سجن النسا 30: لا تكن سيزيف تحمل خطاياك الى قمة الجبل ثم ما إن تصل الى القمة تعود من حيث بدأت

خالد عاشور

مسلسل سجن النسا

مسلسل سجن النسا

تحكي الأسطورة أن (سيزيف) أو (سيسيفوس) كان أحد أكثر الشخصيات مكراً بحسب الميثولوجيا الإغريقية، حيث استطاع أن يخدع إله الموت) ثاناتوس( مما أغضب كبير الآلهة ورب الأرباب )زيوس(، فعاقبه (زيوس) بأن يحمل صخرة من أسفل الجبل إلى أعلاه، فإذا وصل القمة تدحرجت إلى الوادي، فيعود إلى رفعها إلى القمة، ويظل هكذا حتى الأبد، فأصبح رمز العذاب الأبدي.!

هكذا أرى شخصيات (سجن النسا) التي نسجتها مريم نعوم وصورتها القديرة كاملة ابو ذكري.. كلهن سيزيف.. يحملن عبئ حياتهن على ظهورهن ويمضين.. ما ان تروق الدنيا للحظات لهن حتى تعود لتحملهن الحجر مرة أخرى ليبدأو رحلة الصعود إلى الشقاء..!!

في الحلقة 27 دخلت (رضا) السجن الصغير بعد خروجها من السجن الكبير لحرقها ابنة صاحبة البيت.. وخرجت (زينات اللي بتزوق البنات) من السجن الكبير لتحمل حجر سيزيف وتشقي بمرضها وقلة حيلتها ومجتمع أكثر منها تشوهاً وعالم ذكوري قذر لا يرى في المرأة الا ثقب للشهوة.. حتى تلك الشهوة لا يعطيها حقها لأنه وكما قال احد سائقي الميكروباص من زبائنها القدامى ليكسر كبريائها وانوثتها ومرضها ويأتي على ما تبقى من حطام (زينات) بلا قلب كأغلبية الرجال أو السواد الأعظم منهم:

كل برغوت على قد دمه

بس انت كده ماصص دمي ببلاش

أنتي عاملة زي قفة العضم اللي عمالة تنغز في جتة الواحد… والمصجف انا كنت خايف تموتي في ايدي وتجيبي لي مصيبة. .. أحسنلك تشوفي لك شغلانة تانية تاكلي لك منها عيش.!”

دخلت (رضا) وكانت تتابعها كاملة لتخرجها كما يجب ان يكون.. لا زلت اقول ان عبقرية كاملة انها مختلفة ومثقفة.. أحب فيها ثقافتها تلك.. لاحظ وجه رضا وملابسها (تحية لريم العدل على الأختيارات الموفقة للملابس) .. هي فلاحة بالفعل.. عادت كما اتت.. خط شارب أخضر لها..(اغلب ستات الفلاحين والصعيد بيستخدموا الفتلة في نتف الشعر… ميعرفوش ال(واكس) كأهل المدن أو (الهاش) او (السويت) الغريب وما اذهلني استطاعة الكوافير الشاطر اظاهر شعر الشارب لرضا.. فاستخدام الفتلة بصورة طبيعية يقوم بنتف الشعرة من جذورها.. أما لو عكست لفة الفتلة في يد من ينتف قصف الشعرة وترك لها بقايا تظهر كخط أخضر (يفعل بعض الكوافيرات هذا اذا اراد ان يعيد الزبونة بعد كام يوم).. وهذا ما ظهر لتبين كاملة انها فلاحة فعلا لا بتروح لكوافير ولا بتعرف سويت ولا واكس ولا هاش.. مع العلم ان الواكس والسويت يؤثر بالسلب على بشرة الوجه بالذات لأنه يظهر التجاعيد مبكراً ويجعل الكرمشة سريعة.. وهذا ما ظهر على (دلال).. حبوب في وجهها.. كرمشة بين الحاجبين.. لمعان في الوجه .. لتوضح كاملة الفرق بين هذه وتلك بذكاء.. اضف الى ذلك ان روبي (رضا) لها أذن (متنحية) (Dominant and Recessive ) .. وفي الفلاحين والصعيد اللي ودنه متنحية بيتخرم له مكان للحلق عالي شوية وقريب من فتحة الأذن لأن معندوش شحمة أذن (الأذن نوعان في التقسيم الوراثي.. أذن متنحية وهي التي بلا شحمة اذن وتلتصق بالخد مباشرة لذا لعدم وجود تلك الشحمة يتم ثقب مكان الحلق اعلى … أما النوع الآخر وهو الأذن السائدة وهي بشحمة أذن ويتم ثقب الحلق بالشحمة ذاتها ويكون المظهر أكثر جاذبية بالنسبة للمرأة.

