حكاية البيضة والفرخة

د. السيد نصر الدين السيد السيد نصر

“مين اللي جه الأول البيضة ولا الفرخة؟” سؤال يبدو في ظاهره بسيط الا ان البحث عن إجابته شغل عقول بنى البشر منذ ان تعلموا التفكير. وكان عليهم الانتظار مئات الآلاف من السنين حتى تأتيهم الإجابة أخيرا على أيدي علماء البيولوجيا الجزيئية بانها البيضة. وإذا كان علماء البيولوجيا الجزيئية قد نجحوا مؤخرا في الإجابة على السؤال المتعلق بثنائية “البيضة والفرخة” فإن هناك سؤال شبيه يتعلق بثنائية “التنمية والديموقراطية” ما زال في انتظار إجابة حاسمة. انه السؤال الذي يتعلق بالمسار الذي على الأمم، وهي مرحلة التغير والتحول، إتباعه لتحقيق مستوى الرفاه المنشود لأفرادها هل هو مسار “التنمية أولا والديموقراطية ثانيا” أو مسار “الديموقراطية أولا والتنمية ثانيا”. وهو الأمر الذي يمكن صياغته على هيئة سؤال مركب من جزئين “هل تدعم الديموقراطية عملية التنمية؟ (جزء 1) أو انها نتيجة لعملية التنمية؟ (جزء 2)”. انه السؤال الذي يشغل بال كلا من اهل العلم من الأكاديميين واهل السياسة من متخذو القرارات وصانعوا السياسات. وهو السؤال المركب الذي تحدد اجابته أيا من المسارين ينبغي اتباعه. فان كانت اجابتك على الجزء الأول بلا والجزء الثاني بنعم فانت من فريق “التنمية أولا والديموقراطية ثانيا”. اما إذا فان كانت اجابتك على الجزء الأول بنعم والجزء الثاني بلا فأنت من فريق “الديموقراطية أولا والتنمية ثانيا”. وبالطبع لكل فريق حججه المنطقية وشواهد من الواقع تؤيد ما ذهب اليه. وهي الحجج والشواهد التي تستحق منا نظرة عن قرب. 

الفريق الأول: “التنمية أولا والديموقراطية ثانيا”

تقوم حجة هذا الفريق على ملاحظة بسيطة وهي ان عملية التنمية، خاصة في البلدان المتخلفة التي تسعى ل “اللحاق” Catch-Up بالآخرين، تتطلب وجود حكومة مركزية، قوية ومستقلة، قادرة على اتخاذ القرارات الحاسمة في التوقيت المناسب. ولا تتوفر هذه الخصائص في حكومات النظم الديموقراطية الناشئة التي تتصف بتشرذم القوى السياسية، وبالتباين الحاد في رؤاها السياسية، وبضعف آليات الحوار البناء فيما بينها. وهو الامر الذي ينعكس سلبا على عملية اتخاذ القرارات التي يتباطأ ايقاعها، وتتجاوز احداث الواقع ما تنتجه من قرارات تخرج وهي منتهية الصلاحية. 

وتقدم التجارب التنموية لما يعرف بالنمور الاسيوية (كوريا الجنوبية، تايوان، هونج كونج، سنغافورة) الشواهد الواقعية على صحة هذه الحجة. فلقد تمكنت النظم غير الديموقراطية في هذه البلدان، وفي الفترة من ستينات الى تسعينات القرن العشرين، من احداث تغيرات اجتماعية واقتصادية جوهرية في مجتمعات هذه البلدان. وهو الامر الذي شهدناه يتكرر في التجربتين الصينية والفيتنامية. 

وطبقا لرؤية هذا الفريق فان ظهور الديموقراطية (التحول الديموقراطي) في المجتمع هو نتيجة لنجاح عملية التنمية في احداث تغيرات جوهرية على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي. اذ يعني هذا النجاح ظهور طبقة وسطى قوية وجمهور من المتعلمين اللذان يسعون بهمة للمشاركة في العمل السياسي ويدعمون بقوة احترام حقوق الانسان.

الفريق الثاني: “الديموقراطية أولا والتنمية ثانيا”

يؤمن هذا الفريق بأهمية الدور الذي تلعبه الديموقراطية، عبر آلياتها المختلفة، في ضمان نجاح عملية التنمية. وتأتي على رأس هذه الآليات آلية “المساءلة (أو المسؤولية)” Accountability بأنواعها الثلاث: الرأسية Vertical، الافقية Horizontal والاجتماعية Social. وتعني “المساءلة الرأسية” ضرورة التزام القادة السياسيين والأجهزة الحكومية بالرد على أسئلة واستفسارات المواطنين في كل ما يتعلق بما اصدروه من قرارات تؤثر على احوالهم. وتشير صفة “الرأسية” هنا إلى اتجاه هذه الأسئلة من المواطنين إلى القادة. اما “المساءلة الأفقية” فتعنى التزام الأجهزة الحكومية بالرد على أسئلة الأجهزة الرقابية والقانونية وتسهيل عملها والاستجابة إلى توصياتها. وأخيرا تأتي “المساءلة الاجتماعية” التي تتعلق بالدور الذي تلعبه منظمات المجتمع المدني والاعلام المستقل في متابعة وتقييم الأنشطة الحكومية.

