(سجن النسا.. (السجين والسجان كلاهما في سجن

خالد عاشور

مسلسل سجن النسا

مسلسل سجن النسا

لا صوت يعلو فوق صوت إبداع المرأة..

في عام 1982 أنهت الكاتبة الكبيرة (فتحية العسال) مسرحيتها (سجن النسا) التي أخذ منها مسلسل (سجن النسا) الاسم، رصدت خلال المسرحية عوالم السجينات السياسيات في (سجن النساء بالقناطر)، غير أن مريم نعوم بعبقريتها كسيناريست متميزة حولت العمل المسرحي إلى مسلسل قمة في الروعة والألم بالتعاون مع المخرجة المبدعة كاملة أبو ذكري.. هذا ليس هو التعاون الأول بين (أبو ذكري – نعوم) فقد سبق لهما التعاون في (فيلم واحد صفر – مسلسل “ذات” عن رواية بنفس الاسم لصنع الله إبراهيم – ثم جاء “سجن النسا” ليتوج “درة” التعاون بينهما)… أما كاملة أبو ذكري  ابنة الكاتب الكبير وجيه أبو ذكري تمثل عبقرية لا مثيل لها الآن.. لم يتطور مخرج في مصر بهذه السرعة وهذا الجمال والحرفية كتطور كاملة أبو ذكري منذ أن بدأت رحلتها في عالم الإخراج بـ (قطار الساعة السادسة) وهي تلقي (نظرة للسماء) في (سنة أولى نصب) لتلعب (ملك وكتابة) وهي تتحدث عن (العشق والهوى) لتحرز (واحد صفر) مستغرقة (18 يوم) ومغرمة بـ (ذات) قبل أن تدخل (سجن النسا) بصحبة مريم نعوم وهالة الزغندي ومصممة الملابس العبقرية ريم العدل ومهندسة التصوير المتميزة نانسي عبد الفتاح، لتغلب بصمة نسائية رائعة على عالم (سجن النسا).

******

لا تهدر حواسك الخمس على شخص لم يستخدم حاسة واحدة ليشعر بك.! حطم أسوارك الداخلية وحرر نفسك.. لا تكن قلباً لمن لا قلب له.!

“نيللي كريم” من الممثلات المبدعات عن جدارة.. وأكثر ما يميزها أنها الأكثر صدقاً وإنسانية في أدائها.. صعدت “نيللي كريم” قمة الهرم الفني في (ذات) ثم تربعت عليه في (سجن النسا) لتؤكد لنا أن القديرة فاتن حمامة ليست وحدها سيدة الشاشة العربية.. قدمت نيللي كريم شخصية (غالية) السجانة مسبقاً، والسجينة فيما بعد.. وبين هاتين الشخصيتين ظلت (غالية) تقدم تضحياتها للغير.. ربما عن ضعف.. وربما تارة عن خوف.. والأكثر تأكيداً أنها أهدرت حواسها الخمس على أشخاص لم يستخدموا حاسة واحدة ليشعروا بها.! رغم أنها القائلة:

” السجن مش سور عالي وباب مقفول عليك.. السجن ممكن يكون في هدمة مش عايز تلبسها.. ناس مش عايز تشوفها.. شغلانة مش حاببها.. السجن كسرة وقهرة نفس..!!”

(غالية) تلك الشخصية الغرائبية التي كُسرت كثيراً من أقرب ما لها، صديقتها (نواره) التي مثل أختها والتي تربت معها فخانتها وأدخلتها (سجن النسا) بخيانة مشتركة مع زوجها (صابر الندل) الذي ارتضت أن يستغلها دون أن تدرك ذلك! وحتى في لحظات إدراكها تغاضت عن خياناته و”ندالته” وأنانيته، ربما هي كأي امرأة في مجتمع ذكوري يعتبر المرأة أقل درجات من الرجل، فحولها من إنسان له الحق في الحياة إلى كائن مُستغل.. غير أن روعة (غالية) أنها حتى في لحظات الضعف لم تستسلم كثيراً وكان صراخها وردها الصفعة بمثلها للزوج الجبان (صابر) يقدم لنا صورة غير نمطية بأن “ضعف المرأة قوة لديها، لكن وجب عليها أن لا تستسلم كثيراً لضعفها حتى النهاية كما فعلت (غالية).! لتتربع (نيللي كريم) بشخصية (غالية) على عرش الدراما العربية.

