(سنوات الجمر… فى عمر مصر(1

 د.طارق حجى  طارق

مع إنتهاء شهر يونية 2014 تكون ثلاث سنوات ونصف شديدة الخطورة فى تاريخ مصر المعاصر قد إنقضت. ولا شك أن حجم “غير المعلوم” من خفايا الأدوار يبقى كبيرا جدا، الا أن حجم “المعلوم” يسمح بقراءة أولية لما شهدته مصر ما بين 25 يناير 2011 و 8 يونيه 2014. وفى هذا المقال “أحاول” تقديم قراءتى لأحداث ما أظن أنها كانت من اهم مراحل تاريخ مصر. وستكون البداية بكلمة موجزة عما حدث فى مصر منذ يوم 25 يناير 2011 وحتى سقوط حسني مبارك يوم 12 فبراير أي بعد 18 يوما حافلة باﻷحداث الجسام. لاشك عندى أن حسنى مبارك واسرته وعصبة (أوليجاركية) السلطة والمال التى كونها جمال ابن حسني مبارك وفضيحة الإنتخابات البرلمانية التى طبخت فى أواخر 2010 صنعت كلها زخما شعبيا رافضا، ولا شك أن كارثة توريث حسني مبارك منصب رئيس مصر لإبنه جمال كانت من بواعث ثورة الشعب التى بدأت يوم 25 يناير 2011.

ولكننا نعرف اليوم أن غضبة الشعب هذه على ما ذكرته من مكونات عهد حسني مبارك وبالذات خلال سني النصف الثانى من فترة حكمه لم تكن هى وحدها وراء الأحداث التى أدت لسقوط حسني مبارك (ونهاية عهده الذى استمر لثلاثة عقود). فمن جهة، كان هناك الحوار الأمريكى الإخوانى الذى بدأه سعدالدين إبراهيم فى 2003 والذى كان قد أثمر تفاهمات واسعة بين الجانبين صارت الولايات المتحدة معها مقتنعة بأن وصول الإخوان المسلمين لحكم مصر سيكون الأكثر تحقيقا لمصالح الولايات المتحدة وإسرائيل. ومن جهة أخرى كان هناك مئات الشباب المصريين الذين دربتهم مراكز بحوث أمريكية (مثل فريدوم هاوس وثيقة الصلة بالإدارة والمخابرات الأمريكيتين) على إسقاط النظم. وكان معظم هؤلاء الشباب من طبقات المجتمع المصري الدنيا ولكن وضعياتهم المالية إرتقت بشكل ملحوظ. كما أن قيادة التمرد اصبحت بعد أيام قليلة فى يد الإخوان المسلمين الذين لم يكونوا فى الصورة خلال الأيام الأربعة الأولى للتمرد الشعبي.

وأخيرا، فإن العنصر الفلسطيني الحمساوي قد دخل هو أيضا لمسرح اللأحداث بعد بضعة ايام من بدايتها يوم 25 يناير 2011. وفى إعتقادى أن المستقبل سيتيح رؤية وفهم كل جوانب ما حصل قبل 25 يناير 2011 وبعدها وحتى تنازل حسني مبارك عن السلطة مساء يوم 12 فبراير 2011. ولا شك أن من أهم تداعيات تلك الأيام العاصفة قرار المجلس الأعلي للقوات المسلحة المصرية ليس فقط بعدم توجيه أسلحة الجيش للمصريين المحتشدين فى الميادين المصرية ومطلبهم الأول هو رحيل حسني مبارك بل والإنحياز لهم وحمايتهم. وأغلب الظن أن عدة سنوات ستمر قبل أن نعرف الكثير عن موقف المجلس الأعلي للقوات المسلحة وبواعثه ورؤيتة أعضاء المجلس لعواقب وتداعيات موقفهم. كذلك، فإننا وان كنا اليوم نعلم ان دولتى تركيا وقطر قد لعبتا أدوارا عدة قبل وبعد 25 يناير، الا ان توثيق الدورين التركى والقطري سبحتاج لسنوات تتكشف خلالها أسرار تفاصيل هذين الدورين والذين تكررا فى ليبيا وسوريا.

وبعد تنازل حسنى مبارك عن منصبه كرئيس لمصر وهو التنازل الذى أعلنه (من داخل مقر وزير الدفاع) دخلت مصر مرحلة “المجلس الأعلى للقوات المسلحة” التى إكتنفها (ولا يزال يكتنفها) غموض كثيف. فمن البداية بدأت القرارات الغريبة والمعيبة. فقد عهد المجلس العسكري لشخصية إخوانية (طارق البشري) بوضع الخطوط الدستورية العامة للمرحلة الإنتقالية. ومع إستفتاء 19 مارس 2011 الذى أكد أن المرحلة الإنتقالية تسير على هوي جماعة الإخوان المسلمين بدأت مصر مسيرتها تجاه إنتخاب رئيس إخوانى.

