أمريكا والإسلام السياسى

 د.رياض حسن محرم  رياض محرم

مرّة أخرى أذكّر بأن مصطلح “الاسلام السياسى” الذى يعارضه الإسلاميين بشدة باعتباره مصطلح غربى دخيل قصده تشويه مصطلحات أصلية مثل “تطبيق الشريعة” أو “الحكم بما أنزل الله”، أكرر بأن مصطلح الاسلام السياسى هو مصطلح سياسى واعلامى واكاديمى تم استخدامه لتوصيف حركات تغيير سياسية تؤمن بالاسلام باعتباره نظاما سياسيا للحكم، فالاسلام السياسى هو مجموعة من الأفكاروالأهداف النابعة من الإسلام ، وهذا المصطلح ظهر فى كتابات تؤرخ للحركات الإسلامية منذ السبعينات وتم اقراره فى الكتابات السياسية بعد احداث 11 سبتمبر ولكن حركات الإسلام ذات الصبغة السياسية يمكن إرجاعها الى زمن انهيار الخلافة العثمانية على يد اتاتورك وومحاولته إزالة جميع التطبيقات الاسلامية للدولة واكسابها طابعا أوروبيا خالصا شكلا ومضمونا فنشأت حركة ارتدادية مقاومة للأتاتوركية فى معظم الدول الاسلامية منها على سبيل المثال حركة “الجامعة الاسلامية” فى مصر التى من رموزها الزعيم الوطنى “مصطفى كامل”، وبعد حوالى 4 سنوات على الغاء الخلافة نشأت منظمة “الاخوان المسلمين” التى تدعو الى العودة للخلافة وتطبيق الشريعة وتكررت أكثر من محاولة لتنصيب خليفة للمسلمين.

لقد انقطع التهديد الحربى للغرب من جيوش الفتح والتوسع الاسلامى منذ القرن السابع تقريبا رغم بعض العمليات واحتلال دول اوروبية قام بها العثمانيين الاّ أن ذلك التهديد عاد بشكل أكثر قبحا وشراسة متمثلا بتنظيمات عنف جهادية كان جوهر اختلافها مع بعضها البعض حول “محاربة العدو القريب أو البعيد ” وتطور الأمر باندماج تنظيم الجهاد المصرى بقيادة الظواهرى مع تنظيم القاعدة بقيادة بن لادن ليشكلا معا التنظيم المعروف بالقاعدة “قاعدة الجهاد فى العالم الإسلامى” لتوجه حربها ضد العدو القريب فى الدول الاسلامية والعربية والبعيد فى نيويورك ودار السلام ونيروبى ومدريد ولندن دون تفرقة، ومن هذه الزاوية يمكن فهم توجه ما يعرف ب “المسيحيين الجدد والنيوليبرال” فى أمريكا بإعتبار الاسلام الأصولى هو العدو الأول للغرب والرأسمالية باعتبارها تمثل الحضارة الخاتمة ونهاية التاريخ بعد سقوط الاتحاد السوفيتى، واعتبروا أن الخطر الشيوعى قد إنتهى من وجهة نظرهم ولم تعد الماركسية أداة نضال ولكنها مجرد نظرية فلسفية لتفسيرالعالم كغيرها من الفلسفات، وأصبح العدو المباشرهم المسلمون الجهاديون الذين يعلنون ويمارسون العداء والحرب ضد الغرب والعالم بأكمله، وقد حاول بعض منظرى النيوامبريالية أمثال “هنتنجتون” و”برنارد لويس” اكساب الصراع طابعا دينيا باعتبار أن الحضارة الغربية بنيت على العقيدة المسيحية-اليهودية المتسامحة فى مقابل الاسلام السنى المتشدد بل اعتبر بعضهم ان تطبيق الديموقراطية فى البلدان الاسلامية يمثل خطرا لأنها مع مثل تلك الخلفية الفكرية للمجتمع لابد أن تأتى بالاسلاميين المتطرفين الى الحكم وأن هذه الخلفية الفكرية تفرز ما عرفته كتب التاريخ ب “الإستبداد الشرقى”.

لفهم أعمق للموقف الأمريكى من المنطقة يمكن الرجوع للوراء قليلا، فالادرات الامريكية المتعاقبة كانت تدعم وتتحالف مع أنظمة عربية ذات توجهات استبدادية تتبنى اقتصاد السوق ولا تعادى إسرائيل وتنزع الى اطار من الديموقراطية الشكلية من نوع ” خليهم يتسّلوا”، هذا الصنف من الحكام فشل فى الإصلاح من الداخل ولا يستطيع إحتواء الغضب الشعبى وكانت امريكا تخشى سقوط تلك الأنظمة دون أن تكون قد جهّزت البديل المناسب، وكان لابد الاّ تنتظر وأن تبحث بسرعة عن البديل قبل أن “تقع الفاس فى الراس”، وأكثر التخوفات الامريكية ما ذكره “مارتن إندك” ( أخطر شيئ هو وصول المتطرفين الذين يتسترون وراء العباءة الدينية والقومية للحكم وامكانية اشعالهم نيران الحرب فى المنطقة)، تلك الحقيقة التى أدركها وإلتقطها الإسلاميين وعلى رأسهم “الإخوان المسلمين” فبعثوا برسائل طمأنينة للغرب فى حال مساعدتهم للإمساك بالسلطة وعدم إعتراض سبيلهم اليها، ساعدهم فى إيصال رسالتهم الصعود السريع للإسلاميين بقيادة “اردوغان” فى تركيا وتقديمهم نموذجا للإسلام السنى المعتدل المتصالح مع الغرب وجاء التجاوب الأمريكى لفتح حوار معهم متذكرين تجربتهم مع الثورة الإسلامية فى ايران حيث أنهم لم يحاولوا مبكرا مد خيوط الحوار بينهم وبين الخومينى قبل الثورة، وبالرغم من إدراك أمريكا لحقيقة فقدان حلفائهم من الحكام بالمنطقة لشعبيتهم وتصاعد نذر الثورة عليهم الاّ أنها كانت تخشى من تبعات التغيير السريع وفتح ثغرة فى السد يمكن أن تحدث طوفانا، وإزاء تلك التطورات البنيوية فى العلاقات الاجتماعية وتعاظم دور الإسلام السياسى الراديكالى وأنه لا سبيل واقعى لوقف هذا المد الدينى لذا فقد وجدوا الحل من وجهة نظرهم بدعم المعتدلين الاسلاميين الذين يقبلون بالتعايش مع اسرائيل وينتهجون إقتصاد السوق الرأسمالى والحفاظ على الهيمنة الغربية.

