مصر فى عصرالنهضة والمرأة : 2- هدى شعراوى

طلعت رضوانطلعت رضوان

تحكى هدى شعرواى (1879- 1947) فى مذكراتها أنها عندما قّرّرتْ الخروج إلى الأسواق لشراء احتياجاتها بنفسها ، كان رد فعل أهلها كأنها ((خالفتْ قوانين الشريعة)) وحكتْ عن صديقة أرسلتْ لها خطابًا ذكرتْ فيه أنها اكتشفتْ أنّ زوجها مِزواج ((وأنه من كثرة زواجه لا يعلم عدد من تزوّج منهنّ وكذا لا يعرف أولاده ، فطلبتُ طلاقى بشرط أنْ أبقى مع ابنى حتى يبلغ سن الحضانة فقبل ذلك)) وعن إنشاء الجامعة الأهلية ذكرتْ أنّ الفكرة بدأتْ عام 1905 عندما نشرتْ الصحف عدة مقالات لبعض المفكرين عن أيهما أنفع لمصر: الكتاتيب أم مدارس كلية عالية ؟ ومن هنا بدأتْ فكرة التبرع لإنشاء الجامعة الأهلية. وقد بادر المرحوم أحمد باشا شفيق فاكتتب بخمسمائة جنيه بعد نشر نداء فى الصحف يوم 30/9/1906 وكان فى مقدمة المُتبرعين الأميرة فاطمة كريمة الخديو إسماعيل التى تبرّعتْ بستة أفدنة وأوقفتْ ستمائة فدان ليُصرف من إيرادها على شئون الجامعة ، بالإضافة إلى جواهر قيمتها ثمانية عشر ألف جنيه. وتم افتتاح الجامعة يوم 21/12/1908)) وعن زيارتها لباريس كتبتْ ((أعجبتُ بباريس ، ليس فقط لجمال مبانيها واتساع شوارعها وتنظيم ميادينها وتنسيق متنزهاتها وحسن هندام أهلها ، وإنما أيضًا لأنّ الإنسان يجد فى كل خطوة فيها ما يُغذى عقله ويُوسّع خياله ويُنمى مداركه ومواهبه. ويشب الطفل الفرنسى ملمًا بتاريخ بلاده قبل أنْ يدخل المدارس ويتعلم هذا التاريخ من الكتب ، ولهذا تراه فخورًا بتاريخها المجيد)) (مذكرات هدى شعرواى- ثلاثة أجزاء- دار المدى للثقافة والنشر- عام 2003)

فى الجزء الثانى من مذكراتها حكتْ عن يوم تشييع جنازة ملك حفنى ناصف (21 أكتوبر 1918) فقالت أنها عندما وصلتْ إلى منزل الراحلة ((كان نعشها يختصر علينا الطريق ويُقابلنا ملفوفــًا بالعلم المصرى وتسير خلفه جماهير المُشيعين)) وكان التأبين فى الجامعة المصرية. وعندما اندلعتْ أحداث ثورة 19 اشتركتْ هدى شعراوى وغيرها من السيدات فى أحداث الثورة فكتبتْ عنها ((كنا نزكى نار الغيرة فى قلوب الرجال والنساء ونواسى أهالى المُصابين برصاص الإنجليز ونزور الجرحى ونمد يد المساعدة للفقراء)) وكتبتْ عن إضراب الموظفين عن العمل فى دواوين الحكومة وضغط الإنجليز لإنهاء الإضراب . وقد حاولتْ وزارة رشدى باشا أنْ تنصحهم بالعودة إلى العمل فثاروا ونادوا بسقوطها ((وقمنا نحن السيدات نؤيد هذا الإضراب ونـُشجع الموظفين عليه)) وكتبتْ لجنة حزب الوفد للسيدات إلى رشدى باشا خطابًا تطلب منه الاستقالة إذا كان عاجزًا عن تسيير الأمور. فلما وصله الخطاب قال ((النساء أيضًا يطلبنَ استقالتى وها أنا سأقدمها ، فلتطمئن نفوسهنّ)) ووصل الدور الوطنى للمرأة المصرية إلى درجة أنّ النساء ((وقفنَ أمام الدواوين لمنع الموظفين من الدخول ، وينتزعنَ أساورهنّ وحـُليهنّ ويُقدّمنها لهم قائلات : إذا كان أحدكم فى حاجة لمرتبه فليأخذ هذه الحـُلى ولا تـُسوّدوا وجوهنا بالرجوع إلى أعمالكم))

