الوصايا العشر للعلمانيّة من خلال التجربة التونسيّة

د. الأمين ذويب تونس

لأوّل مرّة في تاريخ العرب، ينتصر العلمانيّون ويترك الاسلاميّون الحكم عن طريق صناديق الاقتراع دون سلاح ودون دماء… ولكن، “معركة العلمانيّة” في تونس ومصر وغيرهما لم تنته بعد… الشعوب العربيّة، وكما يعلم الجميع، هي أسوأ شعوب العالم استيعابا لدروس العلمانيّة بسبب إعاقتهم الذهنيّة الناتجة عن تدخّل رجال الدين وأموال البترودولار في لعبة السياسة والتي تربط العلمانيّة بالكفر. 

ومعركة تونس أصعب بكثير من معركة مصر لأنّ المحاربين فيها راهنوا على لعبة السياسة وهي لعبة خطيرة إذا وضعناها في زمن رديء فقد فيه المواطن العربيّ عقله أمام تجّار الدّين الموالين لملوك الخليج، وهي أيضا لعبة خطيرة إذا كان الجيش فيها محايدا وكان المجتمع المدنيّ هو الضامن الوحيد لنزاهة وسلميّة اللاعبين. 

اسمح لي، عزيزي القارئ، أن أجعل من بلدي “تونس” مثالا يُحتذى به عربيّا في البناء العلماني، وأن أعرض عليك مجموعة من الوصايا المساعدة على تأصيل العلمانيّة والمستمدّة من التجربة التونسيّة (وأرجو المعذرة على هذا الفخر المبالغ فيه والذي ربّما يرتقي إلى درجة “الغرور”!!). 

تأصيل العلمانيّة في المجتمعات العربيّة هو عبارة عن عمليّة بناء صعبة لهيكل معقّد الهندسة ومعرّض للهدم في كلّ حين. ويمكن تلخيص تقنية البناء في عشر وصايا جامعة

. 1- لا يمكن بناء العلمانيّة في مجتمع عربيّ لا يتقن جيّدا لغة أوروبيّة أخرى إلى جانب لغته الأمّ. تونس تكاد تكون الدولة الوحيدة في التاريخ التي خصّصت ثلث ميزانيّتها للتّعليم. وتكاد تكون الدّولة العربيّة الوحيدة التي جعلت أطفالها يتكلّمون الفرنسيّة بطلاقة وسهولة منذ نعومة أظافرهم. 

 

نسبة كبيرة من التونسيّين يشاهدون القنوات التلفزيّة الفرنسيّة بانتظام، وتلك هي الوصفة السّحريّة التي جعلتهم ينفتحون على العالم المتقدّم ويوسّعون آفاق معارفهم، وساعدهم ذلك على النجاة من براثن الفاشيّة الدّينيّة التي تتّخذ من القنوات التلفزيّة الخليجيّة أداة دعاية لها. العلمانيّة، مثلها مثل الديموقراطيّة، ليس لها أيّ أمل في الدّوام ضمن مجتمع جاهل ومنغلق على نفسه وفقير حضاريّا. 

2- لا يمكن بناء العلمانيّة دون صبر المناضلين والمؤسّسين. الصبر مفتاح الفرج. لا يمكن تنظيف الفطريّات المزروعة في عقول العرب والمتراكمة منذ قرون في مدّة زمنيّة قصيرة. شعار العلمانيّين يجب أن يكون الصبر والحوار ثمّ الحوار ثم الحوار ضمن المنابر الإعلاميّة (بالمناسبة، أكبر قناة تلفزيّة في نسبة المشاهدة في تونس تحمل اسم “الحوار التونسيّ”!!). لا يأس مع الحوار ومسافة المائة ميل تبدأ من خطوة. 

3- لا يمكن بناء العلمانيّة دون مؤسّسات إعلاميّة ناجحة جماهيريّا ومستقلّة مادّيّا عن اللوبي الدّيني. منذ قيام الثورة، استطاعت مجموعة من القنوات التلفزيّة التونسيّة (قناة التونسيّة ثمّ الحوار التونسي، نسمة، تونسنا، الجنوبيّة، حنّبعل…الخ) ومن القنوات الإذاعيّة (موزاييك أف أم، شمس أف أم، اكسبريس أف أم…الخ) أنّ تستحوذ على نسبة المشاهدة والاستماع وأن تفتكّ المشاهدين والمستمعين من القنوات الخليجيّة والقنوات التونسيّة الموالية للإخوان وملوك الخليج. 

وحتّى نشرة الأخبار في القناة الوطنيّة (العموميّة) أصبحت أكثر متابعة ومصداقيّة من أخبار الجزيرة والعربيّة والبي بي سي. البرامج الحواريّة في القنوات التونسيّة الخاصّة، وبفضل مجموعة من المذيعين اللامعين والقادرين على جذب المشاهد والمستمع، أصبحت ساحة معركة حواريّة أثبتت للمشاهد والمستمع العادي حالة الفقر والتصحّر الفكري لأعداء العلمانيّة الذين أصبحوا معرّضين للسخرية والنقد. وكشفت هذه المنابر الفارق الشاسع بين عقول العلمانيّين وعقول أعدائهم. 

