لا تقرأني من كتاب ذكورتك

ندى يسري – المدرّس المساعد بآداب الإسكندرية ندى يسري

” حبيببي.. عندي مؤتمر الشهر الجاي في ألمانيا.. ولازم أخلص البحث إلي ف ايدي… اقعد مع البنت شوية….”

” مؤتمر.. بحث.. هو أنا متجوزك ولا متجوز الكتب بتاعتك.. هي كتبك الي حتعشي العيال.. وبعدين انا مش فاهم علم ايه بسلامتك الي لا ف معمل ولا بأرقام.. انت فاكرة شوية الإنسانيات الفارغه دي علم.. قومي يا وليه حضري لنا العشا.. وشوفي جوزك.. لامؤتمر ولا زفت…”

” انت قلت لي قبل الجواز…”

” قلت ولا ما قلتش… العلم بتاعك ده ما بيأكلش عيش.. مش حناكل من مركزك الأدبي يا هانم…”

(مش حناكل من مركزك الأدبي)… كالعادة رنّت جملة بعينها من جمل المحيطين بي في أذني لتذكرني بقضيتي الكبرى في التعريف بأسباب نكبتنا الكبرى نحن النساء، أننا وببساطة شديدة لا نحلّل وعينا بذواتنا، ووعي الآخر بنا، الآخر طبعا هو الذكر، لكن الحقيقة أنّنا أنفسنا نستقي وعينا بذواتنا من وعي ذكوري الطابع والصفات.

بالطبع سنجد من قراء هذا المقال  من يقول : (ييييه انتوا ما بتزهقوش يا بتوع حقوق المرأة انتوا.. ستات فاضية.. ده إن كانوا ستات أصلا.. تلاقيهم بشنب….”

وهنا ملمح آخر من ملامح وعي المجتمع بجسد المرأة ؛ الجسد في أبهى حلله، الجسد المشتهى كما رسمته الثقافة قديما، وأصّلت له في وعينا الجمعي، لا وعي الرجل فحسب بل، وعينا نحن النساء.

فالجسد لا (يتأنّث) في الثقافة الذكورية لكون صاحبته امرأة، وهي الثقافة ذاتها التي تسيطر على تصرفات النساء إزاء أجسادهن، وكذا إزاء شعورهن بمدى اقترابهن أو ابتعادهن عن صورة (الأنثى) المثلى.

فالثقافة إذن تؤكّد أن ليس كل النساء إناثا، كما أن المرأة ليسن في حالة أنوثة دائمة، وليس التأنيث في نظر الثقافة الفحولية إلا مجموعة من القيم الجسدية المنتقاة، ومن ثم يتم من خلالها تصنيع الجسد الأنثوي، وكذا الوعي.

يجري إذن تصنيع المرأة بواسطة الأصباغ والملابس والحركات، ويجري إخضاع الجسد لشروط الثقافة، وهنا يأتي دور عمليات التجميل وإزالة الشعر الزائد الذي يمثل في الثقافة الذكورية السائدة ملمحا منافيًّا للأنوثة.

وهنا نتذكر جملة سيمون دي بوفوار الشهيرة : ” إن الأنثى لا تولد امرأة بل تصير ”

ومثلما يجري تصنيع الجسد بغض النظر عن الحتمية البيولوجية، وما تفرضه الطبيعة من سمات شكلية و سلوكية قد تنافي الشكل المصنّع للأنثى، يجري تصنيع وعي الأنثى بذاتها، لتقدّم الصورة المثلى للمرأة في عدد من القوالب الجاهزة التي تتعرف على ذاتها في مرآتها.

فلكي تكوني (امرأة) حقّة، فهمُّك الأول يجب أن يكون بيتك وزوجك وأطفالك، ثم بعد ذلك يأتي دور طموحك الشخصي الذي ينبغي أن يصب في بوتقة هذه الأسرة ماديًّا، وهي صورة ذات بنية عميقة في عمق ثقافتنا القديمة والتي نستمد منها بصورة أو بأخرى تجلياتها التي تظهر في تصرفاتنا.

