من دفتر إنكسار أهلك يا مصر

محمد حسين يونسمحمد حسين

يكتب الاستاذ سليم حسن في موسوعته الرائعة عن تاريخ مصر انه منذ نهاية باكورة القرن السادس عشر قبل الميلاد و حتي بداية القرن الحادى عشر ق.م ((كان كل العالم المتمدن يعيش تحت سيطرة حكام مصر ))

ولكن ((عوامل الوهن و الضعف و الدعة أخذت تدب في اوصال الشعب المصرى عندما جنح حكامه الي حياة الترف و الرفاهية وذلك في الفترة التي بدات امم فتية لم يدنسها الترف تظهر ومن ثم أخذت بوادر الاضطرابات و الفتن السياسية والدينية في أرجاء الامبراطورية مما أدى الي إنحلالها و تفككها فلم يسع الحكام امام تلك الحالة المنذرة الا إستعمال الجنود المرتزقة لقمع الفتن ثم حماية البيت المالك نفسه ))

وقد كان من جراء هذا ((ان وطد المرتزقة اقدامهم في طول البلاد وعرضها و إنتهي بهم الامر الي إنتزاع السلطة من الفرعون و تولي احدهم (شيشنق ) حكم البلاد مكونا الاسرة الثانية و العشرين ثم تعاقب علي حكم البلاد اغراب من المرتزقة حتي أنه في نهاية حكم هذه الاسرة كان سكان وادى النيل ينحدر بهم الحال متجهون نحو الهاوية لما اصاب إمبراطوريتهم من شيخوخة طاحنة و إنحلال تمثل بصورة مزعجة في رجال الدين الذين كان جل همهم جمع المال و السلطان في ايديهم بما لهم من نفوذ جارف علي نفوس الشعب الساذج ))

يكتب سليم حسن ((لن نكون مبالغين إذا قررنا أن تغلغل السلالات الاجنبية في ارجاء البلاد و إستيلاء أسرهم علي زمام الحكم منذ الاسرة الثانية و العشرين كان السبب الرئيسي في ضياع الامبراطورية و خرابها ))

(بسمتيك) مؤسس الاسرة السادسة و العشرين طرد الاجانب المحتلون ((و سار بالبلاد الي الفلاح والواقع أنه يعد من دعاة النهضة و بعث مجدها من جديد إذ نجده قد إستمر في إعادة علوم وفنون وثقافة وفلسفة البلاد القديمة حتي جعلها قبلة العلم و المعرفة… يضاف الي ذلك أنه قد فتح أبوابها لكل طالب خاصة أنه كان في حاجة الي تكوين جيش قوى يدفع به في وجه الممالك الفتية الناشئة .. ولقد كان له ما اراد تدفق علي مصر الجنود المرتزقة من بلاد الاغريق و (كاريا ) باسيا الصغرى وقد عرفوا بشجاعتهم و مهارتهم في فنون الحرب وحسن التسلح هذا الي أن الشعب الاغريقي منذ أقدم العصور كان مرتبطا بمصر و يعتقد انها أم الحضارات و العلوم ..فلما اتاح لهم بسمتيك ..وفد اليها جمع غفير من طلاب العلم و المعرفة وأخذوا ينهلون من حياضها و ينقلون الي بلادهم كل ما تعلموه ومن ثم كانت المعرفة المصرية النواة الاساسية التي نشأ عليها العلم الاغريقي و المعرفة الاغريقية في كل مظاهرها ))

ومع ذلك فلقد كسر الفرس الجنود المرتزقة و إحتلوا مصر525 ق.م فواجههم المصريون بثورات متعددة حتي طرد ((امير تاوس )) الفرس عام 404 ق.م و اسس الاسرة الثامنة و العشرين التي اعادت لمصر بعض من مجد إستمر خلال الاسرتين التاسعة و العشرين و الثلاثين. يكتب سليم حسن ((يرجع السبب في ذلك الي إنصراف الفرس عن مصر بحروبها مع بلاد الاغريق هذا فضلا عن أن دويلات الاغريق أخذت تتحالف مع مصر خاصة اثينا و تمد اليها يد المساعدة عند اى محاولة فارسية للغزو ومن أجل ذلك كانت تسمح عن طيب خاطر لابنائها الشجعان بالانخراط في سلك الجيش المصرى بوصفهم جنودا مرتزقة مدربين علي احدث فنون القتال )).

