التعريف العلمى لمصطلح العامية

طلعت رضوانطلعت رضوان

يُـثير مصطلح (العامية) اللبس عند كثيرين خاصة عند الكلام عن اللغة ، فيقولون (الشعر العامى) و(اللغة العامية) أو (لغة العامة) الخ بينما تعريف المصطلح فى علم الاجتماع يعنى (عموم الشعب) أو (ما أجمعتْ عليه الجماعة الشعبية) أو (هذا هو اعتقاد العامة) وبالتالى يكون هذا التعريف أشمل وأدق من تحجيمه فى إطار دلالى عن اللغة. كما يزداد الموقف تعقيدًا عندما يكون لشعب ما (مثل شعبنا المصرى) لغتان : لغة قومية هى لغتنا المصرية التى نتعامل بها فى حياتنا اليومية ، ولغة أجنبية هى لغة الكتابة الرسمية فى الكتب والصحف ودواوين الحكومة.

وكان عميد الثقافة المصرية (طه حسين) شجاعًا فكتب ((إنّ اللغة العربية عسيرة لأنّ نحوها مازال عسيرًا ولأنّ كتابتها ما زالت عسيرة)) وأضاف أنّ ((كثيرًا من الناس ليقولون إنّ اللغة العربية التى يتعلمها الصبى فى المدرسة لغة أجنبية)) ورأى أنّ اللغة العربية إنْ لم تنل علومها بالإصلاح صائرة – سواء أردنا أم لم نرد – إلى أنْ تصبح لغة دينية)) وأما النحو فهو يتمنى لو أعفى المتعلمين منه ، مع ملاحظة أنّ طه حسين من أشد المدافعين عن اللغة العربية ، وكان هدفه تطويرها ، لذلك كتب ((إما أنْ نـُيسّر علوم اللغة العربية لتحيا وإما أنْ نحتفظ بها كما هى لتموت)) وكتب أيضًا أنّ اللغة العربية ((إنْ لم تكن أجنبية فهى قريبة من الأجنبية ، لا يتكلمها الناس فى البيوت ولا يتكلمونها فى الأزهر نفسه)) (مستقبل الثقافة فى مصر- دار الكاتب اللبنانى – بيروت – المجلد التاسع عام 73- ص31، 248، 298، 299، 303، 311)

فإذا كان الناس (والمقصود هنا عامة الشعب) بما فيهم رجال الأزهر لا يتكلمون اللغة العربية ، فكيف يتفاهمون وبأية لغة يتواصلون ويتعاملون فى حياتهم اليومية ؟ الإجابة عن هذا السؤال (بواسطة علم اللغويات) تـُؤكد أنّ مصطلح (العامية) أو(لغة العامة) غير دقيق ، خاصة فى مجتمع (مثل مجتمعنا المصرى) سادتْ فيه ثقافة وساد فيه تعليم وساد فيه إعلام روّجوا لمقولة أنّ اللغة العربية هى اللغة القومية لشعبنا (المصرى) وأنّ اللغة العامية هى (عامية اللغة العربية) وهو ما كتبه كثيرون بما فيهم صديقى الشاعر الكبير يسرى العزب ، الذى يُصر على أنه (شاعر العامية) وليس الشاعر الذى يكتب بالمصرى الحديث ، كما قلتُ له ولغيره فى أكثر من ندوة . كتب صديقى يسرى العزب ((والحقيقة أنّ العامية المُعاصرة فى مصر على وجه الخصوص هى العربية الدارجة)) فى توافق مع العالم (يوهان فك) الذى كتب عن اللغات العربية المولدة فى الأقطار العربية أنها ((نشأتْ فى حياة العرب ومخالطتهم للشعوب التى أخضعوها ، فصارتْ لغة التخاطب والتفاهم والتى تتميز تميزًا واضحًا عن العربية (الفصحى) بطائفة من السمات والخصائص فى المادة الصوتية وصوغ القوالب وتركيب الجمل والقواعد النحوية والمادة اللغوية وطرائق التعبير)) ورغم أنّ د. العزب مع القول السائد بأنّ ((العامية المصرية هى العربية الدارجة)) اعترف بوجود لغة أطلق عليها ((اللغة العامية وهى لغة العامة من أبناء الجماعة أى المجتمع الشعبى)) (الأدب الشعبى- على نفقة المؤلف- عام 2006- ص8، 9) وأكثر من ذلك اعترافه بأنّ (العامية) لها ((قواعد نحوية وصرفية وبلاغية)) ولكنه مشى مع الثقافة السائدة فأضاف ((وتتفق كثيرًا مع قواعد (الفصحى) وتختلف عنها فى بعض الأمور، لكنها فى النهاية لا تتناقض معها ، بحيث تصبح لغة مغايرة تمامًا مثل اللغات الأجنبية. وكيف تكون العامية لغة مغايرة للفصحى وقائلها واحد هو الشعب العربى ، والمُبدع للشعر فى كل منهما واحد هو الشاعر المُعبر عن وجدان هذا الشعب الواحد ؟ فى الواقع نحن مع (لغة واحدة) هى العربية تتوزع فيما بين المكتوب طبقــًا لقواعد اللغة الموروثة والمُدوّنة فى الكتب والمقرّرة فى مناهج التعليم، والشفوى الذى لا يلتزم دائمًا بهذه القواعد المُدونة والمقرّرة)) (ص55، 56) وأرى أنّ هذا النص يستوجب الملاحظات التالية : 1- خطأ أسلوبى (وهو المُدافع عن اللغة العربية) عندما كتب ((بحيث تـُصبح (أى العامية المصرية) لغة مغايرة مثل اللغات الأجنبية)) والأدق لغويًا ((فلا تكون لغة مغايرة مثل اللغات الأجنبية))

