موجة التسونامي الثالثة ..فوضي وتخبط التوجهات

محمد حسين يونسمحمد حسين

كان دورى في حرب اليمن عام1965 ان تنشىء سريتي سدا ترابيا علي مضيق وادى ” حرض ” يمنع مياه السيول من الوصول الى السعودية ويغذى حقول باليمن المحرومة من الرى ..عندما استلمت خرائط مستعارة من واحدة من منظمات الأمم المتحدة ، وجدت ان مساحات كبيرة من المنطقة التى سأمر عليهامن “الحديدة ” الى ” قفل حرض ” مكتوب عليها ” منطقة غير صالحة للحياة الآدمية ” ثم تحققت بنفسى فلقد كانت مياه الشرب ملوثة بشتى أنواع الديدان ، وعلى الأرض تسعى مختلف أنواع العقارب والثعابين ، وفوق الأشجار تتصايح القردة المتوحشة ، والسيدات تسرن عاريات الصدور دون الاحساس بأى خجل ( في الغالب كن جوارى او عبيد )، والمنازل مبنية بالقش والطين على طريقة عصور ما قبل التاريخ ، والرجال يجلسون بكسل يمضغون القات ، وأمراض العيون منتشرة بشكل وبائى ، وبعد قليل اكتشفت أن عدد كبير من جنودى قد أصيبوا بأمراض جنسية نتيجة لتعاملهم مع سيدات يمنيات يحملن شتى أنواع الأمراض الزهرية ، لقد كانت منطقة غير صالحة فعلا لحياة البشر المعاصرين.

بقعة الزيت إمتدت عبر نصف قرن لتشمل منطقة من أفغانستان ،باكستان ،ايران ،العراق و الشام شرقا ، وحتى الجزائر ،المغرب وموريتانيا غربا ، ومن الاسكندرونة شمالا حتى نهاية الصومال واليمن جنوبا ، مساحة واسعة غير صالحة الان لحياة البشر.. ، فمن ينجو من رصاصات مليشيات ما بعد صدام حسين والقذافى وعلى عبد الله صالح وبشار الأسد ، ستواجهه جماهير غاضبة فى غزة والصومال ومصر والسودان تنادى بتطبيق (الشريعة )، والشريعة لديهم هي جلد النساء ومحاربة المخالفين دينيا أو عقائديا ، ووأد كل تفكير عصرى او شبه علمى .

تخلف ما بعده تخلف ، لا يمكن فهمه الا بعدما تسمع وترى كيف إستخدم المسلمون أدوات التكنولوجيا الحديثة في بث الرعب في القلوب الضعيفة من قسوة ضوارى وقرود (داعش وبوكوحرام )وغيرها من تنظيماتهم الاجرامية المنتشرة كالبثور علي وجه المنطقة ..بشر لا يعملون .. لا ينتجون .. لا يفكرون .. لا يساهمون فى تيار الحضارة الهادر فى كل مكان حولهم رغم أن المنطقة التى اتكلم عنها تكاد ان تكون أغنى مناطق الأرض بالبترول والبشر والامكانيات ( مواد خام + عمالة + أموال ) ولكن دون رأس تحركها أو قيم أو حتى ضمير متحضر .

سبب هذه ” الخيبة “ثلاث موجات متتالية من التسونامى ضربت المنطقة خلال ستة عقود ماضية .

الموجة الاولى بعد الحرب العالمية الثانية ، جاءت على هيئة مجموعة من الانقلابات العسكرية التى انتشرت كالعاهات على وجه الأمة يعقبها ديكتاتورية مقيتة وحكم بوليسى فاشيستى ، ونهب وسرقة لكنوز الوطن ، حتى حكام دول المنطقة التى تخضع لعائلات ملكية الان ، جاءواجميعا علي اسنة سناكي الجنود وعدوانهم ، سواء فى السعودية أو الأردن أو الكويت أو المغرب .. العسكر جعلوا الحياة لا تطاق فى باكستان وإيران ، فى مصر والعراق ، فى السودان وسوريا وليبيا واليمن والجزائر وتونس .. لم تنجو بقعة صغيرة.. حتى هؤلاء الذين حملوا شعارات (أمة واحدة ذات رسالة خالدة ) البراقة إنتهوا الى عسكر وفساد ، بلطجة وسرقة وتم تدجين شعوبهم لعشرات السنين .