وقد وجدوا فى الإخوان المسلمين غايتهم فهم يشكلون قوة تنظيمية كبيرة عدديا (عدة مئات من الالاف) متماسكة تنظيميا من خلال شكل هيراركى صلب له رأس وأذرع وأرجل يدين أعضائه بالسمع والطاعة لمرشدهم وخلال عدة عقود إستطاعوا التغلغل فى القواعد الشعبية المتدينة فطريا وعملوا على بناء إمبراطورية إقتصادية قوية متعددة الجنسيات على رأسها “بنك التقوى” فى جزر البهاماس وشركات توظيف الأموال فى مصر ، فى المقابل فإن اليسار بشكله التقليدى والمجموعات الشبابية المتمردة لا تملك قاعدة جماهيرية يحسب حسابها وتتحدد قدرته فى العمل التحريضى وتهييج الجماهير دون امكانيات فعلية للاستفادة من ذلك الفعل لضعف بنيته التنظيمية من جهة والانقسام والتشرذم الداخلى من جهة أخرى، بينما الليبراليين ليست لهم القوة الكافية كأحزاب وشخصيات للوصول الى السلطة ناهيك عن الحفاظ عليها، فى المقابل فإن العدو الإستراتيجى للولايات المتحدة المتمثل فى القاعدة والتنظيمات السلفية الجهادية لا تملك قاعدة انتخابية ولا تسعى اليها بل تعتمد على تجنيد شباب متعصب لحمل السلاح مشكلا مشاريع لانتحارييين وقد حلّوا محل الحركات الثورية اليسارية المسلحة، وبالرغم من أن جميع قادة هذه المنظمات الجهادية قد ولدت من رحم أفكار سيد قطب ومرّوا بطريقهم تنظيميا بالاخوان ” اسامة بن لادن وعبدالله عزام وايمن الظواهرى وغيرهم)، يبقى فى هذه المعادلة الجيش الذى يمثل القوة الأساسية فى تلك الدول والذى يعتبر رصيدا مضمونا لإستمرار النظام القائم، فالجيوش لا ترحب بالتغيير الاّ إذا حقق لها مكاسب مباشرة ولها تاريخ طويل من حماية الوطن بشكله الجغرافى لذا فإنها تتناقض تقليدا مع المنظمات العابرة للأوطان ويأتى فى المقدمة منها قوى الإسلام السياسى، والجيش الذى يمثل القوة المهيمنه والباطشة التى سقطت نسبيا من حسابات الغرب فى ثورة 30 يونيو التى شاركت فيها القوات المسلحة بدور رئيسى ودفعت لها بإنذار السبعة أيام ثم بتعهدها بتوفير غطاء للمتظاهرين فى 30 يونيو.

فى خطابه الشهير فى جامعة القاهرة ذكر أوباما كلمات عابرة ولكنه كان يمهد لتحولات السياسة الأمريكية فقال ( إننا سوف نرحب بجميع الحكومات السلمية المنتخبة بالمنطقة)، ويجب علينا أن نتذكر أن محاولات أمريكا لإستخدام المشروع الإسلامى فى المنطقة بدأ منذ محاولتها إقامة “الحلف الإسلامى” فى الخمسينات الذى يضم دولا اسلامية (تركيا – ايران – باكستان – مصر) مرورا باحتضانها لأكثر التيارات راديكالية دينية فى حربها ضد الإتحاد السوفييتى السابق على الأرض الأفغانية، على أن مرحلة المفاوضات المباشرة والجادة بدأتها أمريكا مع جماعة الإخوان منذ بدايات الألفية الجديدة وتمحورت حول عدة نقاط أبرزها الموقف من إسرائيل وحماية المصالح الأمريكية فى المنطقة والموقف من الديموقراطية والمرأة وتطبيق الشريعة وموقفهم من التنظيمات الارهابية، وحاول فيها الاسلاميين تسويق أنفسهم للأمريكان بأنهم الفصيل الأقوى والأقدر على صنع الإستقرار وحماية المصالح الامريكية وأمن إسرائيل ولجم حركة حماس فى غزة، وهذا ماكانت الادارة الامريكية تسعى اليه لإنقاذها من المأزق العراقى وتحقيق استقرار بالمنطقة يحمى مصالحها وهيمنتها، من هنا يمكن تفسير الغضب الامريكى الشديد ضد ماحدث فى مصر فى 30 يونيو وما تلاها من عزل مرسى والصراع مع الاخوان لأن ذلك أفسد عليهم مشروعهم الذى عكفوا عليه طويلا وهدد إستراتيجيتهم للهيمنة واعادة رسم خريطة المنطقة.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in د.رياض محرم and tagged , , . Bookmark the permalink.