر في سلام مع نفسك في يوم ما ويأتي سائق توك توك ليسب أمك واللي جابك لمجرد انك لم تنتبة لدخلة الشارع ،وأمام عينه التي احمرت من الشر ستجد ظلك ينسحب معك دون ان ترد بكلمة ،مجرد كلمة،وشيئ بداخلك يهتف كأنه نعيب”””ضئييل”””،إذن فأحرقها دون ندم ،لا تترك المجال للحظة،الخطورة كلها هي تلك اللحطة،كلتي داهمتك منذ أعوام عندما رايت نظرة،نظرة واحدة من أم خاب أملها فيك،لكنها اليوم اعتادت،هنا مربط الفرس،يستطيع الأعتياد على الشيء ان يجعل صاحبةيقبله،الأن هي ترى قطع الحشيش التي تسقط سهوا في الصالة في الغرف وفوق بلاط السطوح دون ان تقول كلمة ،مجرد كلمة،وتنظف سريري مع الحرص الا تتحرك الخوجه من مكانها الأبدي تحت وسادتي.

…….

نعم أمرر مطواتي الخوجه على فص الثوم ،ولن يلتئم جرح معها،وهل التئمت جراحك حين ثورت في بلاهة وقررت ان تحبس نفسك في غرفتك لاتصعد منها سوى لكي تضع الذرة والفول للحمام فوق السطوح، فتراه يضرب الأجنحة بقوة يكاد يلامس .

 يها سقف السحاب ،فيزداد شعورك بالضئآله..وترى حالك وحال اخوتك مثل يوسف ولكن اين الجب الذي سيلقونك فية، ينخر الغول الذي بداخلك عظام الضعف ويجأر وانت تعده بالطبق البارد.

…….

كان موته بالنسبة لي هو الموت المنتظر لما وددت ان يموت بداخلي، واستقويت بكنيش وعسل على اخوتي الكبار، بعد ان مددت خيوط التواصل معهم، خضنا مشاوير كنت اظن اننا لن نعود منها، وبات كنيش وعسل هم اصدقائي الحقيقيين الذين استطيع معهم ان اقدم كل يوم طبق بارد للذي يجأر، بداخلي، ورضخت اخوة يوسف لمشيئتي، في البدء تحسب ان كل تلك الحجارة ،هي مجرد لعبة قد تملقتك، ترشقها على الجميع ومع الوقت تبتعد تدريجيا عن فكرتك عن نفسك وعن الحياة حينما ترص الحجارة وتراها مبنى يشبة الحصن الذي يصعب معه التخلي عن كل تلك القوة التي تصب في ميزان سعيك لتصبح عزيز مصر ولكن دون زوجة حتى لا تخونك.

……..

في الصباح لففت ثلاث جرائد حول صدري، تحسبا لأي طعنات محتملة، وارسلت بالسوتيان لأم سارة، وصعدت إلى السطوح ولم يكن فرد الحمام قد عاد. ونزلت إلي الشارع وانتظرت مروان مع كنيش في دكان عسل، وجاء الشاي. وبعثنا برسول يبلغ الضاني اننا سنستهدف اخية، وعلم الشارع ان مشاجرة دموية ستقع، وبدأت النسوة في فرد بعض الملاءات فوق حبال الغسيل، وأغلق جمال العلاف دكانه وتبعة آخرون، وخرج صويت من شقة سارة، لحظات ولمحنا طيف مروان مقبل ونظرت للقادم في وجل ودسست فص أفيون تحت لساني، ونظرت لسرب الحمام الذي طيره الضاني، كلهم نتايات شقلباظ ففهمت انه استدعاء عاجل لأصحابة. لمح كنيش سرب الشقلباظ وقال ” .. أمه ده مرعوب بقى” فضحك عسل وقال “طبعا وهو احنا شوية” وأختفى مروان وفهمنا انه يريد ان نتبعة ونقع في الكماشة لأننا سنصبح خارج المنطقة، جريت إلى البيت وصعدت السطوح واطلقت كل الحمائم السوداء، كاشارة على ان من سيدخل سيموت، وعدت لجلستي في الدكان بين عسل وكنيش، واشعل الحماس قلوب المشاغبين، فراحو يسبون الدين للضاني وعائلته لأستفزازه كيما يخرج

……..

ليلة موته، قال انه يشعر بقالب من الطوب فوق قلبة استدعاني وقال”مسامحني” فجلست على طرف السرير واخبرتة انني اسامحة، لكنني، لم اسامح نفسي، بكى،خرجت من الغرفة وقضيت الليل عند عسل وشربت زجاجتين من البراندي وانخرطت في وصلة عجيبة من البكاء، واخبرت عسل ان ابي يموت وانني سأخلد للنوم الأن ولا توقظني حتى ينتهي الدفن والعزاء.. وقد كان.

