فِي طَرِيْقِ التَّصَوُّفِ الرَّائِقِ

د. بليغ حمدي إسماعيل بليغ

هذه الدنيا لا يمكن توصيفها سوى بأنها ثمة رموز غير استثنائية، يمر بها المرء منا في محاولة لفهمها وفك تلك الرموز حتى يصل في النهاية إلى تفسير حقيقي لذاته واستنطاق كنه وجوده، وهذه العلاقة بين الدنيا والمرء تكمن حالة الاختيار الحر الكامل للإرادة الإنسانية، وتتنوع رهانات الإنسان صوب شهوده الدنيوي، فبين إنسان يقرر أن يتحمل المسئولية الكاملة بتحرره من قيد المسئولية الأرضية بشهواتها وفتنتها، وبين آخر يدفع ثمن استلابه لشرور النفس كالحقد والحسد والسخرية والاضطهاد واستغلال الضعفاء تكمن الحقيقة ويستقر اليقين بأن الدنيا في كلتا الحالتين شواغل وعوارض، وطوق النجاة هو أن تفنى بذاتك قبل فنائك، وأن تعبر البحر لتصل إلى شاطئ بعيد عن النفس قريب من الروح، تجد فيه شخصاً واحداً بغير تعدد، هو أنت. وهذه الرحلة التي تسمى الدنيا مشحونة بمشاهد متباينة ؛ مشهد يتسم بالفجور والغرور والذات الفاسدة، ومشهد مشحون بالتأمل والتدبر والتفكير، ومشهد ثالث وأخير ينتهي بك إلى يقين المعرفة ألا وهو التصوف، وهم أولئك الذين استحقوا عطاء الواجد باجتهاد بالموجود.

ولعل أسرع طريقة لتحقيق غاية العلم وهي المعرفة طرح الأسئلة المباغتة التي تظل قابعة في الذهن بغير حراك لكن المرء على غوايته القديمة يأبى طوعاً تارة وكرهاً تارة أخرى في الدفع بها إلى الشهود والحضور، لذا فمن الأحرى مباغتتك أنت بأسئلة الدهشة. ماذا ستسطر في صفحتك الشخصية بكتاب التاريخ عن واقعك الإنساني الذي عاصرته ؟ وكيف ستوصِّف ملامح الجيل الزمني الذي تنتمي إليه ؟ وأخيراً هل أتاك حديث الحكمة ؟ .

وبكثرة الأسئلة تستطيع أن تصل إلى يقين المعرفة، فحينما سئل عبد الله بن عباس : بأنى أصبت هذا العلم ؟ قال : ” بلسان سئول وقلب عقول “، وقد لا يعي كثيرون أن هناك ما يسمى بمقام اليقين، وهو مقام العابد الذي يفكر بعقل سديد مستنير خالٍ من هوس فتنة الدنيا، وبطش شواغلها الفانية، وهذا اليقين هو المقام الذي ينتقل بك سريعاً من حال الشك المتولد من طرق الأسئلة إلى برهان المعرفة الذي يتحقق عن طريق الثقة في الله وبالله التي لا يعتريها شك أو ظن سلبي، ثقة مفادها اطمئنان القلب مع الله، وهكذا كان حال الأنبياء والرسل مع الله تبارك وتعالى.

فنوح ( عليه السلام ) الذي استقر قلبه بالطمأنينة وهو يصنع الفلك ويأمر أهله بالتوحيد كان على موعد بالثقة مع الله عز وجل والنجاة والفلاح، وإبراهيم ( عليه السلام ) حينما أمر أن يأخذ زوجه وابنه إسماعيل ( عليه السلام ) إلى موضع غير ذي زرع ويتركهما فتكرر السيدة هاجر سؤالها مرات ثلاث : ألله يأمرك بهذا ؟ فقال عليه السلام : ” نعم “، فقالت : ” إذاً لا يضيعنا ربك “. فكان إبراهيم وزوجه على موعد آخر مع الثقة بالله بطمأنينه أودعها الله بقلبيهما.

ورسولنا الكريم محمد بن عبد الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول شارحاً دلالات اليقين بحديثه الشريف، يقول : ” إن لكل إيمان حقيقة، فما حقيقة إيمانك ؟ “، إذا اليقين بالله يحتاج إلى نوع استثنائي وعظيم من الإيمان لا يتحقق إلا بالاجتهاد في الطاعات مع مساحات واسعة من الاطمئنان بقضاء الله وقدره. وعليه فإن المؤمن لابد وأن يعي بأن مقام اليقين هذا يتفضل الله به على من جاهدوا في سبيله، وقاموا جاهدين بتطهير نفوسهم من شرورها وشهواتها، وأخلصوا العبادة للواحد القهار، وتعلقت بالله هممهم.

وكل من اليقين والمعرفة والاطمئنان يتحقق لمن أنس بالله، يقول ذو النون المصري : ” إذا أكرم الله عبداً ألهمه ذكره، وألزمه بابه، وآنسه به، يتعرف إليه بأكبر الفوائد، ويمده من عنده بالزوائد، ويصرف عنه أشغال الدنيا والبلايا، فيصير من خواص الله وأحبابه، فطوبى له حياً وميتاً، ولو علم أبناء الدنيا ما فاتهم من حظ المقربين، وتلذذ الذاكرين، وسرور المحبين : لماتوا كمداً “. وقال أيضا : ” إذا صح اليقين في القلب صح الخوف منه “.

وروى بعض الصالحين أنه رأى جارية في البادية ليس معها أحد، فقال لها : إلى أين أنت ذاهبة ؟ فقالت : إلى الحبيب. قال : فما تستوحشين وحدك هذه البادية ؟، فرفعت صوتها قائلة : ( يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير ) (سورة الحديد : 4 ). ثم أردفت قائلة : من استأنس بالله، استوحش عمن سواه، ومن طلب رضاه، صبر على قضاه.

د.بليغ حمدي إسماعيل

كلية التربية ـ جامعة المنيا

[email protected]

This entry was posted in د. بليغ حمدي إسماعيل and tagged , . Bookmark the permalink.