خرافة عذاب القبر

ياسين ديناربوسياسين ديناربوس

كنت فيما مضى كلما أطلقت العنان لخيالي متصورا اﻷحداث المسرحية لخرافة عذاب القبر اللتي يسردها شيوخ الكهنوت، أتوقف عند بعض اﻷسئلة :

لماذا يطلقون على ذلك الثعبان الخرافي وصف الثعبان اﻷقرع؟

هل هناك ثعبان أقرع وآخر أجلع وثالث كثيف الشعر ؟

إن كل الثعابين لا توجد شعرة واحدة على رؤوسها !

وجدت بعدها أن عقيدة الثعبان اﻷقرع وأسطورة عذاب القبر فرعونية اﻷصل، عاشت في مصر منذ آلاف السنين ثم اكتشفها علم المصريات في العصر الحديث حين فك رموز الهيروغليفية.

مما لا شك فيه أن كل مؤمن بالدار اﻵخرة إلا ويشغل فكره ما سيكون فيها من أحداث. لقد أدرك بعض الدعاة والوعاظ ولع الناس بهذا اﻷمر فأسهبوا واغترفوا من غث التراث، و صاروا يلقحون عقول الناس بعلوم ما أنزل الله بها من سلطان – من أبرزها أسطورة عذاب القبر..

وبات أساطين ذلك الفكر عند العامة هم أهل الدين و التدين وأصبح كل مخالف لمعتقداتهم الواهية إما منكرا للسنة أو قرآنيا أو خارجا عن الملة والدين ؛ وهي الرصاصات الجاهزة والتي يعطون أنفسهم حق إطلاقها على عباد الله بدون مبالاة.

من الضروري على كل مسلم أن يعلم أن استدلال على اﻷحكام الشرعية لابد أن ينبع من نص قطعي التبوث وإلا فكيف نستنتج أحكاماً يلزم اﻹيمان بها من خلال نصوص ظنية التبوث؟ وهل ترك الله سبحانه وتعالى العقائد و اﻹيمانيات لتفسير الفقهاء؟

نصوص القرآن الكريم قطعية التبوث كلها .. وبالنسبه لﻵيات فهناك آيات قطعية الدلالة وأخرى ظنية الدلالة، والذين قاموا بتأويل اﻵيات الظنية الدلالة من القرآن الكريم و صوروها على أنها عذاب القبر إنما خالفوا أسس الفقه والتفسير والعقيدة.

فقد كان ملزوما عليهم استنباط أي حكم يتوجب اﻹيمان به من نصوص القرآن القطعية الدلالة و هو اﻷمر غير الموجود بالنسبة لعذاب القبر و عليه يمنع اﻹستنباط.

أما السنة القولية فكلها ظنية التبوث و ظنية الدلالة و هو ما اتفق عليه أهل العلم جميعا بلا خلاف بينهم، فيمكن العمل بها و لكن لا يمكن استخراج اﻹيمانيات منها.

كان لابد من هذا التقديم لفهم فلسفة اﻹيمانيات التي أشكلت على بعض العامة و من قبلهم بعض رجال الدين الذين غيبوا عقولهم و غلبوا اﻷحاديث على القرآن الكريم، إذ لا يمكن استخراج اﻹيمانيات من السنة الظنية التبوث و الدلالة، ﻷن اليقين لا يستخرج من الظني أبداً و عليه فإن جميع اﻷحاديث التي تقرر عذاب القبر باﻹضافة لكونها ملفقة على رسول الله فلايمكن اﻹعتماد عليها في استنباط حكم يؤمن به المرء.