……..

لاح طيف الضاني من بعيد، وكان الوقت ظهيرة، وأدار عم جمال العلاف من شباكة الأرضي سورة الصافات بصوت الشيخ مصطفى إسماعيل، ليهدئ من شر نفوسنا، وندهت على عم جمال واخبرته ان يضع سورة يوسف، فأستنكف الطلب، دخل واغلق صوت الشيخ . واقترب الضاني من جلستنا، كان يصطحب معه في يده  قفص به جوز زاجل، القى السلام وقال انه يهديني زوج من الحمام الزاجل عوضا عن الفرد الذي ضاع، واقسم بأيمانات المسلمين انه لا يعرف عن فردي شيئا، وانه بهكذا يقصر الشر، واما حكاية أخيه والبنت، فأنه سيؤدب أخيه ،”مرضي يا عم ؟” وضرب على كفيه، كأنه يفض الحكاية، فوقفت.. وشعرت ان العالم ينظر لي في ترقب. أخرجت مطواتي فرجع الضاني خطوتي للوراء ووضع يده على الجيب الخلفي لبنطاله، وشعرت ان العالم يتأوه من الأثارة، فتحت الخوجه، مددت يدي لجلب الحمامة الولى من القفص، ذبحتها، ضربت باجنحتها وتخبطت في بين ارجل كراسينا، وفجر مشهد الدم اشياء كثيرة في العالم، وقبل ان تخمد اثارته، اخرجت الحمامة الثانية وذبحتها، وقال الضاني “كده يبقى اسمه أفترا” وأخرج مطواته وفتحها وخلع الجاكت من فوقه ولفه فوق ذراعه.. وبدأ الضرب.

……

الأنتقام ليس فقط عبارة عن طبق لابد ان يقدم باردا.هو ايضا ذلك الغول البائس الذي لو لم ترضية بفترسك ببطئ،البطئ المخيف ،الذي تتضاءل معه تدريجيا فلا ترى نفسك بحجمك الطبيعي،يظل التقزم يسري ويسري،تظل ملقى في الجب دون ان يهدي الله إلى سبيلك عابر سبيل لينتشلك حتى يبيعك،وقبل ان يحدث كل هذا عليك ان تقرر،والقرار لايأتي هكذا ،انها اشياء سيئة كثيرة تحدث،احجار ترص جوار بعضها البعض اما ان تكون سورا،فتعزلك ،او حصن.وللحصن غول يحمية،ولكي يحمية لابد ان تطعمة،كيما لايجأر.

…….

كنت أسدد له الطعنات بجوار جانبة الأيمن،مبتعدا عن جانب القلب،وانتفضا كنيش وعسل للتعامل مع أصحابة الثلاثة الذين دخلو يتقدمهم مروان بالسيوف،ويبدو انني قد اصبت الطحال وانفجر الدم..كانت ضرباته خاطفة واظن ان الجرائد قد صدت الكثير من الوخزات..ضرب .ضرب.ضرب.وصراخ يدفع بالهياج لعنق الغول،،وحاصرني ابن الكلب في زاوية الدكان،ورمت أحدى النسوة ملاءة فوقة لتحجبة عني،كان يستهدف شمالي.القلب.وحاولت باقي النساء غلقاء الملاءات فوقة،ولم اجد مفر ،نخرت بطنه،وسددت الطعنة الثانية في الكتف لأضعف الهجوم،غفلني ابن الكلب وسدد طعنة في مصراني،لكنه سقط،كان نهير الدم الذي سال منا قد امتزج بدم الحمامتين وبدأ يشق طريق إلى وسط الشارع.وانهمرت الملاءات من فوقنا وطعنتة ثانية،،وثالثة ورابعة.وحاولت إزاحة الملاءات من فوقي ،لكنني لم استطع،كانت طعنتة غائرة،ربما اراد ان يرضي غولة هو الآخر.ثم انني كنت منهمكا وشعرت ان قواي تخور،وناديت على كنيش فلم يرد،ثم رحت انادي عسل،كنت اجاهد لأخرج نفسي من تحت الملاءات،كنت اريد ان ارى اي شيئ غير وجه الضاني الذي كان يتنفس بصعوبة.قبل ان يغيب عن الوعي.كانت الحركة تدب في جنون من حولي.وشعرت بشيئ ينسل بخفة من روحي،شيئ من المستحيل وصفه،وكنت اهبط في جب.

26-4-2013

الكويت

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in ايمن ابراهيم and tagged , , . Bookmark the permalink.