2- جملة ((كيف تكون العامية لغة مغايرة للفصحى وقائلها واحد هو الشعب العربى؟ الخ)) هنا يُردّد د. العزب ما قاله كثيرون من أنّ (العامية) فى المنطقة العربية (عامية واحدة) فإذا كان الأمر كذلك ، فلماذا لا يستطيع الإنسان المغربى التفاهم مع الإنسان العراقى؟ ولماذا لا يستطيع الإنسان التونسى التفاهم مع الإنسان اليمنى؟ إلى آخر الأمثلة. الإجابة التى أكدها علم اللغويات أنّ لكل شعب (عاميته اللغوية المستقلة) وأنّ تلك (العامية) مُستمدة من (البنية) اللغوية وأنّ البنية Structure هى الأساس وهى التى تـُفرّق بين لغة ولغة. ويؤكد ذلك (بمفهوم المخالفة) أنه لو أنّ البنية اللغوية واحدة فى المنطقة العربية ، فإنّ النتيجة الطبيعية تؤدى إلى أنّ شعوب المنطقة لابد وأنْ يفهموا بعضهم ويتفاهموا بتلك (العامية الواحدة) بينما الواقع ينفى حدوث ذلك . وأذكر- منذ عدة سنوات – فى برنامج (الاتجاه المُعاكس) على قناة الجزيرة ، كان الضيوف من أبناء تونس وسوريا واليمن ، وعندما بدأ الحوار ، بدا عليهم التعثر وعدم القدرة على الفهم المـُتبادل ، فقال لهم المذيع ((إيه رأيكم نحكى مصرى؟)) فرح الضيوف الثلاثة وقالوا ((بنحكى مصرى)) وهذا المثال فيه تأكيد على حقيقتيْن : الأولى أنّ لغة شعبنا المصرى ببساطتها لأنها نبذتْ الإعراب ، احتضنتها شعوب المنطقة وصارت هى لغة التفاهم فيما بينهم . الثانية نفى الزعم ب (عامية واحدة) فى المنطقة العربية وإنما لكل شعب (عاميته) الخاصة المُستمدة من بنيته اللغوية. 3- قال د. العزب أنّ المُبدع للشعر (فى المنطقة العربية) واحد هو الشاعر المُعبّر عن وجدان هذا الشعب)) فهل وجدان الشعب السعودى مثل وجدان الشعب السودانى؟ وهل وجدان الشعب اليمنى مثل وجدان الشعب اللبنانى إلى آخر الأمثلة؟ فهل يستطيع شاعر سعودى، مؤمن بالتراث الدينى الموروث والسائد فى مجتمعه أنْ يكتب ما كتبه الشاعر المصرى محمود حسن إسماعيل ((عيناكِ علمتانى السجود/ وكيف أخر مع الراكعين/ لهم دينهم فى زحام الصلاة/ ودينى الضياء الذى تنشرين)) والوجدان المصرى هو الذى جعل الشاعر (مجهول الاسم) يقول فى مواله ((شيلو الرفق فى أنانى الورد واوعو له.. وإنْ غيب الموت رفيقى.. أسأل علا تربته.. واتمد بطوله.. وإنْ جم الملكين يسألوه لأرد مسئوله)) والوجدان المصرى هو الذى جعل الشاعر (مجهول الاسم أيضًا) يقول فى مواله ((يا جايد النار علىّ.. ارمى الحطب يا يهودى.. خللى الصبايا تدلى ويبان ضى العقودى..وإنْ زغرتولى لأغنى وأفرح قليب الحزينه.. أنا عارف اللى دغنى (غدر بى) بدوى وراكب هجينه)) والوجدان المصرى الذى عانى كثيرًا من شعارات العروبة ، هو الذى جعل الشاعر حسين السوهاجى أنْ يقول ((جيش العرب فى السلاحليك/ قاعد يستف مدافع/ لا عايز يمد السلاح ليك/ ولا حتى سايبك تدافع)) والوجدان المصرى هو الذى جعل الشاعر أمل نقل يقول ((الناس سواسية – فى الذل – كأسنان المشط / ينكسرون – كأسنان المشط / فى لحية شيخ النفط)) وبذات الوجدان الرافض للثوابت كتب ((المجد للشيطان.. معبود الرياح.. من قال (لا) فى وجه من قالوا (نعم) من علم الإنسان تمزيق العدم.. من قال (لا) فلم يمتْ.. وظلّ روحًا عبقرية الألم)) والوجدان المصرى هو الذى جعل المغنى الشعبى يقول فى الموالد المصرية ((يا سيدى يا بدوى. يا سيدنا الحسين.. مدد يا أم هاشم.. يا كحل العين.. مولانا الرفاعى. يا طب الأفاعى . يا سيدى إبراهيم الدسوقى. إنت فين؟ بانادى عليكو. يا أهل الطريقه. وجواىَ شوق.. للغزل والحقيقه.. وبرايَ عالم مِشعلل حريقه)) والوجدان المصرى هو الذى جعل شاعر اللغه المصريه صلاح جاهين أنْ يكتب ((ليه يا حبيبتى ما بينا دايمًا سفر/ دا الـبُعد ذنب كبير لا يُـغتفر)) أى أنه لم يرتعب وهو يكتب فاعتبر الفراق بينه وبين حبيبته من الذتوب التى لا تقبل التوبة. ونفس الشىء عندما تحدى الثوابت فكتب عن أيوب من منظور مصرى ((أيوب رماه البين بكل العِلل/ سبع سنين مرضان وعنده شلل/ الصبر طيب.. صبر أيوب شفاه / بس الأكاده مات بفعل الملل)) ونفس الوجدان المصرى أملى عليه أنْ يكتب ((البط شال عدى الجبال والبحور/ يا ما نفسى أهجْ أحجْ ويا الطيور/ أوصيك يا ربى لما أموت والنبى/ ما تودنيش الجنه.. للجنه سور)) وذات الوجدان المصرى أملى على الشاعر عبد المنعم رمضان أنْ يُخاطب النيل فى قصيدة (ريتا غيمة الوجع) وفى (فصل النيل ويثرب) كتب ((التبس على عمر بن العاص دمى فأوقف النيل ، قام كمن ضاجع النهر لتوه وقال هبنى دمك)) إلى آخر القصيدة .

