الاخونه

خليل كلفتخليل

لم تبدأ الأخونة بثورة يناير، ولا بوصول الإخوان إلى الحكم، بل بدأت قبل ذلك بكثير. ولا شك فى أن الأخونة تسارعت وتكثفت واتسع نطاقها خلال عام من حكم المرشد، باستخدام الرئاسة وسلطة الدولة. غير أن ذلك العام لا يمثل كل تاريخها. والحقيقة أن الأخونة كانت عملا مشتركا قام به الإخوان وساهمت فيه كل الرئاسات والحكومات السابقة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

والأخونة ليست ظاهرة سياسية منقطعة النظير. ذلك أن كل سلطة سياسية جديدة أو قوة سياسية صاعدة تقوم بما يناظر الأخونة، مهما كانت الأيديولوجيا السياسية التى تتبناها. ومن الأمثلة التى لا نهاية لها البلشفة عند بلاشفة روسيا، وإضفاء الطابع الشيعى الخمينى فى إيران، والطابع الفاشى والنازى فى إيطاليا الفاشية وألمانيا النازية، والعسكرة فى عهد عبد الناصر، وقبل ذلك الإدارة الاستعمارية البريطانية، وكل سلطة أو قوة سياسية جديدة فى كل مكان وفى كل زمان.

وقد نجحت الجماعة، رغم انكشافها منذ نشأتها وبداياتها الأولى كجماعة إرهابية ذات تنظيم عسكرى خاص، ورغم علاقاتها بالمحتل والقصر، ثم بالاستعمار الأمريكى، فى الممارسة التراكمية لأخونة ما قبل الوصول إلى السلطة، أىْ تطوير وتوسيع شعبية جماعة الإخوان المسلمين وقوتها الاقتصادية والسياسية والفكرية وهيمنتها وسيطرتها كأيديولوجية سياسية تسعى إلى التحول إلى الأيديولوجيا السائدة فى المجتمع كمقدمة ضرورية للاستيلاء على سلطة الدولة وتحقيق مشروع الدولة الدينية.

وإلى جانب الجهات الدولية والإقليمية المعنية، جاء الدعم الرئيسى للجماعة على الأخونة من الدولة المصرية ذاتها التى قامت بذلك بوسائل عديدة وأحيانا متضاربة. وإذا فكرنا فى عهود ما بعد يوليو 1952 وجدنا أن عبد الناصر قام، بعد تعاون قصير مع الجماعة رغم حظر الأحزاب الأخرى، بالحل الأمنى المتمثل فى مواجهة أمنية شاملة، فى سياق مصادرة الحياة السياسية والنقابية والصراع الفكرى، وهامشية المكاسب الفلاحية والعمالية. وقد استمرت هذه المصادرة المسماة بالديمقراطية الاجتماعية فى عهدىْ الرئيسين اللاحقين السادات و مبارك؛ رغم التعددية الحزبية الصورية التى اختفى تحت سطحها نظام الحزب الواحد.

ولا جدال فى أنه لا مناص من الحل الأمنى المباشر إزاء منظمة إرهابية. غير أن مصادرة الحياة السياسية والفكرية، والغياب التام لمعايير وتدابير مستويات من العدالة الاجتماعية، ساهما فى توسيع نطاق الأخونة. وحالما تراجع الحل الأمنى منذ منتصف السبعينات، عندما فتح السادات الباب واسعا أمام هذه الجماعة والجماعات الإرهابية الأخرى، بدأت وتطورت فى عهد السادات، ثم فى عهد مبارك، مرحلة جديدة كبرى من الأخونة فى الاقتصاد والسياسة، إلى أن صار للإخوان اقتصاد داخل الاقتصاد، ودولة داخل الدولة من خلال تغلغل نفوذهم الفكرى والسياسى والبرلمانى والنقابى والإدارى فى سياق نظام سياسى مترهل، ومتهادن رغم أخطار محدقة. وكان هذا يعنى أن الجماعة، على رأس جماعات أصولية إرهابية أخرى، نجحت فى تأسيس قطاع إسلاموى له وزنه، إلى جانب القطاع القومى، داخل الرأسمالية الكبيرة الحاكمة، فى دولة نصف مدنية ونصف دينية.