التهافتات القائلة بأن السنة مكملة للقرآن و أن هناك أحاديث تفيد اﻹقرار بوجود عذاب بالقبر مردودة على أصحابها إلى إذا كانوا يظنون النقص بالقرآن الكريم !!! و هذا ليس بإنكار للسنة القولية التي يفضل العمل بها ما لم تخالف نصا قرآنيا وما لم تعارض قويم العقل واﻷخلاق ( كرضاع الكبير المزعوم و التداوي بشرب أبوال اﻹبل .. إلخ )الثعبان الأقرع . عذاب القبر

أما السنة العملية الشارحة للفرائض والمفصلة لها فهي الوجه العملي لتنفيذ كتاب الله وهي فريضة وليست سنة وهي فقط المبينة بيقين لما أجمله القرآن الكريم.

ولست بدعا في إنكار أسطورة عذاب القبر المزعوم فقد اجتمع على هذا الرأي العديد من المفكرين والباحثين، وأول من أنكر عذاب القبر هم المعتزلة وقال بذلك أيضاً أجل علماء هذا العصر وعلى رأسهم الشيخ محمد متولى الشعراوى.

كما صدرت العديد من الكتب بينت بشكل مستفيض أن ما ورثناه من تأويلات بعض المفسرين والدعاة عن وجود عذاب في القبر ليس إلا جهداً بشريا أخطأ و لم يدرك الصواب.

وأما اﻷحاديث النبوية الواردة بشأن عذاب القبر فليس فيها حديثاً واحد صحيح السند رغم ورودها في كتب الصحاح و ذلك على مقياس علم الجرح و التعديل.

وأدعو كل باحث عن الحق للرجوع لكتاب شيخ محدثي هذا العصر محمد ناصر اﻷلباني – رحمه الله – سلسلة اﻷحاديث الضعيفة والموضوعة للوقوف على جملة أحاديث عذاب القبر المضعفة.

وقد يتعجب بعض قراء هذا المقال إذا قلت لهم أنه لا وجود لذلك الثعبان الذي يطلقون عليه اسم الشجاع اﻷقرع في كتب الحديث على أنه من بين عناصر عذاب القبر .. بل أنه مذكور على أنه من الغيبيات التي تحدث يوم القيامة في جهنم !!!

ولكم أن تتأكدوا من ذلك بقراءة الحديث في كتب الصحاح.

وفيما يلي سرد لبعض اﻵيات التي تفيد حتمية تأجيل الحساب و مصير الناس ليوم القيامة وتقطع الشك باليقين على أن عذاب القبر مجرد وهم :

{ وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ }

إن كل من يعتقد بعذاب القبر لابد أن يكون مكذبا بهذه اﻵية أولا !ً

{ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ }

كلمة (إنما) تعني أن الجزاء لا يكون إلا يوم القيامة !

{ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه }ُ

بمعنى أن رؤية اﻷعمال و الجزاء يكون يوم القيامة .. و يومها فقط !

{ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَت }ْ

فالعلم يكون يوم القيامة وليس يوم الممات !

{ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ }

{وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ }

يعني أن من أوتي كتابه بيمينه لم يلق أي نعيم في القبر و إلا ما قال ( إني ظننت أني ملاق حسابي )

و من أخذ كتابه بشماله لم يدر موقفه من الحساب إلا يوم القيامة و إلا لما قال ( و لم أدر ما حسابيه )

{ قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا }

و هذه آية تنفي وجود عذاب القبر المزعوم ﻷنهم كانوا في حالة رقاد .. و الرقاد ما هو إلا سبات لا شعور فيه.

هذه دلالات لنصوص صريحة من كتاب الله تنفي بما لا يدع مجالا للشك خرافة عذاب القبر و هناك غيرها العديد من اﻵيات التي تؤكد ذلك فمن يريد تكذيب القرآن فليفعل و ليعتقد ما شاء له إبليس أن يعتقد.

إن أصبت فمن الله سبحانه وتعالى وإن أُخطأت فمن نفسي والشيطان .

هذه وجهة نظري وليس ملزوم بها كل من قرأ مقالي.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in ياسين ديناربوس and tagged , , , , . Bookmark the permalink.