واذا كانت المرحلة الإنتقالية قد استمرت لأقل قليلا من سنة ونصف، فإن أيامها إتسمت بغير قليل من التخبط وقلة الخبرة السياسية والتمتهى مع إرادتين : إرادة الولايات المتحدة التى كانت تعبر عنها سفيرة كانت تتصرف بما يوحي أن مهمتها الأولي هى إيصال الإخوان المسلمين لحكم مصر، وقد أتيح لي أن ألتقي بها (أي بالسفيرة آن باتيرسون) وأن أتيقن من طبيعة وهدف مهمتها. أما الإرادة الثانية التى خضع لها المجلس الأعلي للقوات المسلحة فكانت إرادة جماعة الإخوان المسلمين. وخلال اسابيع وشهور هذه المرحلة فقد أخذ نفوذ الإخوان فى التصاعد. وستبقي هناك أسئلة عديدة بحاجة لإجابات موثقة مثل :… من المسئول عن سحب الشرطة من الشارع المصري ثم عن خروج الدبابات بعد سبع ساعات كانت فيها الشوارع بدون شرطة او جيش؟ ومن الذى أمر بخروج الدبابات يومها وعليها عبارات مناؤة للنظام؟ وكيف تم حرق 450 مركز/قسم شرطة؟ من المسئول عن عملية اقتحام السجون وتهريب المسجونين؟ من سمح للقيادي الإخوانى محمد البلتاجى بالتواجد مع رئيس الحكومة عصام شرف بميدان التحرير؟ من الذى سمح ليوسف القرضاوي بالحضور لمصر بطائرة خاصة ليتوجه من المطار لميدان التحرير لإمامة الصلاة بجموع المحتشدين فى مشهد ذكر الناس والعالم بعودة الخمينى من باريس لطهران فى 1979؟ من الذى فتح أبواب إدارات أمن الدولة بالإسكندرية للإخوان ليعتدو على عشرات الضباط؟ من الذى سمح بتسريب تقارير أمن الدولة للإخوان الذين قاموا بنشرها وهو ما اضطر وزير الدفاع الأمريكى للحضور لمصر لحض رئيس المجلس العسكري على وقف بل وتجريم نشر هذه التقارير؟ من الذى سمح بالإفراج عن المحكوم عليهم فى قضايا أموال من الخارج وسمح لطائرة أمريكية بتسفيرهم؟ ومن الذى سمح بقبول أوراق ترشح محمد مرسي للرئاسة رغم كونه (وقتها) متهما فى قضايا جاسوسية وسبق اعتقاله وهروبه من السجن؟ من الذى إختار شخصين من تيار الإسلام السياسي (طارق البشري وصبحي صالح) ليرسما الإطار الدستوري لمستقبل مص؟ من الذى كان خلال المرحلة الإنتقالية يختار الوزراء ورؤساء الحكومات ومن بينهم الكثير من الإخوانيين (مثل : هشام قنديل)؟ من المسئول عن العديد من أحداث العنف الكبيرة مثل أحداث محمد محمود وماسبيرو؟ هل بالفعل لم تكن أوراق عمر سليمان كمرشح لرئاسة الجمهورية غير كاملة أم أنه كان من المرغوب فيه التخلص منه؟ هل فعلا فاز محمد مرسي أم أن الفائز (كما أعلم أنا) كان أحمد شفيق ولكن الإخوان والسفيرة الأمريكية قاما بالضغط حتى تم إعلان فوز محمد مرسي؟ وتفسيري الخاص وبدون توثيق أن المجلس العسكري لم يكن موحدا وكان تحت ضغوط رهيبة من الجانب الأمريكى ومن جانب الإخوان. وسيكشف المستقبل عن كل او بعض حقائق هذه الأمور المضفرة حتى الآن بالغموض. الاخوان وأمريكا

ولكن كاتب هذه السطور يعلم يقينا أن أهم ما ميز هذه المرحلة انما كان الضغط الأمريكى والإخوانى لتصل الأمور ليوم إعلان فوز محمد مرسي بمنصب رئيس مصر وهو ما اعتبره كثيرون أسوأ وأسود يوم فى تاريخ مصر المعاصر.

وجاء اليوم الذى حلم به الإخوان منذ أسس حسن البنا (ومن وراءه شركة قناة السويس والمخابرات البريطانية وسلطان نجد وملك الحجاز ) ففى 30 يونيه 2012 أصبح محمد مرسي وهو رجل بلا أي معني سوي كونه من إختاره المرشد العام للإخوان المسلمين ليكون رئيسا لمصر.

