فِي حَضْرَةِ المَواجِيْدِ والمَقَامَاتِ

د. بليغ حمدي إسماعيل بليغ

1 ـ التصوف والحرية:

أن تكون متصوفاً حقيقياً هذا أمر يستجلب شهودَ كثيرٍ من الرياضات النفسية والبدنية وإتمام الطاعات والتكليفات وإن بدا العبد مقصراً على الدوام، أما أن تستحيل بغير قصد إمام المتصوفين فهذا ضرب من الاستثناء الذي لا يُطلَبُ بل انفراد يُلصق بالمرء العابد الزاهد المنقطع للطاعات والعبادات والمستأنس بالله وحده، وربما يتختلف التصوف عن بقية التيارات الدينية المتسارعة والمضطرمة في شتى بقاع المعمورة في أنه لا يعترف بوجود منصب لأمير أو قائد أو رئيس له اللهم سوى اعتراف وئيد من بعض المريدين بقطب صوفي والالتزام بأقواله وأوراده ؛ لأن التصوف الإسلامي هو المعادل الموضوعي والطبيعي لمواضعة الحرية التي لا تقف عند حدود الاختيار الحر بين فعلين أو ذلك الاختيار ذي الدلالة القاصرة في الفهم والتأويل، لكنها حرية ذات طبيعة لها قدر من الخصوصية التي تعني التحرر من عبودية الشهوات واقتناص الحظ من الدنيا.

تماما مثلما أورد الإمام الحسن البصري قولته المشهورة ” فضح الموت الدنيا فلم يترك لذي لب فرحاً “، وحرية التصوف ذات السمة الاستثنائية لا تنفصل عن العبودية بل تقترن بها كما ذكر محي الدين بن عربي إمام العارفين بأن الحرية هي العبودية المطلقة، لذا فحينما يختار الصوفيون إماماً لهم فهم على قصد واعٍ بالاختيار المرادف للحرية والتي تعني خلاصهم من القيود والانعتاق بتحطيمها، وهو المقصود من قول الشريف الجرجاني في كتابه ” التعريفات ” وهو يستعرض مواضعة الحرية مشيراً إلى مقصودها عند الصوفية بقوله: ” التحرر من شهوات النفس، والتحرر عن كل ما سوى الله ؛ فهو تحرر من عبودية الدنيا، وعبودية النفس، وعبودية الشيطان، وهي الخروج عن رقِّ الكائنات، وقطع جميع العلائق والأغيار “.

2 ـ الولاية:

هذه الحرية في الاختيار، هي التي دفعت كثيراً من أقطاب التصوف إلى الإعلان بتنصيب شهاب الدين أبي حفص السهروردي إماماً لهم، وتكليفهم إياه بالولاية وهي من الولي الذي توالت طاعته الله دون أن يتخللها معصية، وتجئ المفردة أحياناً أخرى بمعنى من تولاه الله بإحسانه وفضله، وكما يشير أعلام الصوفية إلى مفهوم الولاية نقصد منهجهم بأنه سواء كانت الولاية بمعنى اسم الفاعل أو اسم المفعول فإنها تتضمن معنى القرب المستلزم للمحبة والمودة. فالولي هو من التزم بطاعات الله وأوامره ونواهيه، يقول الله تعالى في محكم التنزيل: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ). والله العزيز الحكيم يصف أولياءه في القرآن الكريم بصفتين وسمتين أساسيتين، يقول الله تبارك وتعالى عنهم ( الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ )، فالإيمان والتقوى أصلان رئيسان لولاية الله.

3 ـ مكانة السهروردي:

أما شهاب الدين السهروردي فنشأته بالقرب من العارفين والمتعبدين كفيلة بتحقيق ريادته ومكانته بين أقصاب الصوفية، فلقد صحب عمه أبا نجيب السهروردي وهو صاحب الكتاب الشهير والمعنون بـ ” آداب المريدين “، ثم صحب الشيخ عبد القادر الجيلاني وهو أحد أساطين التصوف في الإسلام ومؤسس الطريقة القادرية المعروفة، وبلغ السهروردي شأواً كبيراً في ميدان الوعظ والدعوة والإرشاد حتى التمس خطاه الخليفة الناصر من أجل مساعدته في تأييد الدولة العباسية التي كانت على وشك سقوطها التاريخي. بالإضافة إلى أن شهاب الدين السهروردي كما يشير جوزيبي سكاتولين قام بمهام دبلوماسية لدى حكام الدول المجاورة لفصاحة لسانه وقوة حجته ونصاعة نيته وسريرته، ولعل أشهر المقابلات التي أجراها شهاب الدين السهروردي هي المقابلة التي التقى فيها أثناء حجه إلى بيت الله الحرام مع سلطان العاشقين عمر بن الفارض.

