الحريري.. زينب.. قصة كفاح ونضال

سعيد الصباغ سعيد الصباغ

لأ.. قولوها ولو لثلاث دقائق وبعد ذلك فليقتلوكم.. ويحيا الوطن (جرامشي)

عندما يرحل إنسان لا نعرفه، نحزن عليه وعندما يرحل إنسان نعرفه نشعر أننا خسرنا إنساناً عزيزاً علينا، وعندما يرحل أبو العز الحريري، نشعر أننا خسرنا جزءاً من الوطن، لقد عاش ومات مريضاً بحب الوطن، فإذا قلت أو تحدثت عنه فإنني أتحدث عن الوطن، ذلك الرجل الذي أعرفه منذ سبتمبر 1976 في معركة هي فريدة من نوعها، والتي كانت بين اليسار وبين نظام الرأسمالية المتوحشة والتي طلت بوجهها القبيح منذ مطلع السبعينات، وقد انتصر اليسار في كرموز الباسلة بقيادة أبو العز الحريري، ولكن ليس اليسار بالمفهوم التقليدي، ولكنه الشعب المصري في كرموز فقراءه وبسطائه عامة.

أما الحديث عن القائد والمعلم ورفيق النضال أبو العز الحريري فهو حديث ذو طبيعة خاصة لأن الحديث عنه يقلل من شأنه، فتاريخه ونضاله خير من يتحدث عنه.

ولد ابو العز حسن علي الحريري في 2 مايو 1944 بقرية الدواخلية بمدينة المحلة الكبرى، وكان ابن لأسرة متوسطة الطبقة تمتلك قطعة من الأرض وبعض المواشي، وعندما شب الفتى ووصل للعاشرة تقريباً (كما روى لي) كان يقف وينظر للفلاحين ويتأمل ويتساءل، لماذا يعمل الفلاحون ويكدون وأحياناً لا يجدون قوت يومهم ولا يملكوا شيئاً، وأصحاب الأراضي لا يعملوا ويعيشون في بيوت فاخرة وقصور منيفة.. ما هذا الظلم؟!!

وعندما حصل على الإعدادية فرح به أهل القرية.. ثم ذهب إلى المحلة الكبرى ليحصل على دبلوم الغزل والنسيج، ثم ذهب إلى القاهرة ليعمل بمصنع الشوربجي بإمبابة، ولكنه بعد وقت قليل ضاق ذرعاً بسبب إختناق المدينة وزحامها، إنه يتطلع إلى الحرية، ثم حضر إلى الأسكندرية في عام 1962 ليلتحق بالشركة الأهلية للغزل والنسيج بكرموز، وكون رابطة من العمال مع حملة المؤهلات المتوسطة للدفاع عن حقوقهم، ثم إلتحق بالجيش في يونية 1964 حتى أغسطس 1966.

وفي الجيش تم معاقبته ثلاث مرات للدفاع عن الجنود الغلابة الذين يقومون بعمل مهين لهم كغسيل ملابس الصف والضباط ومسح أحذيتهم، فكان يدافع عنهم في كل مرة ليتم معاقبته ثلاث مرات بعقوبة (15 يوماً حبس لأول مرة ثم 3 أيام للمرة الثانية ثم 7 أيام للمرة الثالثة)، وهي تهم شريفة وليست مخلة بالشرف كالغياب مثلاً وغيره.

وبعد عودته للشركة بدأت الإدارة في إضطهاده، فبدأت قرارات الفصل والتنكيل به والنقل الغير عادل لشركة الفوسفات بالبحر الأحمر، ولكنه رفض النقل فتم فصله من الشركة، وهنا يظهر دور المرأة العظيمة رفيقة النضال والتي أحسن ابو العز اختيارها كما هي أحسنت اختياره كرفقاء درب عندما كان يبحث عن إنسانة تتجاوز دور المرأة التقليدي..

إنها حبيبة الجميع وصديقة البسطاء والمدافعة عن الفقراء، إنها أم الثوار (كما لقبناها) المدرسة الأم لتلاميذها، إنها زينب الحضري التي قررت أن تخوض معه معركة تحرير الوطن من الظلم الاجتماعي الكبير، فبعد أن أنجبت هشام 1974، ثم هيثم 1976، سافرت إلى السعودية مع شقيقها للعمل لمدة سنة، فكانت تعمل بالنهار كمدرسة وفي المساء بصناعة الملابس، فكانت ترسل راتبها ليستقر الأمر إلى إنشاء مكتبة “مؤسسة عرابي” بمحرم بك، لتكون إشعاعاً ثقافياً لأهل المنطقة، ثم تأتي معركة العزة والكرامة التي خاضها أبو العزة والكرامة الحريري في سبتمر – أكتوبر 1976 (كانت بدايتي معه) والتي كانت من أعظم معارك اليسار، “بعد معركة 1938 والتي خاضها العامل بنفس الشركة/ محمد شندي والتي على أثرها دخل البرلمان آنذاك (1938) وقدم فيه شندي مشروعاً وطنياً يتضمن تأميم قناة السويس والإصلاح الزراعي وحرية تكوين النقابات وحقوق العمال”، فبعد نجاح أبو العز في 1976 تناول مشروع شندي وطوره كثيراً بدعم من زينب الحضري أم الثوار.. المضحية.. الوطنية.. إبنة مصر العظيمة.

ونجح ابو العز ونجحنا معه في معركة كشفت الزيف والتزوير، فكانت أولى محاولات اغتياله، في نفس المعركة تارة بسلاح أبيض وتارة أخرى بسلاح ناري وزينب بجانبه ترفع راية النضال، ويتم اعتقاله رغم الحصانة التي يحملها كنائب برلماني، ليفصلوه من المجلس لمواقفه الوطنية المشرفة، ثم يعتقلوه ليتم تبرأته من القضاء..

لم ينكسر، ولم ينهزم، يارفيق العمر مثلك أقوى منهم، فهم الآن في مزبلة التاريخ والسجون وأنت في قلوب الملايين.

ابو العز الحريري بالأرقام:

  1. الشهادات: دبلوم صنايع – ليسانس كلية الآداب – ليسانس كلية الحقوق
  2. نجاح ودخول مجلس الشعب: 4 مرات في الأعوام 1976، 1984، 2000، 2012
  3. محاولات اغتيال: 6 محاولات
  4. سجن وأعتقل: 17 مرة (ويحكم القضاء ببراءته)
  5. فصل ونقل من العمل: 3 مرات

وبعد كل هذا العناء يأتي المرض اللعين فلم نسمع منك كلمة آه، فانتصرت حتى على الموت، فلم يستطع أن يغيبك عنا، فقد رحل جسدك فقط وبقيت أنت فكراً وتاريخاً ورمزاً عظيماً، معاً سنكمل مشوارنا وأنت معنا حتى نرى مصر الجميلة التي كنت تحلم بها، لقد زرعت فينا الأمل والحب.

لن أقول لك وداعاً.. لأن مثلك لن يموت أبداً ياأستاذي وحبيبي..

ومادمت أملاً .. فأنا حي..

This entry was posted in Horus' Sons ابناء حورس and tagged . Bookmark the permalink.