استقرت روبي في (سجن النسا) بين توجس من السجانات وآخر من السجينات لأنها قاتلة.. وليس أي قتل.. هي حرقت من قتلت.. غير ان السجينة المعتقة في السجن طمأنت السجينة والسجانة قائلة:

اللي بتدخل هنا بتبقى بخت سمها برة.. ومبيفضلش منه غير مرارته في الحلق..!”

وترد عليها السجانة (احسان) في غرابة:

لما بدأت الشغلانة كان فين وفين لما يدخلو لي مستجد.. دلوقتي القتالين بقوا اكتر من النشالين..!!”

وترد السجينة في حكمة موازية:

الصبر أخره قهر.. والفرج غير الكالون..!!”

يبحر (سجن النسا) في دراسة إجتماعية للتغيرات السيكلوجية والنفسية للشعب المصري من منظور نسائي بحت آخذا ظهير آخر تابع وهو التغير في السلوك النفسي والأجتماعي للرجال ليوضح لنا ما آلت اليه مصر خلال 30 عام من حكم مبارك وحاشيته أردت الشعب المصري صريعاً وفريسة للـ(الجهل – والفقر – والتخلف – والمرض – والفساد).. كاملة ابو ذكري لا تقدم فن أو رسالة فهي ليست واعظة او رجل دين وهذا ما اريد التأكيد عليه.. هي تسرد واقع نعيشه وغبي من ينكره ويضع رأسه في الرمال مختبأ بينما يترك مؤخرته عارية عرضة لأن يعف عليها الذباب.

  • السجن احب إلى مما يدعونني اليه

لا ادري لماذا جائت تلك الأية القرآنية في بالي وانا اتابع حياة (زينات اللي بتزوق البنات) ربما ما احزنني عليها مما لاقت خارج السجن كما يلاقي اغلب المصريين.. فبعد ان سرقت كليتها ونهش كلاب المال جزء من جسدها هاهي الدولة تكمل عليها بأن لا يوجد علاج.. مصر أسوأ دولة في العالم في قطاع الصحة.. واريد ان يكذب أحد هذا لأدعوه لزيارة مستشفى حكومي او تعليمي لينتحر بنفسه قبل ان يقضي بداخلها ساعة واحدة… نحن بلد بلا تعليم.. بلا قانون.. بلا صحة.. بلا فن.. بلا دين.. بلا اخلاق.. نحن في اللا دولة.

أهينت زينات من كلب.. (أغلب الرجال بلا قلب.. الرجل له رأسان.. رأس في الأعلى ورأس في المنتصف.. عاقل من فكر بالأعلى.. وأدنى من حيوان من سيطرت عليه رأسه التي في المنتصف..) هذا السائق كان صادماً حين قال لها بمنتهي اللا انسانية:

أنتي عاملة زي قفة العضم اللي عمالة تنغز في جتة الواحد… والمصحف انا كنت خايف تموتي في ايدي وتجيبي لي مصيبة..!!”

لاحظ شكل شفايفها…شكل وشها…شكل عنيها وتحتهم…هى بالفعل جثة ولو كنت كاتب السيناريو ستموت الحلقة القادمة على اقصى تقدير..!

لذا كان محببا لها السجن مما يدعونها اليه.. الدولة والمجتمع والرجال والفقر.. والعوز وقلة الحيلة…. والعنهم المرض…!

  • أشد مصائب الناس هي ان يحيا بلا ناس..!!

ألاحظ حب كاملة للشيخ عبد الباسط عبد الصمد فهي لا تأتي بغيره منذ مسلسل ذات.. وتختار ايات بذكاء.. لا ادري اهو في نسق السيناريو أم اختيارها هي .. لاحظ ما يتلو عبد الباسط بصوته السماوي:

إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون” سورة يس (8)

اسقاط يعيدنا الى اسطورة سيزيف بلغة قرآنية كررت في الكتب السماوية كلها.. وكأنما الأديان تقتبس من بعضها في تناص …!!