وليظهر بجوار نيللي كريم المبدع الشاب (أحمد داود) الذي أذهل الجميع بأدائه وقوته كوجه سيبرز في السنوات القادمة كنجم مختلف وصادق مع (ريهام حجاج) التي صعدت برفقة نيللي كريم وأحمد داود قمة الروعة في الأداء والتمثيل.

******

الموت ليس هو المفاجأة.. الحياة هي المفاجأة الكبرى.!

من (بدون ذكر أسماء) إلى أن دخلت (سجن النسا) تطورت الفنانة (رانيا حسين محمد توفيق) أو (روبي) بشكل رائع حيث قدمت أكثر الشخصيات ألماً في (سجن النسا). (رضا) تلك الفتاة التي أتت من قرية لتعمل خادمة  لتعول عائلتها وإخوتها الصبيان.. كانت بدايتها مؤلمة في الخدمة حيث عملت في أول بيت مع واحدة من الطبقة الأرستقراطية التي بلا قلب والتي تنظر إلى من هم اقل منها في السلم الاجتماعي على أنهم ليسو مجرد خدم بل اقل من حيوانات.. وهنا اشهد للفنانة والوجه الصاعد الفنانة المبدعة الجميلة (سمر مرسي) بأنها نجحت في أن يكرهها جمهور المشاهدين وهذا إن دل فإنما يدل على حرفيتها وصدق ما تقوم به ليس فقط لإتقانها دورها، ولكن لروعتها فيه.

(روبي) قدمت شخصية (رضا) بمستوى لا مثيل له منذ بدايتها وحتى الإعدام  في اتقانها للهجة الشرقاوية وإن كنت على يقين أن (روبي) لم تتعلمها من ملقن، بل راقبت أحداً ما قريب من مثل شخصية (رضا) كخادمتها مثلاً.. فإتقان هكذا لغة من

سجن النسا . روبي

سجن النسا . روبي

الصعوبة على ملقن ومن الصعوبة إجادتها.. غير أن روبي كانت قادرة على لبس شخصية (رضا) بصورة مذهلة مما جعل من يراها لا يملك إلا تصديقها إلى درجة التعاطف معها رغم فعلتها بحرق بنت مخدومتها (دليلة) الفنانة الشابة الموهوبة (ثراء جبيل). (رضا) تلك الفتاة الريفية التي كسرت أنوثتها من فتاة مثلها وقبل ذلك كسرت كرامتها على يد أبوها في مجتمع ذكوري يضحي بها كي يتعلم الصبيان، وحتى حين كسرت وحاولت الاستعانة بحبيبها لم تجد منه سند لها فلخصت في ردها عليه كثيراً مما يعانيه المجتمع من ذكورة بلا رجولة:

“أنت مش راجل.. ولا ابويا راجل .. ولا حد راجل…!!.. أنا تعبت من البهدلة..!!””

حاذر من أن تكسر أنوثة امرأة أو تسحق كرامتها… ستشعل ناراً لن تستطيع إخمادها.. انفجار بركان أهون من انفجار غضبها.!.. وكما انفجر بركان (رضا) فقتلت..  ولأن الرجل الذي يرى المرأة مصدر للفتنه والشهوة.. اﻻفضل له أن يرى نفسه مصدراً للتخلف !!! كان هناك انفجار لبركان (أشجان) الموهوبة الرائعة (هبة عبد الغني)، والتي قتلت زوجها القذر حين دخلت لتجده يغتصب ابنتها لتنهي حياته حفاظاً على عذرية طفلتها التي ظهرت عليها علامات البلوغ، ولقصور في التحقيقات وفشل قضائي وغياب روح القانون أو عدله، وصفت القضية كقتل عمد لترتدي (أشجان) البدلة الحمراء منتظرة كل يوم إعدامها في فخر، ومتباكية.. لآن انتظار الموت.. أشد ألماً من الموت ذاته.! على صوت اكتشاف آخر لكاملة أبو ذكري المبدعة (لانا مشتاق) مطربة (سجن النسا) وصوت آلامه وأحزانه لتخط لنفسها طريقاً جديداً في مسيرتها الفنية.

