هل يمكن اعتزال السياسة؟

 مؤمن سلاّممؤمن سلام

يشعر المصريين بالفخر والسعادة وهم يرددون” مالناش دعوة بالسياسة” أو “أنا مش بتكلم في السياسة”.

وكأنهم يتكلمون عن كلب أجرب يجب الابتعاد عنه، أو وحش كاسر يمثل الاقتراب منه خطر شديد.

ما لا يدركه المواطن والمواطنة المصريين أنهم يتكلمون في السياسة طوال الوقت، ويناقشون السياسة في البيت والعمل والشارع والمواصلات والمقهى.. وهم لا يدركون هذا..!

لأن مفهوم السياسة بالنسبة لهم ينحصر في الانتخابات والأحزاب والمظاهرات. وهو المفهوم الذي سنناقشه هنا.

يُعرف الدكتور محمد طه بدوي في كتابة النظرية السياسة الظواهر السياسية بأنها “الظواهر الاجتماعية (أي التي تنبعث من حياة الإنسان في المجتمع) حين تأتي معبرة عن جوهر السياسة فيه والتي تتمثل في علاقة الأمر والطاعة داخل المجتمع، وفي علاقة الصديق والعدو فيما بين المجتمعات”.

إذا فالسياسة ليست فقط الأنشطة السياسية التي يتم ممارستها بشكل منظم عن طريق خوض الانتخابات أو التصويت فيها، أو الانضمام لحزب أو حركة، أو المشاركة في مظاهرة أو إضراب..!

إنها تتعلق بعلاقتك بالسلطة الحاكمة في الدولة، فعلاقة الأمر والطاعة تعني أن هناك آمر ومأمور، حاكم ومحكوم، سلطة ومواطنين. فمعنى أن يقول الإنسان أن لا علاقة له بالسياسة يعنى عمليا أن يقطع علاقته بالسلطة الحاكمة في الدولة، وهو ما لا يمكن حدوثه إلا أن يهاجر إلى الصحراء أو الغابات ليعيش بمفرده.

فالسلطة تصدر القوانين والقرارات والمواطنين يوافقون أو يعترضون، والمواطنون يطالبون السلطة بقوانين أو قرارات معينة والسلطة تستجيب أو لا تستجيب.

إذا فكل إنسان على سطح هذا الكوكب يتكلم في السياسة ويمارس السياسة. فالرجل الجالس على المقهى يدخن شيشته وهو ينتقد سوء حالة الشارع المليء بالمطبات هو في الحقيقة ينتقد السلطة التي لم تتخذ قرار بإعادة سفلتة الطريق وبالتالي هو يتكلم في السياسة، والمرأة الجالسة عند الكوافير تشتكى من ارتفاع أسعار المكياج بسبب جشع التجار أو فرض ضريبة جديدة عليه هي في الحقيقة تتكلم في السياسة وتنتقد السلطة العاجزة عن ضبط الأسعار أو التي تفرض ضرائب جديدة على المنتجات.

إذا فكلنا نمارس السياسة، الاختلاف بين شخص وأخر هو طريقة ممارسته للسياسة. فهناك شخص يغلب عليه الإتباع والسلبية فهذا يكتفي بالحد الأدنى من الممارسة عن طريق الحديث مع أقاربه أو أصدقاءه، أو بالاحتجاج بطريقة سلبية على الدولة إذا كان معارض لسياستها مثل التهرب من دفع الضرائب أو كسر إشارة المرور أو بالتكاسل عن أداء الوظيفة إذا كان يعمل لدى الدولة، كل هذه الأفعال تعبير سياسي في علاقة السلطة بالمواطنين.

وعلى الجانب الأخر هناك أشخاص آخرون رجال ونساء لا يقنعون بهذا الدور السلبي في التعامل مع السلطة فيفضلون التفاعل معها ومع قراراتها بطريقة أكثر فاعلية وإيجابية فيحاولون توصيل أصواتهم للسلطة أو حتى الوصول للسلطة والحكم بأنفسهم عن طريق تشكيل أحزاب سياسية تسعى للوصول للسلطة لتطبيق أفكارها.

فالأمر كله يتعلق بمدى سلبية أو إيجابية الشخص، فالسلبي يكتفي بالكلام أو التعبير السلبي عن مواقفه السياسية، والشخص الإيجابي رجل كان أم إمرأة لا يكتفي بالكلام ولكن يأخذ مواقف إيجابية بالمشاركة السياسية الفعالة.

لذلك، نسمع كثيرا في الدول المستبدة عن رجل تم اعتقاله لأنه انتقد جودة المواد التموينية التي توزعها الدولة، والكثير من الناس يستغربون ويعتبرونه ظلم لأن الرجل معروف بطيبته وبعده عن السياسة، ولكن الحقيقة على عكس ذلك. فالحكومات تعرف جيدا أن الكلام عن جودة الخبز أو الضريبة الجديدة التي تم فرضها أو سوء الخدمة في المستشفيات الحكومية أو انهيار التعليم أو الفساد الإداري هو كلام سياسي.

ولذلك تلجأ النظم المستبدة لتكميم الأفواه ومنع هذا الشكل البسيط من أشكال النشاط السياسي. أما الدول الديمقراطية فهي تعتبر هذا الكلام مطالب أو مدخلات، على النظام السياسي يجب التعامل معها وأخذها في الاعتبار لتخرج في النهاية في صورة قوانين وقرارات تحقق مطالب المواطنين. ومن هنا نرى أن فكرة الابتعاد عن السياسة هي أقرب إلى الوهم أو الخيال منها إلى الواقع.

فالإنسان كائن سياسي بطبعه كما يقول أرسطو. وكذلك، لا مجال لمقولة الإمام محمد عبده “لعن الله ساس ويسوس وسائس ومسوس” فاعتزال السياسة يعنى اعتزال الحياة، والمشاركة في الحياة هي في حقيقتها مشاركة سياسية.

ولهذا من الأفضل المشاركة فيها بفاعلية وجدية بدلا من الاكتفاء بالحديث على المقهى، ثم نشتكي بعد ذلك من فساد أهل السلطة أو ضعف أحزاب المعارضة.

Print Friendly
This entry was posted in مؤمن سلاّم and tagged , , , , . Bookmark the permalink.