حوالي عام 341 ق.م إنتهت مقاومة جيش مصر المكون من المرتزقة وإنهزم امام الغزو الفارسي بقيادة قمبيز. لتتوالي علية بعد ذلك قوات الاحتلال المختلفة حتي زمننا هذا .

من ما قدمه لنا هذا العظيم (سليم حسن )فإن مصر لم تسقط فجأة لقد توالت الاحداث منذ الاسرة 22 حتي الاسرة 30 في تطور منطقي .. بدأ باسترخاء الترف و الغني .. ثم زيادة نفوذ الكهنة و شرههم و تجميعهم للاموال ثم السلطة .. و إنفصام العلاقة مع الشعب و الاستعانة بالمرتزقة ثم هزائم و تحرر واحتلال و ثورات .. ومع كل نهضة من كبوة يستخدم الحكام مرتزقة ويهمشون المصريين حتي دل مرتزق يهودى (احد قادة جيش مصر )قمبيز علي دفاعات المصريين فسقطوا دون قيام .

جمال حمدان فارس اخر من فرسان عشق مصر كتب في ((شخصية مصر ))الجزء الثاني ((في اخريات العصر الفرعوني حين أخذت بعض الاسرات تعتمد علي الجنود المرتزقة إزداد تدفق الاجانب خاصة من حوض البحر الابيض الشرقي و جزائره و بالاخص الاغريق الذين يرقي ظهورهم الي القرن ال6 ق.م علي الاقل اى ثلاثة قرون قبل الاسكندر و الذين أقاموا بصفة اساسية في مدن الدلتا وتحت الاسرة 26 كان بسماتيك أكبر من شجع اليونانيين علي الهجرة الي مصر لمساعدته في حروبه الداخلية ومنح الجنود منهم اراض يزرعونها و يسر للتجار منهم سبل الاقامة ))

التسلل الاغريقي لم يلبث أن تحول الي غزو ،فهجرة مع الاسكندر نفسه و البطالسة(( او كما ذكر (جوجيه ) شهدت مصر في القرن الثالث قبل الميلاد هجرة يونانية قوية و حقيقية )).

(( في نهاية العصر البطلمي تراخت هذه الهجرة لكن بعد ان كانت قد حققت حجما مؤثرا بالفعل وتحولت الي إستعمار إستيطاني ))

يجمع كل من الاستاذين (سليم ) و (جمال ) علي ان الاستعار الاستيطاني اليوناني كان له وقعا خطيرا علي المجتمع المصرى (( تجلي خطره فيما حدث بالنسبة للغة المصريين فالطبقة الحاكمة البطلمية كانت تتكلم و تكتب اليونانية واصرت علي ان تكون المعاملات مع الحكومة بتلك اللغة وعلي الجانب الاخر كان المصريون يتكلمون ويكتبون الديموطيقية وهكذا إستعان المصريون بالمترجمين لكتابة عرائضهم و اهملوا تعلم لغتهم الديموطيقية . ))

(( في البداية كانت الوثائق تكتب باللغتين ثم إنكمشت فلقد كانت لغتهم علي جانب عظيم من التعقيد و الصعوبة خاصة ان تعليمها كان يكلف مصاريف طائلة يعجز معظم الشعب المستنفذ امواله ان يفي بها ))..

رويدا رويدا حلت لغة الحكومة محل لغة الشعب حتي ذلك اليوم الذى لم يعد هناك من يستطيع كتابتها او قراءتها من اهل مصر رغم كونهم يتكلمونها .