بعد أيام قليلة من هذا التاريخ جمعتنى مناسبة اجتماعية بأهم شخصين فى السفارة الأمريكية فى القاهرة وهما السفيرة ونائبها الذى يحمل لقب “نائب رئيس البعثة”. فى هذا اللقاء سألتهما عن سبب المدة الطويلة التى استغرقتها عملية فرز الأصوات وهل هناك احتمال ان تكون المدة قد طالت لإقناع المجلس الأعلي للقوات المسلحة بضرورة إعلان فوز محمد مرسي؟ وفأجأتنى السفيرة بقولها أن أحمد شفيق حصل بالفعل على أصوات أكثر مما حصل عليه محمد مرسي ولكن “ربنا ستر” واقنعنا كل الأطراف بأن إعلان فوز محمد مرسي سيجنب مصر حربا أهلية كانت ستؤدي لتدخل أمريكي عسكري! وكان ردي أن وصول الإخوان لحكم مصر هو الذى سيجلب الحرب الأهلية فروح مصر ونهج الإخوان متضادان بالطبيعة. فأخذت السفيرة الأمريكية تشرح بشكل مسهب كيف أن الإخوان قد أصبحو تيار سياسي معتدل وذكرت شيئا تحقق قبيل نهاية نفس العام (2012) عندما قالت : ان نضج وتطور الإخوان وصل لدرجة قبولهم بدولة إسرائيل بل وبتطوعهم لترويض “حماس” (الإسم الأصلي لحماس هو “الإخوان المسلمون فرع غزة” وتبدل ل “حماس” وهى إختصار “حركة المقاومة الإسلامية” فى 1986 وبتوجيه شخصي من شيمون بيريز رئيس وزراء اسرائيل الأسبق ورئيس دولة إسرائيل الآن).

وبالفعل فقد طور الإخوان المسلمون فى مصر إتفاق هدنة وعدم إعتداء (بأوسع تعريف متصور لتعبير “عدم الإعتداء”) بين منظمة حماس التى تحكم فى مقاطعة غزة وبين الحكومة الإسرائيلية ووقع المرشد العام للإخوان المسلمين فى مصر على هذا الإتفاق كضامن لإلتزام حماس بتنفيذ إتفاق عدم الإعتداء على إسرائيل. وهكذا بدأ حكم الإخوان المسلمين لمصر بتأييد أمريكي عارم وقبول من المجلس الأعلي للقوات المسلحة المصرية. وستمر سنوات لنعرف ما الذى حض المجلس على قبول هذه الضغوط : هل إقتنع المجلس بأن عدم تسليم حكم مصر للإخوان سيؤدي فعلا لحرب أهلية فى مصر؟ أم أن تهديدات أمريكية أقسي هى التى دفعت المجلس لقبول وصول الإخوان لحكم مصر؟ أم أن المجلس رأي أن وصول الإخوان لحكم مصر ليس من قبيل تسليم مصر للإخوان وإنما هو من قبيل تسليم الإخوان لمصر !…

ورغم أنني لا أستطيع أن أقدم بشكل موثق ما يثبت قناعتى فإن ضميري يفرض علي أن أقول أننى أعلم أن المجلس الأعلي للقوات المسلحة المصرية لم يكن يرغب على الإطلاق فى تسليم حكم مصر للإخوان. بل رفض رئيس المجلس العسكري فى مرحلة سابقة للإنتخابات الرئاسية فى 2012 إقتراحا من الأستاذ محمد حسنين هيكل بإسناد منصب رئيس وزراء مصر لمحمد مرسي، ويومها قال رئيس المجلس للأستاذ هيكل : “غير معقول أن أسلم الحكومة للإخوان”. ولكن هذا كان سابقا لوصول زخم الضغوط الأمريكية لما وصل له فى مايو ويونيه 2012.

وبعد ستة أسابيع من وصول محمد مرسي لرئاسة مصر قام برضاء أمريكي تام بإقصاء أهم شخصين فى القوات المسلحة المصرية وهما وزير الدفاع ورئيس الأركان وتم تعيين أصغر أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية اللواء (وقتها) عبد الفتاح السيسي وزيرا للدفاع وقائدا عاما للقوات المسلحة مع ترقيته لرتبة الفريق. ومنذ الأسابيع الأولي لتولي محمد مرسي منصب رئيس مصر بدأت مكتب الإرشاد وهو أعلى هيئة فى جماعة الإخوان المسلمين فى تنفيذ “خطة التمكين” التى قال المرشد السابق مهدي عاكف أنها تعني وجود شخصية إخوانية فى كل المواقع الهامة فى الدولة؛ وهو ما بدأت عملية تنفيذه بسرعة من الأيام الأولي لمحمد مرسي فى القصر الجمهوري. وقد أصاب تعيين بعض الشخصيات العارية من المؤهلات والقدرات عدا الإنتماء للجماعة ذهول المصريين ولا سيما عندما وضع الإخوان مسخا فى منصب وزير الإعلام ومسخا ثانيا فى منصب وزير الثقافة.