******

الشيطان لا يضع مساحيق تجميل ولا يرتدى ملابس مبهرة.. الشيطان فقط يضع أقنعتك .. ويرتدي شهواتك.!

قدمت (درة) في (سجن النسا) أجمل أدوراها وأكثرها حرفية.. تطور شخصية (دلال) من كونها (Prostitute) هاوية، إلى (Prostitute) محترفة أدته (درة زروق) بحرفية وروعة.. شخصية (دلال) التي تخلى عنها أيضا الجميع (أمها وزوجها وأخوتها) ليدفعونها دفعاً لترتمي في أحضان خالتها القوادة المتمرسة والعتيقة في المهنة لتحتويها هي وبناتها المتمرسات في المهنة حتى أصبحت (دلال) ذاتها مدرسة في ذلك.. ظهر في محيط عالم (دلال) مواهب جديدة تركت بصمتها كـ(شريف الخيام، ألاء نور، زينب غريب) ووجوه تطورت بروعة وأعادت كاملة أبو ذكري اكتشاف ما بداخلهم من طاقة فقدمت أجمل ما عندها كـ(ماجدة منير، حنان يوسف، أيمن قنديل، وضياء الميرغني). حتى الصور السيئة في (سجن النسا) كـ(دلال) كانت إنسانة في تصرفاتها ووقوفها إلى جوار (غالية) كما وقفت هي سابقاً معها في أول مرة لدخولها (سجن النسا)… ففي السجن إما أن تفقد إنسانيتك تماماً.. أو تكتشفها.!

******

انتصر للحياة.. أو استسلم للموت.!

نيللي كريم . سجن النسا

نيللي كريم . سجن النسا

بعد شخصية (غالية) في تأثيرها تأتي ربما شخصية (زينات اللي بتزوق البنات) لتبدع فيها الفنانة (نسرين أمين)، حتى أنها تفوقت على نفسها ودورها في مسلسل (السبع وصايا) وسابق ما قدمت من أدوار.. نسرين أمين في (سجن النسا أثبتت أنها نجمة صاعدة بقوة .. فشخصية (زينات اللي بتزوق البنات) هي الشخصية الأشد غرابة بين الشخصيات النسائية التي قدمتها كاملة وكتبتها نعوم في سجن النسا.. تلك الفتاة التي تشبه (دلال) الـ(Prostitute) غير أنها تختلف في إنسانيتها وفقرها وأن انزلاقها في الخطيئة كانت مدفوعة إليه دفعاً من المجتمع ومن الظروف والفقر وقلة الحيلة وعدم التعليم.. (زينات) التي فضلت العودة للسجن كلما خرجت منه لأن به حاجتها في العلاج وغسيل الكلى التي سرقت منها على عديمي الإنسانية من لصوص الأعضاء ممن انتزعت الرحمة من قلوبهم، جملتها الشهيرة تلخص مأساتها وهروبها من السجن الأكبر خارج (سجن النسا) ومحبتها للعودة لـ(سجن النسا) حتى ماتت فيه.. استمع لحوارها مع (رضا) زميلتها في السجن وبلدياتها:

زينات: “الظاهر حتى التوبة مش من حقنا.. ماهو أنا علشان أتوب لازم أبطل.. وأنا إن بطلت أموت.. انتي عارفة اني انا اللي بلغت عن روحي المرة دي بالعنية علشان يدخلوني.. السجن دوايا يا رضا وبرة موت.. وأنا مش عايزة أموت.. غاوية الدنيا.. !! “

وبتألم أكثر ترد (رضا) في حكمة: “غاويانا يا شفيقة.. بس مش غاويانا ”

هناك فرق بين الإغواء والغواية، فغواية الدنيا هي  أن تبتسم له وتحبه، أما الغواية فهي أن تضلله وتغويه نفسه إلى الشر .!

******

المجتمع حين يدفعك إلى الجنون… حياة دنيا.. تمهيد للولوج إلى (سجن النسا).!