ويختلف شهاب الدين السهروردي عن بقية أقرانه من أقطاب الصوفية في كتاباته، حيث نلمح أنه كثير الاهتمام بالجوانب العملية في حياة العبد بخلاف معظم الصوفيين الذين غرقوا في مجاهل التنظير وأدبيات الزهد، لذا فنجده في كتابه الماتع ” عوارف المعارف ” يقدم إرشادات للسالكين في حياتهم العملية، لذا اجتهد السهروردي في كتابه بشرح وتأويل الرياضات العملية كالاستماع والخلوة، بجانب تفصيل دقيق للأحوال والمقامات. واستمد كلامه من الكتب الصوفية المعروفة عند حديثه عن الخلوة والتي قصد بها ما أشار إليه نجم الدين كبرى بقوله: ” انقطاع من الخلق إلى الخالق، لأنه سفر النفس إلى القلب، ومن القلب إلى الروح، ومن الروح إلى السر، ومن السر إلى خالق الكل، ومسافة هذا بعيدة جدا إلى النفس، وقريبة جدا بالنسبة إلى الله “.

وما امتاز به شهاب الدين السهروردي في كتابه ” عوارف المعارف ” أنه انتهج المنحى العلمي والتوثيق في سرده لأخبار وأقوال الصوفيين، ولم يتبع الطريقة السائدة في كتب المتقدمين من حيث القول بحدثنا فلان أو ذكر لنا أحد الصالحين، بل يتعمد ذكر توثيق النقل عن طريق التواتر والتتابع لناقلي القول، كذلك امتاز شهاب الدين السهروردي بأنه من أقطاب الصوفيين الذين أجادوا في توثيق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وتتبع رواته، من مثل ذلك ما أورده حينما قال: ” أخبرنا الشيخ أبو زرعة طاهر بن أبي الفضل في كتابه قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن علي بن خلف الشيرازي إجازة قال: أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي قال: أخبرنا إبراهيم بن أحمد بن محمد بن رجاء قال: حدثنا عبد الله بن أحمد البغدادي قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا عمر بن راشد عن مالك بن أنس عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ): ” لكل شئ مفتاح ومفتاح الجنة حب المساكين والفقراء والصبر، هم جلساء الله يوم القيامة “، ثم يعقب على حديث أشرف الخلق بقوله: ” فالفقر كائن في ماهية التصوف، وهو أساسه، وبه قوامه “.

4 ـ التصوف عند السهروردي: السهروردي

ولعل انفراد شهاب الدين السهروردي بإمامة الصوفيين جاء أيضاً من قوة علمه وقدرته على مناقشة القضايا الرئيسة في التصوف ومنها قضية ماهية التصوف، ولعل أغلب أقطاب المتصوفين قاموا بخط أحوالهم ومقاماتهم بغير تعرض للموضوعات الأساسية في اتجاه التصوف الإسلامي، لكن السهروردي نجده يجوب هنا وهناك ليجمع كل ثمين في كل قضية يتناولها ثم يقوم بعرض رأيه وتجربته الخاصة. مثل لذلك ما عرضه السهروردي في مجمل حديثه عن التصوف والفقر، فنجده يعرض لبعض أقوال الصوفية عن التصوف والفقر مثل أبي الحسن النوري، ومعروف الكرخي، و رويم، والشبلي، وأبي محمد الجريري، ثم يردف تلك الإلماعات بنتائج تشير إلى رأيه، يقول: ” الفقير في فقره متمسك به، متحقق بفضله، يؤثره على الغنى، متطلع إلى ما تحقق من العوض عند الله حيث يقول رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ): ” يدخل فقراء أمتي الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم: وهو خمسمائة عام ” ( رواه الترمذي وقال حسن صحيح ).

ويكمل السهرودي حديثه عن ماهية التصوف واقترانه بالفقر بقوله: ” فكلما لاحظ العوض الباقي أمسك عن الحاصل الفاني، وعانق الفقر والقلة وخشي زوال الفقر لفوات الفضيلة والعوض، وهذا عين الاعتلال في طريق الصوفية لأنه تطلع إلى الأعواض، وترك لأجلها، والصوفي يترك الأشياء، لا للأعواض الموعودة، بل للأحوال الموجودة، فإنه ابن وقته “.