فعلى سبيل المثال : يحكي ابن عبد ربّه في عقده الفريد عن طبائع النساء، وينقل بعض مؤثرات الثقافة، ومنها التمييز الثقافي بين عمر الرجل وعمر المرأة فيقول :

” آخر عمر الرجل خير من أوله، يثوب حلمه، وتثقل حصاته، وتحمد سريرته، وتكمل تجاربه.

وآخر عمر المرأة شر من أوله، يذهب جمالها، ويذرب لسانها وتعقم رحمها “

(طبائع النساء 163)

فالمرأة إذن في المخيال الجمعي والموروث الثقافي هي كائن مناف للعقل، كائن مهمته الأولى أن يكون (رحما) أو مصنعا للأطفال وتربيتهن، أمّا كل ما يتعلق بعقلها فهو مناف لكونها أنثى، لذا نجد تجليات هذا الوعي في بعض القضايا التي تكاد تبدو محسومه ظاهريًّا في المجتمع كعمل المرأة الذي لم يعد المجتمع يستطيع الاستغناء عنه ماديًّا واقتصاديّا على الأقل، لكن من ناحية أخرى تبقى العقلية المصنّعة ثقافيًّا تجعل من مهمة الزوجة الأولى مهمام الطبخ والتربية وغيرها، ولا تستطيع أن تعترف بمبدأ الشراكة الحقّة بين إنسان وإنسان، لا بين (رجل) صنعته الثقافة وفقا لشروط بعينها، وإن اختلفت الأحوال وتبدلّت، و(امرأة) أرادت لها الثقافة سمات بعينها.

وفي هذا الصدد تبدو العقلية الجمعية الذكورية واحدة منذ الانقلاب الأول في تاريخ الإنسانية، واستلام الرجل دفة الأمور بعد ثورته على المجتمع الأمومي الأول ؛ ذلك الانقلاب الذي كان الشرارة الأولى لما نراه الآن من الحق الذكوري، والذي أرسى منظومة مفاهيمية ماتزال قائمة حتى يومنا هذا.

فمع ظهور الكتابة وتعقّد شكل المجتمع وظهور المدن في المجتمع ما بعد الزراعي الذي قدّس الأنثى والأنوثة، انتقلت السلطة شيئا فشيئا إلى الرجل، وبدأ ما يعرف بنظام الدولة ذات النظام المركزي الهرمي والسلطوي، والتسلسل الطبقي الصارم الذي قام على أنقاض النظام الزراعي البسيط.

وبعد أن كان الأبناء ينتسبون إلى الأم، ولم يكونوالا يرثون ثروة آبائهم بل أمهاتهم، تحوّل ما كان يعرف ب (حق الأم) إلى الأب.

الحق أنّنا لسنا هنا في محل الترحّم على عصور تقديس الأنثى، وهو الفخ الذي يقع في حبائله بوعي أو دونما وعي المدافعين عن الجوهرانية النسوية في مقابل الطغيان الذكوري، إذ يبقي هذا الندب والعويل على عصور الأمومة الوضع قائما، فيبقى الرجل متربعا على قمة الهرم الثقافي من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن الوعي القديم الذي قدّس الأنثى قدّسها هو الآخر لا لصفات العقل، بقدر ما قدّسها لصفات الولادة والإنجاب والتشابه بينها وبين الطبيعة من حيث المنح.

ولكن ما نحن بصدده هو محاولة لتفكيك وعينا بالذات والآخر، والروافد البعيدة المؤسسة لهذا الوعي، ربما نستطيع يوما يوما أن نؤسس لعلاقة تقوم على مبدأ إنسان في مقابل إنسان.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in ندى يسري and tagged , , , , . Bookmark the permalink.