ونتيجة ثورة شعبنا فى برمهات/ مارس 1919 وبعد أنْ تم إزالة طين وغبار عصور الظلمات ، بدأتْ تباشير الديمقراطية هدي شعراويالسياسية ، حيث تجرى عملية انتخاب لجنة حزب الوفد المركزية للسيدات يوم 8 يناير1920 فى الكنيسة المرقصية الكبرى . وقد نصّ قانون اللجنة على استمرار المُطالبة باستقلال مصر استقلالا تامًا. وبعد الإعلان عن تشكيل اللجنة ((انهالتْ علينا التوكيلات الصادرة من المواطنات فى القاهرة والأقاليم . وتم توجيه خطاب إلى لجنة اللورد ملنر جاء فيه ((أيها السادة : قرّرتْ مصر نهائيًا ألاّ تـُفوّض لجنتكم مادامتْ تشتمل على أنْ تكون مصر تحت الحماية البريطانية. إنّ الحركة المصرية حركة وطنية محضة خالية من كل صبغة دينية أو تأثير تركى . ولا دخل للبلشفية فيها مطلقــًا. وليستْ نتيجة حالة الغلاء كما ذكر بعضهم)) ونقلتْ هدى شعراوى فى مذكراتها نصوص البيانات التى أصدرتها لجنة حزب الوفد للسيدات ضد الاحتلال الإنجليزى ، مثل الاحتجاج على قمع المُتظاهرين وضربهم بالرصاص . والمُطالبة بعودة المنفيين والإفراج عن المُعتقلين السياسيين وإلغاء الأحكام العرفية. ووصل وعى سيدات لجنة حزب الوفد إلى درجة أنه فى أحد تلك البيانات المُوجّهة للمحتل أنْ كتبنَ فى ختامه ((لقد حقــّتْ عليكم كلمة الكاتب الفرنسى (جرون) الذى قال ((إنّ الذى لا يريد (لغيره) ما يُريده لنفسه من الحرية غير جدير بالحرية))

وبكل شجاعة أدبية تناولتْ هدى شعراوى (بالتفصيل) خلافاتها مع سعد زغلول . ووجّهتْ له عدة خطابات عبّرتْ فيها عن غضبها وغضب سيدات لجنة حزب الوفد من بعض تصرفاته. وبيانات أخرى عديدة (تؤكد قراءتها اليوم بعد مرور عشرات السنين عليها) أنّ جداتنا المصريات حرصنَ على ترسيخ آلية الديمقراطية داخل الحزب الواحد . كما أنّ سيدات لجنة حزب الوفد أدينَ دورًا مهمًا فى المُطالبة ب ((إعلان المُقاطعة العامة لكل ما هو إنجليزى من بضائع وأشخاص وعدم معاملتهم قطعيًا)) وبالفعل تم ((تشكيل لجان المقاطعة فى كل أنحاء مصر لنشر طلب المقاطعة. وفى نفس الوقت تم نشر كشف بأسماء المحلات المصرية الجديرة بالتعامل معها. وكانت هذه بداية الدعوة إلى التعامل مع كل ما هو وطنى.

ووصل وعى سيدات لجنة حزب الوفد إلى أهمية العلاقة التاريخية والجغرافية التى تربط مصر بالسودان ، خصوصًا وأنّ الإنجليز ((يعملون الآن على سلخ السودان عن مصر، وهى لها بمثابة الروح للجسد . والإنجليز يعتبرون السودانيين رعايا بريطانيين رغمًا عنهم وعن شدة تمسكهم بمصر)) وفى بيان آخر ندّدتْ سيدات لجنة حزب الوفد بموقف سعد زغلول المُهادن لوزارة نسيم باشا بخصوص السودان . وهذا البيان الذى وقــّعته هدى شعراوى جاء فيه ((أرى من واجبى فى الظروف الحرجة التى تجتازها البلاد أنْ أجاهر برأيى ورأى اللجنة ، مُجدّدة احتجاجنا على أعمال نسيم باشا وما نتج عنها من تفريط فى حقوق البلاد ، بسبب التفريط فى السودان))