دنيا ماهر أو (حياة) هي أكبر مفاجأة قدمتها كاملة أبو ذكري في رائعتها (سجن النسا).. تلك الشخصية التي تعاني من الرهاب الاجتماعي والنفسي يكاد أن يصل بها إلى شيزوفرينيا واضحة ورعب من ممارسة حياتها بشكل طبيعي في مجتمع يقهرها ويرعبها ويخيفها على أطفالها من اختطاف وسرقة أعضاء أو ما يحدث من قضايا اغتصاب للأطفال في المدارس، أو هاجسها الدائم وخوفها من الأطعمة المسرطنة من خضراوات أو فاكهة.. خوفها من أن تتكلم وقد وقع عليها تحرش جنسي واضح، فما كان منها إلا أن ارتعدت وأخذ عرقها يتصبب دون أن تتكلم مما انعكس عليها بالسلب في علاقتها بزوجها، وبالتالي في حياتها الأسرية وما آل بها في النهاية بوضعها السم لهم في الأكل بغية إراحتهم من جحيم الحياة وهي قد نوت أن تقتلهم وتقتل نفسها معهم خوفا من جحيم الحياة والمجتمع، دنيا ماهر قدمت دوراًً رائعاً وأثبتت بها كاملة أبو ذكري أنها كمخرجة لا تعلو فقط بالدراما المصرية، ولكنها كشاف جديد لمواهب ستغير تاريخ الدراما المصرية وتلقي بحجر في ركود بحيرة الصور النمطية للنجوم التي شاخت بتقديمها (دنيا ماه)ر ومعها  الرائع والموهوب (أسامة أبو العطا)  الذي ظهر نجمه في (ذات) ثم لمع في لقطات قليلة في (سجن النسا) وهذا الحوار الملخص لحياة (حياة):

“أنا ميت بالحيا انا وعيالي.. !!!.. أنتي مش حياة .. أنتي موت.!.. أنتي كرب.. أنتي غم.!.. أنتي بلوة.!”

لترد (حياة) المريضة نفسياً، وتوضح سبب علتها وهو المجتمع الذي يطحنها كحبات قمح وقعت مسكينة بين شقي رحى قائلة:

“أنا يا شوقي اللي جايبة لك الغم والكرب..؟! أنا اللي باموتك..؟.. أيوة.. انا المجاري اللي بيرموهالك في المية..؟! أنا المستشفيات اللي مش عارف تتعالج فيها..!

لخصت (حياة) الحياة التي يعيشها المواطن المصري.. ويأتي السؤال من الزوج:

“اطلقك.. هاتاخدي العيال بالمحكمة… اعيش معاكي هاتموتينى  انا وهما بالحيا..؟!”

وكأنما يكشف ستائر الغيب عن ما ستفعله (حياة) فيه وفي أطفاله .. ليس كراهية أو انتقام.. ولكن خوفاً عليهم، كما تفعل بعض الحيوانات حين تنتحر خوفاً من الزلازل أو تقتل بعض الحيوانات صغارها حين تخشى عليهم.

وتأتي جملتها النهائية وهي ترثي حياتها في (سجن النسا) متمنية الموت للحاق بأسرتها التي قتلتها بالسم:

في الجنة .. حتى الموت يموت.!سجن النسا

******

إيقاف حرب مشتعلة أسهل من إيقاف نار الغيرة بقلب امرأة.!

سلوى خطاب كانت بمثابة سقراط (سجن النسا) في دورها الرائع (المعلمة عزيزة)، حيث قدمت سلوى خطاب أقوى واشد أدوارها حرفية وجمال.. فهي حكيمة السجن.. وهي مقدمة التضحيات عن زوجها (المعلم حجاج) والدخول إلى السجن لحمايته ..الموهبة المذهلة (علاء قوقة).. هذا الفنان الذي ظهر متأخراً وكبيراً في روعته إلى جانب سلوى خطاب فيلسوفة (سجن النسا) لتبرر فعلتها بوضع الشطة في منطقة حساسة للفتاة التي كانت تعتبرها في مقام ابنتها لتكتشف ان الزوج الذي قالت عنه:

“أنا اديته بدال العمر عشرة.. في كل مرة كنت باتحبس كنت باديله عمر .. بانقص من عمري .. وبازيد على عمره.. “

قد تزوجها .. لذا كان عقابها بقدر العمر الذي ضحت به من أجله.! لتظهر بجوارها أيضاً موهبة شابة جديدة أثارت بكاء الكثير وتعاطفهم حين تم الاعتداء عليها وإفقادها أنوثتها بالشطة من المعلمة عزيزة وهي الموهوبة (فاطمة عادل) ومعها ظهر أيضا النجم الشاب الموهوب (محمد فاروق) محمود مليجي في ثوب جديد.. ولأن “الحب زي الزغطة بيجي من غير سبب” كما قالت المعلمة عزيزة.. أحب الجمهور مواهب أظهرتها كاملة أبو ذكري وأخرجت أفضل ما عندهم، ليصبح كل فرد من أفراد مسلسل (سجن النسا) بطلاً في دوره.. خذ مثلاُ القديرة (سلوى عثمان) التي تميزت تميزاً كبيراً مع المبدعة (ليلى عز العرب) والتي برزت بصورة مبهرة أيضاً.