ادى هذا الي ما يشبه الانفصام والذى أصبح بعد ذلك سمة من سمات المصريين حتي زمن قريب عندما كانت الارستقراطية تتكلم التركية ثم الفرنسية فالانجليزية في حين كان الشعب يتكلم العامية و ينحت كل يوم معاني جديدة تسود بين شبابه .

كتب سليم حسن (( وهكذا لم يعد لمصر أداة إيضاح صالحة تهيء لها مخاطبة العالم خارج حدودها مباشرة ..فلقد كانت الهيروغليفية و الديموطيقية لغة ليست بالبساطة التي تسمح لها ان تكون عالمية )).

أى انه منطقيا أصبحت الطبقة الحاكمة البطلسية هي القادرة علي توصيل مقالها في حين سكت الصوت المصرى .

مقال الطبقة الحاكمة اليونانية إحتوى علي إنجازات مدينة الاسكندرية التي أصبحت موطنا جديدا للعلوم و تأسس بها (الميوزيون )اى اكاديمية العلوم و كان من نتاج ذلك منذ زمن بطليموس الثاني نمو عظيم في علوم الرياضة و الميكانيكا و الفلك و الطب ((ورغم انها قدمت باليونانية الا انها كانت اساسا مصرية تم ترجمتها لوضع دور مصر في تاريخ علوم العالم في الظل )).

اليهود في ذلك الزمن قاموا بدور ملحوظ في تعميق الانفصام فلقد هاجروا باعداد كبيرة في إتجاه الاسكندرية وتكلموا باللغة الاغريقية بل أصدروا اول توراة باللغة اليونانية هناك وتسموا باسماء يونانية وعملوا في جميع الاعمال العقلية و الذهنية و التجارية منحيين المصريين مقدمين انفسم للحكام كبدائل جاهزة .

اما الفلاح المصرى الذى أطلق عليه الاغريق (لاوى ) اى الطبقة الدنيا او الكادحة فقد كان لا يعرف القراءة او الكتابة بأى من اللغتين ولكنه ظل مصريا أى ((مرتبطا بالحلقات المستمرة من الماضي السحيق التي تربط ابناء الشعب بعضهم ببعض من حيث العادات و الاخلاق و المحافظة علي القديم عاملا في الارض لتوفير نفقات إنشاء الجيوش و الاساطيل و مد الطبقات الحاكمة بكل اسباب الرفاهية و الترف )).

((ومن ثم اصبح تاريخ الشعب المصرى مجهولا للعالم بصورة بينة إذا ما قورن بما نعرفه عن تاريخ مصر الهيلانستيكية و لا غرابة في ذلك فقد كان في أيدى الباحثين في تاريخ مصر في هذا الزمن أكثر من ثلاثين الف بردية إغريقية خاصة بتاريخ الاغريق في الديار المصرية في حين أن ما لدينا الان من الاوراق الديموطيقية لا يتعدى الالفين و هذا العدد ان كان في ظاهره قليل الا انه يعبر عن الواقع مع ما كان للحكام الاغريق من قوة و سلطان في البلاد و ما كان عليه اهل البلد من ضعف و استكانة و انزواء و عدم مشاركتهم الاغريق في حكم البلاد )) .

وإنطفأت الاضواء تدريجيا عن تاريخ مصر و حضارتها بعد ان افقدت نفسها وسيلة التعبير عنها لغتها الديموطيقية ليظهر جنس اخر من المصريين منبت الصلة بكل ما كتب الاجداد .

لقد كان هذا اول الانكسارات الكبرى في تاريخ مصر كتبه العاقلون من الابناء و لم يعد يهم المحدثين بعد أن شغلتهم الالعاب البهلوانية التي يطلقها كهنة العصر الجديد و مرتزقته .

 

هذه السلسلة التي ساوالي نشرها أكتبها بعد مناقشة طويلة مع الصديقين مختار و إدوارد تعليقا علي أن العقلاء يتعلمون من السقوط اكثر من النجاح .. وبلدنا سقطت منذ 2500 سنة اى عام 341 ق.م سقوطا طويلا إنتهي بابناءها الي إنكار عظمة الاجداد و الانتماء الي ثقافة محتلة غريبة .