أما الشاعر اللبنانى الكبير أنسى الحاج فكتب فى مقدمة أعماله الشعرية الكاملة ((بين القارىء الرجعى والشاعر الرجعى حِلف مصيرى . هناك إنسان عربى غالب يرفض النهضة والتحرر النفسى والفكرى من الاهتراء والعفن. وإنسان عربى (أقلية) يرفض الرجعية والخمول والتعصب الدينى والعنصرى… لا تـُجدى غير الصراحة المُطلقة ونهب المسافات… على المُحاولين ليبجّوا (مكتوبة هكذا) الألف عام : الهدم والهدم والهدم.. قد يتعرّضون للاغتيال لكنهم يكونون قد لفظوا حقيقتهم على هذه القوافل التى تعيش لتتوارث الانحطاط وتمليكه على العالم . أول الواجبات التدمير. الخلق الشعرى الصافى سيتعطل أمره فى هذا الجو العاصف ، لكن لابد – حتى يستريح المُـتمرد إلى الخلق – لا يمكنه أنْ يقطن بركانـًا سوف يُـضيع وقتـًا كثيرًا ، لكن التخريب حيوى ومقدس)) (هيئة قصور الثقافة- عام 2007- ج1- من ص15- 17) هذا شاعر مُـتمرد على الثوابت ابن الطبيعة اللبنانية الساحرة فكتب فى قصيدة (حالة حصار) ((رأيتُ مخرزًا يحفر بطن حامل وخنزيرًا تـُراوده فراشة. رأيتُ طفلا يُخصى لأنه تعرى والشمس تراه/ الله ويداه وشم على منتصفه. الله إليته / تـُبْ إلى الرب كسَدَتْ / هجر شياطينك مُتْ / صراخك مطعون هيا)) (من ص 43- 45) وكتب ((رأس يوسف النجار على كتفى وجميع العصافير ترن فيه سَحَـرَتْ ذاكرتى)) (ص215) ولأنه ابن حضارة البحر المتوسط كتب ((أنا من طبقة المحور/ المؤلــّف من الإنكار/ من قربان التخطى/ من روح قدس المخالفة / كل واحد من جزيرة/ وصحراء وأخوة وأشرار/كل واحد من صين/ ومصر ويونان/ كل واحد منى واحد/ فى عمق الماء واستراحة الجنون)) (245) لذلك قال فى قصيدة (إذا أردتَ أنْ تركب الخيل) ((الخيل خيّال الخيال معقود عليها الهرب الورود البيض تلذ كالورود الحمر: الأولى مسروقة والأخرى مقطوفة (اللص والمقامرمن فصيلة واحدة هى الأنبياء)) (261) ولأنه يشعر بالتناقض بين ثقافته القومية والعروبة كتب (أنا جيد فى اللغة العربية، أكتبها من الشمال لليمين والعكس ، من فوق إلى تحت والعكس) (295) ولأنه مؤمن بتعدد الثقافات (عكس الثقافة العربية الأحادية) كتب ((النيل يتفرج / لا يتفرج النيل لكن / فمه مفتوح للأشباح والنظرات مُبلل/ بدخان المكتبات الصفراء/ مُجفف بنهار طويل/ بخاره الكرنك العام والكرنك الخاص، الأقصر وممفيس وطيبة)) وأكد على هذه التعددية من خلال وعيه بدور الحضارة المصرية فكتب ((أكثر ما كان يؤلم فرعون أنه لم يقدر أنْ يكون النيل/ أكثر ما كان يؤلم النيل أنه لا يقدر أنْ يصيح ولا أنْ يسكت ولا أنْ يكون فرعون ولا نفرتيتى)) (239) فلو أنّ الوجدان واحد كما كتب د. العزب ، فهل كان من الممكن لشاعر(عربى) مؤمن بالتوحيد و(الأحادية) ومُعادى للحضارة المصرية أنْ يكتب ما كتبه أنسى الحاج اللبنانى الجنسية المُـتعدد إنسانيًا؟ وفى الجزء الثاتى بعنوان (أسير النهر) كتب ((أنا شعوبٌ من العشاق.. حنانٌ لأجيال يقطر منى)) (ص17)