******

عالم الهنجرانية وتسليط ضوء كاملة أبو ذكري عليهم.. إلقاء حجر في بحيرة مجتمع راكد الرجولة.

الهنجرانية … شريحة جديدة من المجتمع المصري لم يسلط الضوء عليها قبل ذلك.! المرأة تتزعم القبيلة ومهارتها في النشل تحدد مهرها.. يعيشون في أطراف المدن والقرى ويتحدثون بلغة خاصة لا يعرفها غيرهم ولهم قانون خاص بهم ويحلون مشاكلهم بالمجالس العرفية.

قدمت كاملة ابو ذكري عالم الهنجرانية الغريب والذي لا يعرفه الكثير.. وهم شريحة من المجتمع يعيشون فيه، ولا يذوبون في تفاصيله ، يشكلون أحد هوامشه، ويسكنون دائماً على حواف المدن والقرى ولا يقتربون من قلبها إلا لعمل احترفوه من مئات السنين وتوارثوه أباً عن جد رغم كل محاولات الإصلاح التي يقدمها لهم المتخصصون، لكنها طبيعتهم التي شكلت منهم قبائل الهنجرانية ذات السمات الخاصة والمهنة الواحدة التي لا يجيدون غيرها وهي السرقة والنشل.. “الهنجرانية” والذين ينتمون إلى قبائل هندية جاءت إلى مصر قبل 200 عام وفضلوا الإقامة بها متخلين عن عادة “الترحال” بين بلد وآخر... ويتواجدون ويقيمون على أطراف عدد من المناطق القاهرية التي يطلق عليها مناطق شعبية مثل (دار السلام والمطرية والبساتين وعزبة الهجانة والإمام الشافعي وغيرها)… الغريب أنهم يفتخرون بمهنتهم (السرقة) ويغضبون على من يعارضهم (من أبناء قبيلتهم) في العمل بها، والأغرب أن النساء “الهنجرانية” هن صاحبات الدور الأكبر في هذا العمل.! كصورة لما تواجهه المرأة في هكذا مجتمعات.!

******

الدراما المتميزة لابد لها من فريق عمل متميز.

التوافق والهارموني التي ظهرت في مسلسل (سجن النسا) والذي – من وجهة نظري – هو أهم مسلسل درامي هذا العام وسيظل درساً في الدراما لزمن، مما سيغير خارطة الدراما المصرية والعربية لسنوات قادمة، ليحاول الجميع من صناع الدراما الوصول إلى سقف (سجن النسا) والهروب من أسوار الغث والتافه منها، في احتياج مؤكد لمنتج عبقري جرئ كـ(جمال العدل) لاهتمامه بما هو مستنير ومناقشة مختلفة لما هو مسكوت عنه في الحياة.. مع كوكبة من المبدعين في مجالات أخرى كانت تقف مع المايسترو (كاملة أبو ذكري) ليعزف كل منهم على آلته مشاركاً في سيمفونية رائعة هي (سجن النسا)، أبرز هؤلاء هي (مريم نعوم) التي تميزت في فترة بسيطة زمنياً لتصبح من أكثر كتاب السيناريو حرفية وذكاء وظهور.. فهي لا تكتفي بالنص الأصلي قط.. هي تضفي عليه سحراً يكاد يقلب المشهد ليتحول العمل الأدبي على يدها إلى سحر فني موازي في عالم الدراما، يكسر قدسية العمل الروائي وينفخ فيه روح الحياة بعد أن أوشك على الوفاة، لتأخذ في يدها الصاعدة في ذات مجال السيناريو المتميزة (هالة الزغندي) وليقف الجميع خلف كاميرات مهندسة التصوير الساحرة (نانسي عبد الفتاح) والتي ظهرت (في شقة مصر الجديدة) لتصنع (خلطة فوزية) ولتحرز (واحد صفر) في (ريكلام) وترصد بعدستها حياة (ذات) قبل أن تدخل (سجن النسا). معها المحترفة مهندسة الديكور (شيرين فرغل) لتلقي (زي النهاردة) (بالسبع وصايا) في عالم الديكور كمحترفة في (أيام صعبة) أدخلتها (سجن النسا) بتميز… ومصممة الملابس الذكية (ريم العدل) والتي وضعتنا في عوالم سجن النسا والعوالم المحيطة به.