 

يكتب الاستاذ سليم حسن في موسوعته الرائعة عن تاريخ مصر انه منذ نهاية باكورة القرن السادس عشر قبل الميلاد و حتي بداية القرن الحادى عشر ق.م ((كان كل العالم المتمدن يعيش تحت سيطرة حكام مصر ))

ولكن ((عوامل الوهن و الضعف و الدعة أخذت تدب في اوصال الشعب المصرى عندما جنح حكامه الي حياة الترف و الرفاهية وذلك في الفترة التي بدات امم فتية لم يدنسها الترف تظهر ومن ثم أخذت بوادر الاضطرابات و الفتن السياسية والدينية في أرجاء الامبراطورية مما أدى الي إنحلالها و تفككها فلم يسع الحكام امام تلك الحالة المنذرة الا إستعمال الجنود المرتزقة لقمع الفتن ثم حماية البيت المالك نفسه ))

وقد كان من جراء هذا ((ان وطد المرتزقة اقدامهم في طول البلاد وعرضها و إنتهي بهم الامر الي إنتزاع السلطة من الفرعون و تولي احدهم (شيشنق ) حكم البلاد مكونا الاسرة الثانية و العشرين ثم تعاقب علي حكم البلاد اغراب من المرتزقة حتي أنه في نهاية حكم هذه الاسرة كان سكان وادى النيل ينحدر بهم الحال متجهون نحو الهاوية لما اصاب إمبراطوريتهم من شيخوخة طاحنة و إنحلال تمثل بصورة مزعجة في رجال الدين الذين كان جل همهم جمع المال و السلطان في ايديهم بما لهم من نفوذ جارف علي نفوس الشعب الساذج ))

يكتب سليم حسن ((لن نكون مبالغين إذا قررنا أن تغلغل السلالات الاجنبية في ارجاء البلاد و إستيلاء أسرهم علي زمام الحكم منذ الاسرة الثانية و العشرين كان السبب الرئيسي في ضياع الامبراطورية و خرابها ))

(بسمتيك) مؤسس الاسرة السادسة و العشرين طرد الاجانب المحتلون ((و سار بالبلاد الي الفلاح والواقع أنه يعد من دعاة النهضة و بعث مجدها من جديد إذ نجده قد إستمر في إعادة علوم وفنون وثقافة وفلسفة البلاد القديمة حتي جعلها قبلة العلم و المعرفة… يضاف الي ذلك أنه قد فتح أبوابها لكل طالب خاصة أنه كان في حاجة الي تكوين جيش قوى يدفع به في وجه الممالك الفتية الناشئة .. ولقد كان له ما اراد تدفق علي مصر الجنود المرتزقة من بلاد الاغريق و (كاريا ) باسيا الصغرى وقد عرفوا بشجاعتهم و مهارتهم في فنون الحرب وحسن التسلح هذا الي أن الشعب الاغريقي منذ أقدم العصور كان مرتبطا بمصر و يعتقد انها أم الحضارات و العلوم ..فلما اتاح لهم بسمتيك ..وفد اليها جمع غفير من طلاب العلم و المعرفة وأخذوا ينهلون من حياضها و ينقلون الي بلادهم كل ما تعلموه ومن ثم كانت المعرفة المصرية النواة الاساسية التي نشأ عليها العلم الاغريقي و المعرفة الاغريقية في كل مظاهرها ))

ومع ذلك فلقد كسر الفرس الجنود المرتزقة و إحتلوا مصر525 ق.م فواجههم المصريون بثورات متعددة حتي طرد ((امير تاوس )) الفرس عام 404 ق.م و اسس الاسرة الثامنة و العشرين التي اعادت لمصر بعض من مجد إستمر خلال الاسرتين التاسعة و العشرين و الثلاثين. يكتب سليم حسن ((يرجع السبب في ذلك الي إنصراف الفرس عن مصر بحروبها مع بلاد الاغريق هذا فضلا عن أن دويلات الاغريق أخذت تتحالف مع مصر خاصة اثينا و تمد اليها يد المساعدة عند اى محاولة فارسية للغزو ومن أجل ذلك كانت تسمح عن طيب خاطر لابنائها الشجعان بالانخراط في سلك الجيش المصرى بوصفهم جنودا مرتزقة مدربين علي احدث فنون القتال )).