الموجة التالية جاءت مع ارتفاع عائد البترول وتوفر الدولارات والذهب ، فى المكان غير الصحيح ، عندما امتلك مفاتيح الخزينة ملالى إيران وشيوخ الوهابية ، فاستطاعوا بالذهب والدولار استقطاب هؤلاء المهمشون المغرر بهم من فقراء المنطقة بعد أن اهمل العسكر تطورهم وفشلت الشعارات القومية الجوفاء فى إسكات جوعهم ولم يعد أمامهم إلا حلم الجنة وحور العين بعد الاستشهاد .

إيران والسعودية فى تنافسهما للسيطرة على عقول وأفئدة وتوجهات البشر ، دمروا البشر .. الكتائب فى لبنان والميليشيات فى العراق وطالبان فى أفغانستان وانفجارات فى باكستان وحروب فى سوريا وليبيا وتونس والصومال والسودان ، ولم يعد هناك مكان صالح لحياة البشر ، لقد اتسعت رقعة الزيت وفشلت كل الجهود لوقف تلويثها.

الموجة الثالثة تتحرك كإعصار المغول تبدأ من سوريا ثم تنتقل الي العراق و عينها علي الاردن والكويت .. تزرع الخوف و الرعب في أى مكان تصل اليه وتصوره علي شرائط الفيديو تبث صور رجالها و هم يلعبون الكرة برؤوس الضحايا و هم يجلدون النساء و هم يواقعونهن امام اهلهن .. وتنشر افكارا غريبة بأن محاربة المنافقين والمرتدين اوليتها تسبق محاربة الكفار و المخالفين في الدين كما فعل الخليفة ابوبكر بقتال المرتدين قبل فتح القدس و كما فعل صلاح الدين الايوبي بقتال الشيعة قبل الفرنجة .. ولهذا فقتل مسلمي العراق الشيعة و المعارضين ابدى من قتال اليهود و غيرهم من الكفار .. ((الله ))علي الخبل الفكرى و التوجهات المغرضة لتجميل ضعفهم وخيبتهم عن مواجهه جيوش حقيقية مستعدة و تبرير التنكيل بالضعفاء من المسالمين .

والان من الهم العام الى الهم الخاص ، فالمصريين الذين خرجوا فى شوارع القاهرة والاسكندرية وكل مدن مصر يرحبون بالعسكر وهم ينقلبون ضد الملك فاروق ، قادهم عبد الناصر بعد أقل من سنتين ليهتفوا ” تسقط الديموقراطية ـ تسقط الحرية ” وها هم يكررون المشهد ، فبعد ان أسقطوا من ميدان التحرير الديكتاتور ، وضحوا بأمنهم وراحتهم فى سبيل غد أفضل ، يقودهم مشايخ وملالى ليصوتوا لصالح الديكتاتورية الفاشيستية الدينية للاخوان والسلفيين ، ماحدث فى مصر أيام 19 مارس 2011 هو نسخة حديثة لما تم فى 25 مارس 1954 ، أى استخدام إرادة الشعب لدعم الديكتاتورية و إسقاط الحرية والديموقراطية

موجتان من التخلف أحبطت كل منهما أى محاولة للتقدم نحو مجتمع عصرى ، و كان مقدرا على المصريين أن ينتظروا لنصف قرن آخر عندما تاتى الموجة الثالثة ، لتضعهم على خط التاريخ ولكن فجاجة وجور و إنحطاط من غلب بالغش و الخداع و التواطوء مع اسود البيت الابيض كانت بادية للعيان فظيعة حتي أن المصرى لم يصمد الا سنة واحدة خرج بعدها يهتف يسقط يسقط حكم المرشد ليسقط و يمر عام أخر قبل ان ينتخب الشعب الذى أصيب بفوبيا الخوف من الاسلامجية ، مشيرا جديدا ليجلس علي عرش البلاد .