ولعل شهاب الدين السهروردي هو أفضل من صاغ تعريفاً رائعاً للصوفي، وجاءت مواضعته حول التعريف كونه مستقرئاً جيداً لما سطره السابقون عليه من تعريفات، وهو دائم الذكر لكل التعريفات المتضمنة بقضايا التصوف ويشبه في ذلك الباحث المجتهد الذي لا ينطلق إلى من خلال أساس متين وقوي، ويستهدف التراكم المعرفي، فيقول عن الصوفي: ” الصوفي هو الذي يكون دائم التصفية لا يزال يصفي الأوقات عن شوب الأكدار بتصفية القلب عن شوائب النفس، ويعينه على هذه التصفية دوام افتقاره إلى مولاه، فبدوام الافتقار ينقى من الكدر، وكلما تحركت النفس وظهرت بصفة من صفاتها أدركها ببصيرته النافذة وفر منها إلى ربه “.

5 ـ أحوال ومقامات:

التصوف في مجمله تجربة ذاتية استثنائية لا تتكرر أو تتشابه، وهذه التجربة تعتمد على القلب والبصيرة النافذة أو الحدس باختصار، وها هو أبو حامد الغزالي حجة الإسلام يعطي للقلب والحدس أهمية كبيرة في تحقيق المعرفة الصوفية، وشبه الغزالي المعرفة الصوفية بالحوض، وهذا الحوض يمكن أن يأتيه الماء من على سطحه بواسطة  الأنهار والأمطار وفي هذه الحالة لا يكون نقيا، وقد نسعى إلى حفر أعماق هذا الحوض ( البئر ) حتى نصل إلى الماء الصافي الموجود في عمق هذا البئر، عندئذ يكون الماء صافياً نقياً.

وحديث الحال والمقام يطول، فالحال باختصار شديد هو معنى يرد على القلب من غير تعمد من الصوفية ولا اجتلاب ولا اكتساب لهم، من طرب وحزن أو قبض أو شوق أو انزعاج، فالأحوال مواهب والمقامات مكاسب، والأحوال كما يشير فيصل عون تأتي من عين الوجود، والمقامات تحصل ببذل المجهود، وصاحب المقام ممكن في مقامه وصاحب الحال مترق عن حاله. والقاشاني يقول عن الأحوال: ” إن الأحوال هي المواهب الفائضة على العبد من ربه، إما واردة عليه ميراثاً للعمل الصالح المزكي للنفس، المصفى للقلب، وإما نازلة من الحق امتناناً محضاً، وإنما سميت أحوالاً لتحول العبد بها من الرسوم الخلقية ودركات البعد إلى الصفات الحقِّيَّةِ ودرجات القرب.

وحينما وجد شهاب الدين السهروردي لغطاً واسعاً بين المريدين في فهم أوجه الفرق بين الحال والمقام شرع إلى تبسيط الفروق بينهما، موضحاً اختلاف الشيوخ وأقطاب الصوفية في التلميح بهما وصعوبة التفريق بينهما لتشابهما في النفس، وكان من أوائل الذين أدركوا وجود ضوابط ومحكات حاكمة للتفرقة بين الثنائيات لاسيما التي تتعلق بالتصوف، وشدد على وجود ضابط يفرق بينهما، ويشير إلى ذلك بقوله: ” فالحال سمي حالاً لتحوله، والمقام مقاماً لثبوته واستقراره، وقد يكون الشئ بعينه حالاً ثم يصير مقاماً، مثل أن ينبعث من باطن العبد داعية المحاسبة، ثم تزول الداعية بغلبة صفات النفس ثم تعود ثم تزول، فلا يزال العبد حال المحاسبة يتعاهد الحال، ثم يحول الحال بظهور صفات النفس إلى أن تتداركه المعونة من الله الكريم، ويغلب عليه حال المحاسبة، وتنقهر النفس وتنضبط وتتملكها المحاسبة، فتصير المحاسبة وطنه ومستقره ومقامه “.

ثم يعرج شهاب الدين السهروردي إلى ما تداوله الصوفيون من الحديث عن أن المقامات مكاسب والأحوال مواهب وهو الحديث الأشهر في مجال التصوف، فيقول برأيه في هذا بقوله: ” المكاسب محفوفة بالمواهب، والمواهب محفوفة بالمكاسب، فالأحوال مواجيد، والمقامات طرق المواجيد “. ويشير السهروردي كثيراً إلى أن الأحوال مواهب سماوية علوية، وأن المقامات هي طرقها.

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in د. بليغ حمدي إسماعيل and tagged , , . Bookmark the permalink.