فى النحو وتطوره

عبد العزيز جمال الدين  عبد العزيز جمال

حول علم النحو

الجمهور من اهل الرواية يقول ان النحو العربى علم ظهر فى الإسلام. ظهر بظهور الحاجة الماسة اليه لضبط اللسان وصيانته من الخطأ ولتعليم الاعاجم الكلام بالعربية.

وقد استخدم “ابن فارس”لفظة “العربية” في معنى: الإعراب. وذكر لفظة “النحو” قبل كلمة: “الإعراب”، حيث قال: “وانهم لم يعرفوا نحوا و لا إعرابا و لا رفعا و لا نصبا و لا همزا”.

هذا هو المشهور المعروف المتداول بين أكثر الناس عن منشأ علم النحو. وقد تعرض “ابن النديم” لهذا الموضوع فقال: “قال محمد بن اسحاق: زعم اكثر العلماء ان النحو أخذ عن أبى الأسود الدؤلى، وان أبا الأسود أخذ ذلك عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب عليه السلام”، ثم روى روايات أخرى، تذكر ان غيره قام برسم النحو، إذ قال: “وقال آخرون رسم النحو نصر بن عاصم الدؤلى، ويقال الليثى. قرأت بخط أبى عبد الله بن مقلة عن ثعلب، انه قال: روى ابن ابى لهيعة عن أبى النضر، قال: كان عبد الرحمن بن هرمز أول من وضع العربية، وكان اعلم الناس بأنساب قريش وأخبارها وأحد القراء”.

وعلى هذا فمن قال ان أبا الأسود وضع النحو، فقد كان يقصد شيئا من هذا، وهو انه وضع الأساس بضبط المصحف حتى لا تكون فتحة موضع كسرة، ولا ضمة موضع فتحة، فجاء بعد من أراد أن يفهم النحو على المعنى الدقيق، فاخترع تقسيم الكلمة إلى اسم وفعل وحرف، والاسم إلى ظاهر، ومضمر، وغير ظاهر ولا مضمر، وباب التعجب وباب إن.

وقال:”فالذى يظهر انهم يعنون بالعربية هذه العلامات التي تدل على الرفع والنصب والجر والجزم والضم والفتح والكسر والسكون والتى استعملها أبو الأسود في المصحف، وان هذه الأمور لما توسع العلماء فيها بعده وسموا كلامهم نحوا سحبوا اسم النحو على ما كان قبل من أبى الأسود، وقالوا: انه واضع النحو للشبه فى الأساس بين ما صنع وما صنعوا، وربما لم يكن هو يعرف اسم النحو بتاتا … فالظاهر ان عمله كان فى أول الأمر ساذجا بسيطا، وهو وضع علأمات الرفع والنصب وما اليهما ولم يزد على ذلك، فلما سمى العلماء بعد بعض ضروب الرفع فاعلا، وبعض ضروب النصب مفعولا، قالوا: إن أبا الأسود وضع باب الفاعل والمفعول، وإن كان أبو الأسود نفسه لم يعرف فاعلا ولا مفعولا، بل ربما لم يعرف أيضا رفعا ولا نصبا، فإنهم يروون انه قال لكاتبه: إذا رأيتنى قد فتحت فمى بالحرف فانقط نقطة فوقه، وإن ضممت فمى فانقط بين يدى الحرف، وان كسرت فاجعل النقطة من تحت. وهو تعبير ساذج يتفق وزمن أبي الأسود”.

ومما يؤسف له كثيرا ان المؤرخين قد رأينا رأيها فى أول ظهور النحو، وقد رأينا حاصل روايات مضطربة، يكتنفها غموض، ثم هى عاجزة فى النهاية عن بيان كيفية توصل الأمام “على” أو “أبو الأسود” إلى استنباط هذا التقسيم الثلاثى للكلم، ثم البحث فى “العطف” و “النعت”والتعجب والاستفهام، وباب إن وأخواتها، والفاعل والمفعول، ونحو ذلك من قواعد، لايمكن لإنسان استنباطها بمفرده من غير علم سابق له بقواعد اللغات، مهما أوتى ذلك الإنسان من ذكاء خارق وقوة إبداع! فلا يمكن تصور ان انسانا يستطيع أن يجلس بمفرده ثم يجيل النظر في محيط اللغة التى يتكلم بها قومه، وهو غير مسلح بعلم سابق باللغات ولا بمعرفة مسبقة بقواعدها. ثم تنثال عليه المعرفة ويستخرج منها بنفسه القواعد المذكورة، ثم يضع لأبوابها تلك الأسماء التى لا يمكن لأحد وضعها إلا إذا كان ذا علم بقواعد اللغات عند الأمم الأخرى، لأنها مصطلحات علمية منطقية، لا يمكن أن تخرج من فم رجل لا علم له بمصطلحات علوم اللغة والمنطق، ولأنها ليست من الألفاظ الاصطلاحية البسيطة التى يمكن أن يستخرجها الإنسان من اللغة بكل سهولة وبساطة حتى نقول انها حاصل ذكاء وعقل متقد. وكيف يعقل أن يتوصل رجل إلى استنباط ان الكلمة أما اسم، أو فعل، أو حرف، ثم يقوم بحصرها هذا الحصر الذى لم يتغير ولم يتبدل حتى اليوم، بمجرد إجالة نظر وإعمال فكر، من دون أن يكون له علم بهذا التقسيم الذى تعود جذوره إلى ما قبل الميلاد. ثم كيف يتوصل إلى إدراك القواعد المعقدة الأخرى التي لم يبتدعها انسان واحد، وإنما هى من وضع أجيال وأجيال، إذا لم يكن له علم بفلسفة الفعل وعمل الفاعل وما يقع منه الفعل على المفعول، وكذلك الأبواب المذكورة التى لا يمكن أن يتوصل اليها عقل انسان واحد أبدا.

This entry was posted in عبد العزيز جمال الدين and tagged , . Bookmark the permalink.