حوالي عام 341 ق.م إنتهت مقاومة جيش مصر المكون من المرتزقة وإنهزم امام الغزو الفارسي بقيادة قمبيز. لتتوالي علية بعد ذلك قوات الاحتلال المختلفة حتي زمننا هذا .

من ما قدمه لنا هذا العظيم (سليم حسن )فإن مصر لم تسقط فجأة لقد توالت الاحداث منذ الاسرة 22 حتي الاسرة 30 في تطور منطقي .. بدأ باسترخاء الترف و الغني .. ثم زيادة نفوذ الكهنة و شرههم و تجميعهم للاموال ثم السلطة .. و إنفصام العلاقة مع الشعب و الاستعانة بالمرتزقة ثم هزائم و تحرر واحتلال و ثورات .. ومع كل نهضة من كبوة يستخدم الحكام مرتزقة ويهمشون المصريين حتي دل مرتزق يهودى (احد قادة جيش مصر )قمبيز علي دفاعات المصريين فسقطوا دون قيام .

جمال حمدان فارس اخر من فرسان عشق مصر كتب في ((شخصية مصر ))الجزء الثاني ((في اخريات العصر الفرعوني حين أخذت بعض الاسرات تعتمد علي الجنود المرتزقة إزداد تدفق الاجانب خاصة من حوض البحر الابيض الشرقي و جزائره و بالاخص الاغريق الذين يرقي ظهورهم الي القرن ال6 ق.م علي الاقل اى ثلاثة قرون قبل الاسكندر و الذين أقاموا بصفة اساسية في مدن الدلتا وتحت الاسرة 26 كان بسماتيك أكبر من شجع اليونانيين علي الهجرة الي مصر لمساعدته في حروبه الداخلية ومنح الجنود منهم اراض يزرعونها و يسر للتجار منهم سبل الاقامة ))

التسلل الاغريقي لم يلبث أن تحول الي غزو ،فهجرة مع الاسكندر نفسه و البطالسة(( او كما ذكر (جوجيه ) شهدت مصر في القرن الثالث قبل الميلاد هجرة يونانية قوية و حقيقية )).

(( في نهاية العصر البطلمي تراخت هذه الهجرة لكن بعد ان كانت قد حققت حجما مؤثرا بالفعل وتحولت الي إستعمار إستيطاني ))

يجمع كل من الاستاذين (سليم ) و (جمال ) علي ان الاستعار الاستيطاني اليوناني كان له وقعا خطيرا علي المجتمع المصرى (( تجلي خطره فيما حدث بالنسبة للغة المصريين فالطبقة الحاكمة البطلمية كانت تتكلم و تكتب اليونانية واصرت علي ان تكون المعاملات مع الحكومة بتلك اللغة وعلي الجانب الاخر كان المصريون يتكلمون ويكتبون الديموطيقية وهكذا إستعان المصريون بالمترجمين لكتابة عرائضهم و اهملوا تعلم لغتهم الديموطيقية . ))

(( في البداية كانت الوثائق تكتب باللغتين ثم إنكمشت فلقد كانت لغتهم علي جانب عظيم من التعقيد و الصعوبة خاصة ان تعليمها كان يكلف مصاريف طائلة يعجز معظم الشعب المستنفذ امواله ان يفي بها ))..

رويدا رويدا حلت لغة الحكومة محل لغة الشعب حتي ذلك اليوم الذى لم يعد هناك من يستطيع كتابتها او قراءتها من اهل مصر رغم كونهم يتكلمونها .

ادى هذا الي ما يشبه الانفصام والذى أصبح بعد ذلك سمة من سمات المصريين حتي زمن قريب عندما كانت الارستقراطية تتكلم التركية ثم الفرنسية فالانجليزية في حين كان الشعب يتكلم العامية و ينحت كل يوم معاني جديدة تسود بين شبابه .