ولو أنّ الوجدان واحد ، فهل كان بمقدور أى شاعر مؤمن بالعروبة أن يكتب ما كتبه نزار قبانى ((تقاطعتْ فى لحمنا خناجر العروبة / واشتبك الإسلام بالإسلام/ طائرة الفانتوم تنقض فوق رؤوسنا / ونحن نستقوى بزنار أبى تمام)) إلى آخر القصيدة . وهل كان يمكن لأى شاعر مؤمن بالمشروع الناصرى الذى مكن إسرائيل من احتلال مدن القناة عام 56واحتلال سيناء عام 67 أنْ يكتب قصيدته الشهيرة (هوامش على دفتر الهزيمة) ((أنعى إليكم يا أصدقائى اللغة القديمة / والكتب القديمة. أنعى لكم / كلامنا المثقوب كالأحذية القديمة / ومفردات العُهر والهجاء والشتيمة / أنعى لكم نهاية الفكر الذى قاد إلى الهزيمة / إذا خسرنا الحرب لا غرابة/ لأننا ندخلها بكل ما يملكه الشرقى من مواهب الخطابة.. بالعنتريات التى ما قتلتْ ذبابة / لأننا ندخلها بمنطق الطبلة والربابة)) ثم يكتب شهادته المُهمة عن موت العروبة وعن أكذوبة (الوحدة العربية) و(القومية العربية) فكتب ((أنا منذ خمسين عامًا.. أحاول رسم بلاد / تسمى مجازًا بلاد العرب / وعندما انتهيتُ من الرسم / سألتُ نفسى إذا مات العرب/ ففى أى مقبرة يُدفنون/ وليس هناك من يبكى عليهم/ وليس هناك حزن أو من يحزنون)) ولأنه يعى خطورة العروبة على مصر كتب ((سقط الفكر فى النفاق السياسى / وصار الأديب كالبهلون/ تستبد الأحزان بى/ فأنادى : آه يا مصر من بنى قحطان))