وضمن عملية التمكين أو بالأحري “أخونة مصر” تم سلق دستور 2012 الذى لا يدرك كل من له دراية بالدساتير انه كان دستورا يؤسس بجلاء لدولة غير مدنية بل لدولة دينية. وإستمرت عملية أخونة الدولة المصرية المتعجلة. وقبل نهاية سنة 2012 كان كل المصريين غير المنتمين لجماعة الإخوان قد وصلوا لقناعة بإستحالة ترك عملية أخونة الدولة المصرية لتكتمل لأن فى ذلك القضاء المبرم على روح مصر واستبدالها بروح أخري لا تتواءم مع المكونات التاريخية والثقافية والإجتماعية لأقدم دولة ومجتمع على سطح الكرة الأهلية. وكان وزير الدفاع عبدالفتاح السيسي من هؤلاء الذين إستشعروا خطورة ما يقوم به الإخوان. لذلك فقد قام بالدعوة لإجتماع تحضره كل ألوان الطيف الفكري والسياسي للتباحث. ولكن نائب المرشد (خيرت الشاطر) قام بإلغاء الإجتماع فى ذات اليوم الذى كان مقررا ان ينعقد فيه. وعندما وصلت رسالة الإخوان للمجتمع بانه لا مجال لمناقشة مع احد حول مجريات عملية أخونة مصر، لم يعد هناك بديل من التمرد والعصيان العام.

وبدأت الحشود الجماهيرية تتوالي تحت شعار “إرحل”. وعندما تواصل الصمم الإخوانى نبتت فكرة جمع توقيعات من المصريين الرافضين لحكم الإخوان. وبينما إتفق نائب المرشد خيرت الشاطر والسفيرة الأمريكية آن باتيرسون على أن عدد التوقيعات لن يتجاوز مليون او مليونين فقد فوجيء العالم بتجاوز عدد التوقيعات 20 مليونا… وهو ما أعطي المقاومة السياسية دفعة معنوية هائلة فقدمت لمحمد مرسي طلباتها والمتمثلة فى أن يجري إستفتاء شعبيا حول بقاءه او رحيله، او يدعو لإنتخابات رئاسية مبكرة، او أن يستقيل. وأمام رفضه للخيارات الثلاثة أعلنت القوي السياسية انها يتحشد الملايين فى العديد من مدن مصر للمطالبة برحيل الرئيس الإخواني وحددت يوم 30 يونيه 2013 لهذه الحشود، وهو اليوم الأخير فى سنة محمد مرسي الرئاسية الأولي. ومرة أخري تجتمع السفيرة الأمريكية بنائب المرشد ويتفقا على ان الحشود ستكون صغيرة ومحددودة وغير مؤثرة. بل ان السفيرة الأمريكية أبرقت يومها لحكومتها مؤكدة ان ميدان التحرير سيخلو قبل منتصف الليل من الحشود. ولكن الرياح تأتى بما لا تشتهيه سفن الإخوان وسفن الأمريكيين ! فقد إحتشد أكثر من ثلاثين مليون مصري ومصرية فى عدد كبير من مدن مصر فيما يمكن وصفه بأكبر ثورة شعبية فى العالم. يومها كان أمام الجيش المصري خياران لا ثالث لهما : إما أن يصمت ولا يكون له موقف مؤيد لجماهير الشعب المصري وهو ما يعنى قتال دموي فى شوارع مدن وقري مصر بين الرافضين لحكم الإخوان وبين ميليشيات الإخوان المسلحة والمدربة، وإما الإنحياز لجانب الشعب (كما فعل الجيش المصري منذ أسسه محمد علي منذ أكثر من قرنين)… وفى يوم 3 يوليو 2013 تناغم جيش مصر مع روحه وعقيدته الوطنية وإنحاز لجانب ملايين المصريين الذين كانوا هم من قرر الا يستمر حكم الإخوان لمصر….

تم القسم اﻷول وسيتبعه القسم الثانى عن مصر ما بعد 30 يونيه 2014.

This entry was posted in د.طارق حجى and tagged , , , . Bookmark the permalink.