“أنا لا زلت موجودة، انا لازلت مغيبة”

 د.إلهام مانع إلهام مانع

“كل ما أريده ممن قالوا لي أن أبتلع لساني وعقلي، أن يدركوا أمراً واحداً فقط

أنا لازلت موجودة. أنا لازلت مغيبة”

تواصلت معي. وجدت عنواني الالكتروني وكتبت لي.

شابة من المملكة السعودية

شابة في مقتبل العمر.

تفكر.

وتختنق.

وتعاني.

كتبت تقول لي “أكتشفت مؤخراً اني عالقة في معتقل

ومنذ ان تخليت عن تديني والمعتقل يضيق اكثر.

وعقلي بات يرفض انصاف الحلول.

ولذا اصبح من المرعب لعقلي أن لايبصر نور الحرية وأن يموت ويندثر في معتقله.

قرأت كلماتها. وعادت إلى ذكريات تلك الفترة. عندما كنت اختنق.

ذكرتني بنفسي، في نفس عمرها، وأنا في الجزيرة العربية، اشعر بالغربة، اختنق، وأقول لنفسي، من الغريب؟ أنا أم ما يلقونه لنا كل يوم كالببغاوات ويصرون علينا أن نصدق، دون تفكير، دون تدبير.

ذكرتني بنفسي.

تواصلت معها بعد ذلك، وحكت لي قصتها.

حكت لي كيف إُجبرت على إرتداء النقاب وهي في الحادية عشرة من عمرها قهرا.ً

حكت لي كيف قرأت مكتبة ابيها الفقهية، وتوصلت إلى قناعة بسيطة أنها غير مقتنعة.

قالت لي شيئاً مهماً، قالت إنها قرأت لشيوخ وفقهاء من السعودية تحديداً، وهؤلاء جعلوها تنفر من الدين بسبب العنف الذي في كتاباتهم.

قالت لي شيئا ملفتا، قالت لي المسألة ليست إني غير مقتنعة بالإسلام، أنا فقط غي مقتنعة بإسلوبهم الحاد والعنيف في تلقين الدين.

ثم كيف أكون مسلمة وأنا غير مقتنعة.

فعلت ما فعله غيرها ايضا.

 صارحت اهلها

وتحدثت مع ابيها.

قالت له: أنا لدي وجهة نظر.

وظنت انه سيفهم.

لكن أبيها تشرب برؤية لاتؤمن بوجهات النظر.

فجاء رده حاداً ككتبه الفقهية.

قال لها: إذا لم تقتنعي سأسلمك لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

هيئة ملعونة، احالت حياة البشر في المملكة إلى جحيم.

تجلد الشباب في الأسواق.

تطبق عليهم احكام القرون الوسطى، وتقول “طريقنا أو السوط”.

بعد ذلك وجدت نفسها مجبرة على رؤية كل ما تحبه، كل ما يساعدها على التماسك يدمر امام عينيها. مكتبتها احرقت، واالتابلت حُطم  وكل هذا كي تكف عن القراءة. كل هذا كي لا تقرأ خارج دوائر التفكير المحرمة.

كل هذا لأنها قالت إنها غير مقتنعة؟

إنها تريد أن تختار لنفسها؟

بإسم اي رب يبشرون؟

الله المحبة لايغصب.

الله رب الخير والسماح لا يغضب لأن شابة قررت أن تفكر لنفسها.

كم مرة قلتها؟

كلها طرق إلى الرحمن.

والشك والإلحاد طريق أيضاً.

والرحمن محبة.

وسواء ارادت أن تؤمن أم لا، فإن المؤكد أن من حقها أن تؤمن بما تشاء.

وسواء ارادت أن تؤمن أم لا، فإن المؤكد أن الدين كما يلقنوه لهن ولهم هو كفر في الواقع برب يدعو إلى المحبة.

وسوءا آمنت بالله أم كفرت به، فإن ما يدعون إليه ليس دينا.

ليس حباً ما يدعون إليه.

بل كراهية.

ارادت أن تتجنب الصدام، فأجبروها كل يوم على قراءة القرآن بصوت عال بالساعات.

ارادت أن تتجنب الصدام، فأجبروها على الصلاة في المسجد بالساعات.

ارادت أن تتجنب الصدام، فأجبروها أن تتظاهر بالإيمان.

كأن الله سيرضى بما يفعلوه بها؟ا

ونستغرب بعد ذلك من إرتفاع نسبة الألحاد وتحول الكثيرون والكثيرات إلى المسيحية؟

لو كان إختياراً لما فروا وفررن منه.

بحثت عن مخرج.

ينجيها من المعتقل الذي تعيش فيه. معتقل الاسرة، معتقل المجتمع، ومعتقل دولة تطبق هذا التفسير للدين بالقانون.

ولم تجد من يعينها.

لم تسمتع إليها أية هيئة او سفارة دولية. يخافون هؤلاء. يفضلون الصمت عندما تتعلق الأمور بنا، نحن معشر النساء. فلم يبق لنا إلا أنفسنا.  

بعض الذئاب اراد التغرير بها بدعوى مساعدتها على الخروج، لكن بطلتنا واعية. تدري أن عليها وصديقة عمرها أن تبحث عن مخرج واقعي. لايخرجهما من مصيبة إلى مصيبة أكبر منها.

قلت لها إني تعلمت وأنا في الجزيرة العربية أن اتعامل مع الواقع واستغل كل فرصة تتاح.

كل فرصة تبدت لي إستغليتها كي أنمي من نفسي، وأستقل.

قلت لها إبحثي عن مخرج في الدراسة والعلم، وعندما تتسلحين بالشهادات ستستقلين ولعلك حينها تقررين رغم ذلك البقاء في السجن الأكبر كي تغيريه.

ثم سألتها.

ماهي الرسالة التي تريدين أن أوصلها لمن يقرأ هذا المقال.

عبارتها جاءت سريعة.

سهم نفذ إلى القلب بصدقه.

قالت:

” كل ماأريده ممن قالوا لي أن أبتلع لساني وعقلي، ممن أصروا علي أن أغيب عن الحياة رغم أني أعيش، اريدهم أن يدركوا أمراً واحداً فقط:

أنا لازلت موجودة. لم أختف ولن أختف.

أنا لازلت موجودة.

لكني لازلت مغيبة.”

Print Friendly
This entry was posted in إلهام مانع and tagged , , , , . Bookmark the permalink.