هل استوعب المصريون الدرس ، هل فهم المصريون أن العسكر والفساد ورجال الدين هم حلف واحد يتبادل المراكز ويدعم كل منهم الاخر ؟ نتائج إنتخابات 2014 تقول انهم لم يستوعبوا الدرس ، فالحجيج القادم من القرى والنجوع والدساكر والكفور والأحياء المهمشة قاده للمرة الثانية من كفروا بحكم عصابة مرسي و الشاطر من سيدات الاحياء الراقية و انتلجنسيا الطبقة الوسطي الي صناديق (الاستفتاء) ليقول ( كالعادة ) نعم لعودة الامور الي ما كانت علية … (حقكم علينا ).. و(مش حنعمل كدة تاني )حتي لو ضربتونا بالبلغ القديمة

القادة المتقابلون من التيارات الاسلامية والقوات المسلحة المتحالفة مع الامن أراد أن كل فريق منهما أن يظهر مدى تأثيره على مجاميع الشارع الثائرة بإحداث ضجة إعلامية وحشود جماهيرية و فرقعات لقنابل محلية الصنع و إضرابات طلاب مدفوع لهم الكثير ، فضاعت فى الطوفان الجارف أصوات الملايين التي رفضت النظامين و قاطعت او قالت (لا ).

مثقفي الطبقة الوسطى فى أغلب أحياء المدن الرئيسية التي قالت( لا )، كانت ترجو ان يتحول جهد ملايين الشباب الذين يقفون فى الطرقات فى انتظار الفرج يتحرشون بالنساء الى طاقة عمل تزرع وتصنع ، وان يتحول مئات الآلاف من أعضاء الأمن الذين يعدون الأنفاس ويطهرون مدنهم من رجس المفكرين أو المتطلعين لحريتهم واستخدام إرادتهم.. الى صناعة أكثر جدوى .

الطبقة الوسطى التى قالت لا ، كانت ترجو الا يعاد تدوير نظامي مبارك او مرسي أو ينتخب مجلس شعب صورى أويحكمها وزراء صوريين ويطاردها إعلام صورى تحركه أصابع المسئول .

الان علي ارض الواقع تتم فصول مشهد جديد..رئيس وزراء مالتي مليونير ( من عرق جبينة في شركات المقاولات ) و مستشارون متأنقون يرون أن رفع الدعم او تخفيض قيمته عمل وطني و الي مش عاجبه يضرب راسه في الحيط امن البلاد أكثر أهمية من تخاريف المتضررين .. وإرتفاع جنوني في الاسعار وخناقات مع فاتورة الغاز او الكهرباء .. ومشاريع تجميل مدينة القاهرة و تغيير هوية العشوائيات تتم كلها باسلوب عشوائي قاسينا منه في أيام المبارك ذات الثلاثة عقود .

مليونيرات الطبقة الوسطي يزيحون كل المتاريس التي وضعتها تجارب السنين الفاشلة منذ حكم قادة إنقلاب يوليو .. ليمهدوا الطريق لسيطرة كاملة علي المجتمع والناس .. ويبتسمون بثقة وهم يشيرون الي بعبعع الطوارق الغزاة في العراق و الشام وسيناء ..محذرين من مصير اسود لو تمت معارضة الموجة الثالثة من تسونامي المنطقة وها نحن ننتظر محبوسي الانفاس ماذا سيحدث غدا بنفس اسلوب البشر عندما تصيبهم الطبيعة بكوارث الزلازل و الفيضانات و الاعاصير .. مبدلين الدعاء علي الاطلال من ((ربنا أنت تحب الاقوياء .. ربنا وتكره المستضعفين )) في خمسينيات القرن الماضي مستنفرين الهمة لخوض المعركة .. إلي (( ربنا لا نطلب منك رد القضاء ربنا نطلب اللطف فيه ))… مستسلمين ((قدر الله وما شاء فعل )) .

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in محمد حسين يونس and tagged , , , . Bookmark the permalink.