4- لا يمكن بناء العلمانيّة دون تضامن الأحزاب والجمعيّات المدنيّة المتبنّية لها مهما كانت انتماءاتهم الإيديولوجيّة وخلافاتهم السابقة. حزب “نداء تونس” العلمانيّ المنتصر في الانتخابات والمجموعة التي انتخبته من المواطنين، يتكوّنان من طيف سياسيّ واسع يمتدّ من أقصى اليسار التقدّميّ إلى أقصى اليمين (المحافظ والليبرالي على حدّ السواء) مرورا بالدستوريّين (البورقيبيّين والتجمعيّين على حدّ السّواء) والنقابيّين. كلّ هؤلاء وضعوا اختلافاتهم وخلافاتهم السابقة جانبا ووقفوا صفّا واحدا في وجه الإخوان والسلفيّين، وجعلوا لأنفسهم هدفا واحدا وهو إخراج “الخوانجيّة” من الحكم عن طريق صناديق الاقتراع وإعادة تونس إلى التونسيّين. 

5- لا يمكن بناء العلمانيّة دون إطار وهيكل ديموقراطي متين. البناء العلمانيّ في العالم العربيّ هو بناء قديم يعود إلى بدايات القرن الماضي، ولكنّه بناء هشّ تعرّض إلى الهدم في العديد من المناسبات. والسبب الرئيسيّ في ذلك يعود إلى حالة الخلط في عقل المواطن البسيط بين العلمانيّة والدكتاتوريّة، لتصبح الديموقراطيّة مرادفة للأصوليّة، وليصبح الربيع العربيّ مرادفا لصعود الاسلاميين إلى الحكم. بفضل الانتخابات الأخيرة، استطاع التونسيّون أن يكسروا هذه القاعدة الغريبة ويكرّسوا قاعدة التداول السلمي على السلطة ويؤسّسوا أوّل حاضنة ديموقراطيّة للعلمانيّة العربيّة في هذا القرن. 

6- لا يمكن بناء العلمانيّة دون تحييد المساجد وإبعادها عن لعبة السياسة. تحييد المساجد هو حجر الزّاوية في أيّ بناء علمانيّ. تونس مازالت لم تنجح كما ينبغي في هذا الأمر. ومن حسن حظّها أنّ نصف رجالها وأغلب نسائها لا يدخلون الجوامع!! ولا يسمعون الخطاب التّحريضي للأئمّة المتطرّفين. التحدّي الكبير في المرحلة القادمة هو تحييد دور العبادة عن العمل السّياسيّ. 

7- لا يمكن بناء العلمانيّة دون البحث عن رجال دين معتدلين يكونون شركاء في البناء. في تونس، وجد العلمانيّون ضالّتهم في بعض الجمعيّات الزيتونيّة مثل دار الحديث الزيتونيّة وإمامها “فريد الباجي”، هو رجل دين “شاب” يدافع عن العلمانيّة أكثر من العلمانيّين أنفسهم!! ومن حسن الحظ أنّه شخص محبوب وأكثر رجال الدين شعبيّة في تونس. 

8- لا يمكن بناء العلمانيّة إلاّ ضمن إطار دولة مدنيّة. الدّولة العشائريّة، الخالية من القوانين المدنيّة المنظّمة للمجتمع بقطع النظر عن جنس وعرق ودين أفراده، هي دولة غير قادرة على استيعاب العلمانيّة. في تونس، القضاة والمحامون والمجتمع المدني الواقف معهم قادوا الثورة، و”نظّفوا أنفسهم” قبل تنظيف وتنظيم المجتمع، وكوّنوا درعا قويّا للدّولة المدنيّة الحاضنة للعلمانيّة، دولة القانون والمؤسّسات. كما وقفوا سدّا منيعا أمام محاولات الإخوان لجعل الشريعة أصلا للدستور التونسي. 

9- لا يمكن بناء العلمانيّة دون شخصيّات رمزيّة كاريزماتيّة ونظيفة اليد. الحبيب بورقيبة مات وهو لا يملك عقارا واحدا، بينما يتداول الناس أنّ ثروات قادة الإخوان المسلمين تتجاوز المليارات. “الباجي قايد السبسي” استحوذ على عقول وقلوب الناس وذكّرهم ببورقيبة وبالزمن الجميل. 

10-لا يمكن بناء العلمانيّة دون تقدّم اقتصاديّ وتنوّع لمصادر الثروة. من المعروف أنّ الفقر والجوع يمنع العقول من التفكير ويدفعهم إلى التطرّف والالتجاء إلى تجّار الدين في السياسة. رغم افتقارهم إلى الثروات الطبيعيّة، استطاع التونسيّين أن يضمنوا نسبة دنيا من النموّ تفوق مثيلتها في الدول المجاورة الغنيّة بالبترول. واعتماد تونس على الاستثمارات الخارجيّة والسياحة منع الإخوان من الاستبداد المغلّف بالدين.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in د. الأمين ذويب and tagged . Bookmark the permalink.