ولأنّ الشاعر العراقى حميد سعيد يشعر بأنّ العروبة تتنافر مع تراثه الحضارى البابلى لذلك كتب فى قصيدة (بستان قريش) ((لا زيد الخيل.. ولا زيد الخير/ موحشة أرض الأسئلة الأولى فى بستان قريش/ رحلتْ عنها الأنهار/ وجفاها الطير/ حدثنا الكلبى/ عن الخنزير بن العبد / عن كلبون ، قال : يأتى زمن يتهادى فيه الفقهاءُ الناس/ يستبدل شيخ السوء كتاب الذل/ بما كتب الجاحظ والحسن البصرى/ ويُصلب زيد بن على ثانية/ ويُباع أبو الحيان التوحيدى بدولاريْن/ لا زيد الخيل.. ولا زيد الخير)) (مجلة الآداب اللبنانية- عدد يناير وفبراير2007)

ولو أنّ الوجدان واحد فهل كان فى مقدور أى (عربى) أنْ يكتب ما كتبه الشيخ حسن الحجازى فى قصيدة انتقد فيها الأزهر فقال ((الجامع الأزهر ابتلاء/ ربٌ له العز والوجود/ بكل فظ قحف وطرف/ عليك بالبشر لا يجود/ صلوا وصاموا والليل قاموا / والقلب عن كل ذا بعيد / وهم على ذاك فى خضوع وخوفهم من غد شديد/ بدّلهم دهرنا قرودًا / يا بئس دهرًا له قرود))

ولو أنّ الوجدان واحد فهل كان من الممكن أنْ يكتب أى (عربى) ما كتبه حافظ إبراهيم ((وقف الخلق ينظرون جميعًا.. كيف أبنى قواعد المجد وحدى.. وبناة الأهرام فى سالف الدهر.. كفونى الكلام عند التحدى)) إلى آخر القصيدة . أو يكتب ما كتبه أحمد شوقى فى عشرات القصائد التى أشاد فيها بدور الحضارة المصرية منها- كمثال فقط – قصيدة (معبد فيلة- أنس الوجود) التى قال فيها ((أيها المُـنتحى ب (أسوان) دارًا / كالثريا تريد أنْ تنقضّا / اخلع النعل واخفض الطرف واخشع/ لا تحاول من آية الدهر غضّا / شابَ من حولها الزمان وشابتْ / وشبابُ الفنون ما زال غضّا / رُبّ (نقش) كأنما نفض الصانعُ / منه اليديْن بالأمس نفضا))

ولو أنّ الوجدان واحد فهل كان فى مقدور أى (عربى) أنْ يكتب ما كتبه الساخر العظيم جلال عامر ابن الحضارة المصرية ((لم يخلق الله العرب سدى.. البشرية كانت تحتاج إلى الكوميديا)) (جريدة القاهرة – 28/6/2005)

تلك النماذج – وغيرها كثير فى أرشيفى – تنفى ما زعمه صديقى الشاعر الكبير يسرى العزب عن الوجدان الواحد وعن أنّ العامية هى ((العربية الدارجة)) وبالتالى – من وجهة نظره – ((نحن فى الواقع مع لغة واحدة هى العربية)) ولكنه- تناقض مع نفسه عندما كتب أنّ الأدب الشعبى فى المنطقة العربية مكتوب ((كلٌ بلغته العامة)) (ص73) وهذا كلام جيد ، ولكنه جزء ضئيل من الحقيقة ، بمراعاة أنّ شعوب المنطقة العربية تتكلم لغة خاصة فى حياتها اليومية ، وبالتالى لا توجد (عاميات) بل توجد (لغات) لأنّ 1- العبرة بالنبية وليس بالألفاظ 2- لو أنّ تلك (العاميات) لها أدنى ارتباط باللغة العربية ، لكان من المنطقى أنْ تتفاهم شعوب المنطقة بها ، بينما الواقع ينفى ذلك ، وهذا النفى يؤكد أنّ كل شعب له خصوصيته اللغوية.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in طلعت رضوان and tagged . Bookmark the permalink.