ويرى هذا الفريق ان استخدام هذه الآلية، وغيرها من الآليات، سيحد من إساءة استخدام السلطة ويؤسس لنظام يتصف بالانفتاح والشفافية وبحرية تدفق للمعلومات، ويتمتع بالاستقرار السياسي بما يتضمنه من قواعد منظمة لتداول السلطة، ويتميز بقدرته على الاستجابة مع كل ما يستجد حولها من متغيرات. كما سيدفع هذا النظام الساسة في موقع السلطة الى الاستجابة الى مطالب المواطنين حرصا على ضمان أصواتهم. ويرى هذا الفريق ان ما حدث من تغيرات في دول اوروبا الشرقية شاهد واقعي على صحة حجتهم.

ملاحظات طياري

يمتلك كل فريق من الفريقان السابقان حجته المنطقية المقبولة التي تدعمها الشواهد الواقعية معبرا عنها بجداول البيانات والرسوم البيانية. وعلى الرغم تباعدهما الظاهر الا ان نظرة متعمقة ستكشف انهما مكملان لبعضهما البعض! ولنا في هذا الشأن ملاحظتان.

الملاحظة الاولى تتعلق بتحديد المقصود من كلمة “تنمية”. وهنا سنتبنى تعريف أمارتيا كومار سن Amartya Kumar Sen أستاذ الاقتصاد والفلسفة بجامعة هارفارد الأمريكية والحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد سنة 1998 عن أعماله في مجالات اقتصاديات الرفاه، الفقر والمجاعة، اللامساواة الاقتصادية، التنمية والثقافة، والتنمية البشرية. فالتنمية طبقا لسن، كما جاء في كتابه الشهير “التنمية حرية”، هي “تعظيم خيارات وقدرات وحريات افراد المجتمع حتى يتمكنوا من التمتع بحياة طويلة وصحية ومستوى معيشة مقبول، ويتوصلوا الى ما يحتاجونه من معارف، ويشاركون في أنشطة مجتمعهم”(Sen, 1999) . أي ان أي عملية تنمية قائمة على هذا التعريف الشامل لابد وان تسهم بالضرورة في تعزيز العديد من قيم الديموقراطية، من قبيل حرية التعبير والشفافية والمساءلة (المسؤولية). وهي بذلك تمهد لعملية التحول الديموقراطي.

وثاني هذه الملاحظات يتعلق بالشروط الموضوعية لإقامة نظام ديموقراطي حقيقي، لا شكلي، تُمارس فيه آليات الديموقراطية بفعالية. وعلى الرغم من عدم وجود اجماع على هذه الشروط الا انه يمكن التعرف على ما هو مشترك. ومن أبرز هذه المشتركات هو وجود طبقة متوسطة قوية تسعى لتأمين أوضاعها الاقتصادية من خلال احترام مبدأ سيادة القانون الذي تحميه حكومة خاضعة للمساءلة. اما المشترك الثاني فهو وجود حس قومي بانتماء افراد المجتمع الى كيان واحد، الوطن، يعمل الجميع على الارتقاء بأحواله لصالح الجميع. ان هذا الحس القومي هو الإطار الجامع والضابط لكافة أنشطة افراد المجتمع وما يشكلونه من مؤسسات. وآخر هذه المشتركات هو وجود ثقافة داعمة تقوم على أربعة مبادئ رئيسية هي: “الاحتفاء بالتعدد”، “تشجيع الحوار”، “تحقيق المساواة” و”حماية الحرية” (السيد, 2014). وبدون توفر الحد الأدنى من هذه الشروط، “عتبة الديموقراطية”، تسفر محاولة تطبيق النظام الديموقراطي، بشكله الليبرالي، عن نتائج غير مرغوبة.

وفي الختام يتوقف اختيار المسار على امرين. الامر الأول هو حجم الهوة بين أحوال الامة الراهنة والاحوال المرجوة. وهو الذي يمكن قياسه باستخدام مؤشر “الرفاه الإنساني” (السيد, 2012). فكلما زاد اتساع هذه الهوة كلما زاد اقترابنا من تبني مسار “التنمية أولا والديموقراطية ثانيا”. اما الامر الثاني مدى توفر الشروط الموضوعية اللازمة لنجاح عملية “المقرطة” Democratization. ففي غيبة “عتبة الديموقراطية”، يصبح اختيار المسار السابق أكثر واقعية ومعقولية.

المراجع

Sen, A. 1999. Development as Freedom. Oxford: Oxford University Press.

السيد, ا. ن. ا. 2012. الرفاه المُنتظَر والمرجعية المنشودة. http://civicegypt.org/?p=32768

السيد, ا. ن. ا. 2014. الديموقراطية وقيمها الغائبة  http://civicegypt.org/?p=49534

Print Friendly
This entry was posted in د. السيد نصر الدين السيد and tagged , , , , . Bookmark the permalink.