كتب سليم حسن (( وهكذا لم يعد لمصر أداة إيضاح صالحة تهيء لها مخاطبة العالم خارج حدودها مباشرة ..فلقد كانت الهيروغليفية و الديموطيقية لغة ليست بالبساطة التي تسمح لها ان تكون عالمية )).

أى انه منطقيا أصبحت الطبقة الحاكمة البطلسية هي القادرة علي توصيل مقالها في حين سكت الصوت المصرى .

مقال الطبقة الحاكمة اليونانية إحتوى علي إنجازات مدينة الاسكندرية التي أصبحت موطنا جديدا للعلوم و تأسس بها (الميوزيون )اى اكاديمية العلوم و كان من نتاج ذلك منذ زمن بطليموس الثاني نمو عظيم في علوم الرياضة و الميكانيكا و الفلك و الطب ((ورغم انها قدمت باليونانية الا انها كانت اساسا مصرية تم ترجمتها لوضع دور مصر في تاريخ علوم العالم في الظل )).

اليهود في ذلك الزمن قاموا بدور ملحوظ في تعميق الانفصام فلقد هاجروا باعداد كبيرة في إتجاه الاسكندرية وتكلموا باللغة الاغريقية بل أصدروا اول توراة باللغة اليونانية هناك وتسموا باسماء يونانية وعملوا في جميع الاعمال العقلية و الذهنية و التجارية منحيين المصريين مقدمين انفسم للحكام كبدائل جاهزة .

اما الفلاح المصرى الذى أطلق عليه الاغريق (لاوى ) اى الطبقة الدنيا او الكادحة فقد كان لا يعرف القراءة او الكتابة بأى من اللغتين ولكنه ظل مصريا أى ((مرتبطا بالحلقات المستمرة من الماضي السحيق التي تربط ابناء الشعب بعضهم ببعض من حيث العادات و الاخلاق و المحافظة علي القديم عاملا في الارض لتوفير نفقات إنشاء الجيوش و الاساطيل و مد الطبقات الحاكمة بكل اسباب الرفاهية و الترف )).

((ومن ثم اصبح تاريخ الشعب المصرى مجهولا للعالم بصورة بينة إذا ما قورن بما نعرفه عن تاريخ مصر الهيلانستيكية و لا غرابة في ذلك فقد كان في أيدى الباحثين في تاريخ مصر في هذا الزمن أكثر من ثلاثين الف بردية إغريقية خاصة بتاريخ الاغريق في الديار المصرية في حين أن ما لدينا الان من الاوراق الديموطيقية لا يتعدى الالفين و هذا العدد ان كان في ظاهره قليل الا انه يعبر عن الواقع مع ما كان للحكام الاغريق من قوة و سلطان في البلاد و ما كان عليه اهل البلد من ضعف و استكانة و انزواء و عدم مشاركتهم الاغريق في حكم البلاد )) .

وإنطفأت الاضواء تدريجيا عن تاريخ مصر و حضارتها بعد ان افقدت نفسها وسيلة التعبير عنها لغتها الديموطيقية ليظهر جنس اخر من المصريين منبت الصلة بكل ما كتب الاجداد .

لقد كان هذا اول الانكسارات الكبرى في تاريخ مصر كتبه العاقلون من الابناء و لم يعد يهم المحدثين بعد أن شغلتهم الالعاب البهلوانية التي يطلقها كهنة العصر الجديد و مرتزقته .

 

هذه السلسلة التي ساوالي نشرها أكتبها بعد مناقشة طويلة مع الصديقين مختار و إدوارد تعليقا علي أن العقلاء يتعلمون من السقوط اكثر من النجاح .. وبلدنا سقطت منذ 2500 سنة اى عام 341 ق.م سقوطا طويلا إنتهي بابناءها الي إنكار عظمة الاجداد و الانتماء الي ثقافة محتلة غريبة

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in محمد حسين يونس and tagged . Bookmark the permalink.