وعندما شكــّــل سعد زغلول وزارة عام 1924 تم تجاهل لجنة السيدات بحزب الوفد لحضور حفل افتتاح البرلمان ، فأصدرتْ اللجنة بيان الاحتجاج التالى ((لجنة الوفد المركزية للسيدات تحتج بشدة بصفتها هيئة تمثل الأمة التى اشتركتْ فى الجهاد والتضحية لاستقلال بلادها على رفض طلبها لحضور حفلة افتتاح البرلمان ، وترى فى إغفال وزارة الشعب دعوتها فى وقت دعتْ فيه سيدات أجنبيات عملا لا يليق بالكرامة)) وفى يوم 21/3/24 اجتمعتْ لجنة السيدات بحزب الوفد وقرّرتْ بالإجماع توجيه النظر لمجلسىْ النواب والشيوخ ليتداركوا بحكمتهم إدخال التعديلات التالية على خطبة العرش :

1- النص على تعديل الدستور حتى يكون مطابقــًا للدساتير الحديثة. وأنْ تـُذكر فيه حدود الدولة المصرية. ومع النص على أنّ السودان جزء منها لا يتجزأ .

2- النص على إصلاح القوانين الخاصة بحرية الاجتماعات والصحافة.

3- النص على تعديل مواد الدستور الخاصة بالمسئولية الوزارية ، تعديلا يجعل الأمة صاحبة الحق فى حكم البلاد .

4- النص على تقوية الجيش المصرى والقوى الحربية الأخرى ، بما يكفل المُحافظة على سلامة الدولة (توقيعات : هدى شعراوى ، نعيمة أبو إصبع ، روجينا خياط ، نعمتْ حجازى ، إستر ويصا ، فايقة رفيق ، ألفتْ راتب ، عزيزة فوزى ، إحسان أحمد وفكرية حسنى)

وفى عام 1924 أصدرتْ لجنة السيدات بحزب الوفد كــُتيبًا مهمًا تضمّن برنامجًا سياسيُا شاملا ، وتم توجيهه إلى صاحب المعالى رئيس مجلس الشيوخ . والكتيب يصعب تلخيصه ، وسأختار منه ما يلى : الحرص على تعديل دستور سنة 1923 (بعد عام واحد من صدوره ورغم ما فيه من مواد عديدة تؤسّس لدولة عصرية ، باستثناء السلطات الممنوحة للملك) السودان جزء لا يتجزأ من مصر، ضرورة إلغاء القوانين الاستثنائية ، مساواة الجنسيْن (الأنثى والذكر) فى التعليم ، فتح أبواب التعليم العالى للفتيات ، تعديل قانون الانتخاب بإشراك النساء مع الرجال فى حق الانتخاب ، ضرورة سن قانون يمنع تعدد الزوجات إلاّ للضرورة كأنْ تكون الزوجة عقيمًا أو مريضة بمرض يمنعها من أداء وظيفتها الزوجية ، وفى هذه الحالات يجب أنْ يثبتْ ذلك الطبيب الشرعى ، وكذلك سن قانون يُلزم المُطلق ألاّ يُطلق زوجته إلاّ أمام القاضى ، مع محاولة التوفيق بحضور حـَكم من أهله وحـَكم من أهلها قبل الحكم))

وفى عام 1925 أصدرتْ هدى شعرواى مجلة (المصرية) باللغة الفرنسية ((للتعريف بأحوال المرأة المصرية وتطورها)) وللسيدة الجليلة هدى شعراوى الكثير من الأفضال على الحركة الفنية ، مثل إقامة معارض الفن التشكيلى عامة وفن الخزف خاصة. ومثل مساعدتها للفنان الكبير (سعيد الصدر) عندما خصّصتْ له مكانـًا ليُبدع فيه أعماله الخزفية ، وأمدّته بالمال لشراء الخامات اللازمة. وكذلك مساعدتها للنحات الفطرى المُبدع (عبد السميع عبد الحى) وكذلك تخصيصها عدة جوائز للكتاب والفنانين .

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in طلعت رضوان and tagged , , . Bookmark the permalink.