هكذا وجدت (دلال) نفسها حين ذهبت للتعزية في وفاة امها.. قابلتها اختيها بانكار لا انساني قبيح.. الله هو الذي يطلع على قلوبنا وهو الحكم لا البشر.. حين يستولي الناس على كرسي الرب يكونون اقذر انواع الألهة فهم أعداء لأنفسهم.. الأنسان قاس في حكمه اذا ما حكم على غيره .. متيسر ومتخفف ومتجاهل اذا ما حكم على نفسه.. هكذا فعل اخوتها ربما كما فعل اخوة يوسف مع اخيهم بانكارهم له برغم فضله عليهم… تبرأ منها من كانت لها الفضل عليهن.. لذا تركتهم بعد ان طلبت البقاء معهن فقالتا لها في صلف:

اللي احنا فيه سببه انتي…!

أنا السبب؟.!!.. اللي انا فيه ده هو اللي مخليني اتعرى علشان انتو تتستروا وتلبسو..”

  • إن لم تكن ذئب.. أكلتك الذئاب..!

عادت كاملة ابو ذكري لعالم الهنجرانية.. كنت قد وضحت من هم في السابق واعيد التعريف بهم مرة اخرى:

المرأة تتزعم القبيلة ومهارتها في النشل تحدد مهرها

يعيشون في أطراف المدن والقرى ويتحدثون بلغة خاصة لا يعرفها غيرهم

لهم قانون خاص ويحلون مشاكلهم بالمجالس العرفية

هم شريحة من المجتمع يعيشون فيه، ولا يذوبون في تفاصيله ، يشكلون أحد هوامشه، ويسكنون دائماً على حواف المدن والقرى ولا يقتربون من قلبها إلا لعمل احترفوه من مئات السنين وتوارثوه أباً عن جد رغم كل محاولات الإصلاح التي يقدمها لهم المتخصصون لكنها طبيعتهم التي شكلت منهم قبائل الهنجرانية ذات السمات الخاصة والمهنة الواحدة التي لا يجيدون غيرها وهي السرقة والنشل و”الهنجرانية” والذين ينتمون إلى قبائل هندية جاءت الى مصر قبل 200 عام وفضلوا الإقامة بها متخلين عن عادة “الترحال” بين بلد وآخر.

الهنجرانية” يتواجدون ويقيمون على أطراف عدد من المناطق القاهرية التي يطلق عليها مناطق شعبية مثل (دار السلام والمطرية والبساتين وعزبة الهجانة والإمام الشافعي وغيرها)… الغريب أنهم يفتخرون بمهنتم (السرقة) ويغضبون على من يعارضهم (من أبناء قبيلتهم) في العمل بها، والأغرب أن النساء “الهنجرانية” هن صاحبات الدور الاكبر في هذا العمل.!”

وضعت كاملة جملة اعتراضية عبقرية على يد احد الرجال هو يلطم ويبكي كالنساء..! حين قبض على نسائهم وهو يقول:

منك لله يا حبيب يا عادلي.. منك لله انت واللي جايبك.. ما بتجيش غير على الغلابة…!”

حتى اللصوص يكرهون اللصوص أمثالهم .. فقد كره كل اطياف المجتمع عصر مبارك الذي بدأت تظهر بشائره للاسف..!”

الدين وشيزوفرينا الأنسان المصري..!

دخلت نساء الهنجرانية كلهن في عملية واحدة تستمر من قبل رمضان لما بعد العيد .. ضربة مؤلمة لأن النساء هن الحاملات حجر سيزيف في هكذا مجتمعات.. جملة المعلمة (حورية) كبيرة الهنجرانية تلخص ازدواجية الشخصية المصرية في مفهومها للدين حين قالت لها بعض السجينات متسائلة عن هل سيسرهن في رمضان من عدمه:

الصيام بيخلص بعد الفطار يا حبيبتي..”

للاسف نحن لا شعب متدين ولا متحضر ولا مثقف.. نحن لا زلنا نغرق في البركة حتى الآن.. أأمل ان نخرج منها قريباً قبل ان نموت.. لقد هرمنا في انتظار هذه اللحظة..!

Print Friendly
This entry was posted in خالد عاشور and tagged , , , . Bookmark the permalink.