ومخطئ من يتصور أنه كان هناك تحالف إستراتيجى أو زواج كاثوليكى بين الدولة والإخوان. ذلك التعاون الفعلى ظل يختفى تحته صراع عميق بين قطاعين للرأسمالية الكبيرة. وقد شهدنا مثالا نموذجيا لهذا الصراع فى انتخابات نوفمبر وديسمبر 2010 البرلمانية، التى قامت بالإقصاء التام للجماعة، قبل الثورة بشهر واحد.

وينبع مثل هذا التصور من عدم إدراك حقيقة التناقضات العميقة التى تقوم داخل كل طبقة حاكمة، رأسمالية أو غير رأسمالية، فى كل مكان وزمان، رغم أىّ تعاون أو تهادن أو حتى تحالف مرحلى مخطط. وفى عهد مبارك كانت الجماعة هى القوة الصاعدة الفعالة فى سياق ركود وترهل وقصر نظر النظام. ولا شك فى أن المخططات الإخوانية للانقضاض على سلطة مبارك كانت جاهزة، ولم يقطع الطريق عليها سوى ثورة يناير المجيدة رغم كل تعرجاتها ومنعطفاتها وانحرافاتها، فكانت المنقذة من مشروع الدولة الدينية الإخوانية.

وتمثلت إستراتيجية المؤسسة العسكرية فى العمل على تفادى حرب أهلية مدمرة فى مصر. ولهذا تخلت عن مبارك تحت ضغط الثورة، وخططت لتحالفات مرحلية مع الإخوان المسلمين. ذلك أن “تحييد” الإخوان كان ضروريا، فى سياق انهيار مؤسسات الدولة فى بداية الثورة وفى سنواتها الأولى، للحيلولة دون قيامهم بإشعال حرب أهلية شاملة. ورغم الصراع العميق حدث تحالف اضطرارى مخطط بين الجيش والإخوان، وكان لا مناص من دفع ثمن التحالف مع الإخوان. وهكذا سيطروا على البرلمان بمجلسيه وفرضوا الدستور الإخوانى فى أعقاب تولية رئاسة الجمهورية للدكتور محمد مرسى متمتعا بسلطة التشريع بعد قيام المجلس العسكرى بحلّ برلمانهم. وبكل هذا اكتملت حلقات دائرة الأخونة التى تسارعت بسرعة جنونية فى سياق صراع مرير بينهم وبين المؤسسة العسكرية فى اتجاه مرحلة لاحقة من الأخونة والتمكين. وكان كل من الفريقين يستعد للانقضاض على الفريق الآخر. وهنا وفّرت الموجة الكبرى لثورة يناير فى يونيو 2013 شرطا مواتيا تماما لتدخل الجيش لاستعادة السلطة، ولولا تلك الموجة الثورية فإنه كان لا مناص من أن يضطر الجيش إلى التدخل لإسقاط حكم المرشد دون غطاء شعبى. وكانت الإطاحة بذلك الحكم مسألة حياة أو موت فى نظر الجيش، فالجيش الذى أدرك خطورة الحرب الأهلية على الدولة ومجتمعها، أدرك أيضا جوهر الأخونة بوصفها إحلال دولة إخوانية بمؤسساتها ورجالها محل الدولة بمؤسساتها ورجالها أنفسهم، وإحلال الاقتصاد الإخوانى محل الاقتصاد بمؤسساته ورجاله أنفسهم، وكان هذا يعنى إرسال قيادات مؤسسات الدولة والاقتصاد إلى المعتقلات والإعدامات والمنافى.

وكانت السرعة الجنونية للأخونة، لأسباب شتى، هى التى سارعت بهزيمة الإخوان المسلمين فى النهاية.

وكان لا مناص من قيام الجيش بإسقاط مشروع دولة الأصولية الإسلاموية الإرهابية.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Religious Fundamentalism الآًصولية الدينية and tagged , . Bookmark the permalink.