******

الكروان.. تامر كروان

بدأت موسيقى تتر المقدمة لمسلسل (سجن النسا) للعبقري (تامر كروان) بأغنية من أغاني السجن التي يتغنى بها المفرج عنهم.. الأغنية ليست فقط ارتجالية ولكنها تحمل من الدلالات السياسية والاجتماعية ما يجعل إدخالها على التتر من العبقرية التي تميز موسيقى تامر كروان.. تقول الأغنية في بدأ التتر قبل أن يبدأ سحر تامر كروان بموسيقاه:

“إفراج م الباب العالي.

خرجني يا بيه ولا اجيش تاني

سالمة يا سلامة

وهانطلع بالسلامة

والقاضي ابن خالنا

وبراءة وادهالنا

والقاضي ابن عمنا

ادانا براءة كلنا

خدنا براءة ان شاء الله

هوبا هيلا .. خدنا براءة الليلة “

في تتبعي لرحلة تامر كروان الموسيقية منذ (باب الشمس-  في شقة مصر الجديدة-  كباريه-  إحكي يا شهرزاد – بالألوان الطبيعية( أرى تصاعد وارتقاء في تطور هذا الموسيقار حيث يعبر وبصدق وحرفية وجمال عن حالة كل عمل هو يؤلف له موسيقاه… فبعد أغنية السجن لمجموعة السجينات يبدأ سحر تامر كروان.. يبدأ تامر كروان بسحبك بموسيقى الكمانجة في البداية.. ثم تتداخل الكمانجة مع العود ليزيد من إحساسك بالروعة وكأنما يعزف على أوتار قلبك فيشعرك بالألم معه حين ينفرد العود في اللحن ليدخل تارة أخرى الكمان على أصوات تغني السجينات وتظل الكمان والعود هما المتحكمين في حركة الصعود والهبوط في تناغم وتناسق وهارموني بين كلاهما.. تبكي الكمانجة للحظات بمرافقة أصوات السجينات.. ثم يأتي العود ليزيد الحزن ليعتصرك من ألم ما يحدث وسيحدث.. وتتسارع أوتار الكمانجة والعود سوياً وكأنما تخبرك أن المسلسل سيبدأ حالاً على كلمات السجينات وزغاريدهن وكأنما هن يخرجن الآن من السجن (خدنا براءة إن شاء الله.. هوبا هيلا .. خدنا براءة الليلة) .. ويختتم تامر كروان رائعته الموسيقية بجملة غلق الباب بحركة موسيقية كغلق باب لندخل إلى عالم (سجن النسا).

التتر يشرح عوالم (سجن النسا).

التتر مصنوع بروعة فنان تشكيلي لا صانع تترات وهو الفنان (محمود غريب) مصمم التتر .. لاحظ حركة النجوم في التتر وصورهم بين نافذة فتحت في حائط وكأنما هو حائط من حوائط سجن النسا مشقق البوية الخاصة به تقشرت وتشققت الحوائط ربما من الظلم أو الحزن أو من كلاهما سوياً.. يأتي أسماء الممثلين والسينارسيت والمخرجة على نفس حائط السجن المتهالك والساقطة بويته ومن النافذة وقبلها غبار يتحرك وكأنما هو أنفاس السجينات أو هو ماضيهن المترب والمغبر الملي بغبار الماضي .. أو هو أنفاس اللوعة والعذاب بداخل الأسوار ومن خلفها.. كأنما يخبرك أننا مجرد ذرات تتحرك في الهواء محبوسة كالسجينات داخل (سجن النسا).. ليظل سجن النسا هو العمل الأكثر اختلافا روعة.

Print Friendly
This entry was posted in خالد عاشور and tagged , , , , , , . Bookmark the permalink.