شهادة ضباط عاشوا مذبحة يونيو67

طلعت رضوانطلعت رضوان

بعد سلسلة مقالاتى عن الكارثة التى حطـّت على شعبنا المصرى فجر الأربعاء الأسود 23 يوليو52، رأيتُ أهمية ما قاله ضباط مصريون تم شحنهم من اليمن عام 67 إلى سيناء. وشهادة هؤلاء الضباط يعود الفضل فيها للأستاذ عصام الدرّاز الذى تعرفتُ عليه فى أواخر السبعينات أو أوائل الثمانيات فى أتيليه القاهرة. وكان إنسانـًا على درجة عالية من الأخلاق النبيلة. وقد تجشـّم مهمة مقابلة هؤلاء الضباط (وعددهم 12) وجمع أقوالهم ثم أعدّها للنشر، فظهر كتابه بعنوان (ضباط يونيو يتكلمون) عن دار المنار الجديد للصحافة والنشر عام 89 . ونظرًا لأنّ الضباط أجمعوا فى أقولهم على حقائق واحدة ، رغم أنّ أ. عصام اجتمع بكل واحد منهم على حدة ، لذلك اكتسبتْ شهاداتهم المصداقية. ولذلك أيضًا أود تنبيه القارىء إلى أننى لن أكرّر بعض الأقوال المُتطابقة خشية التكرار. كما يهمنى ذكر اعتراف أ. عصام فى المقدمة التى كتبها فقال ((هذا الكتاب ليس من كتب تصفية الحسابات. وكل من تكلم هنا صادق ، وهذه مسئوليتى أمام الله وأمام شعبى . ومنهم من دفع سنوات من عمره بين قضبان السجن ثمنـًا للكلمات التى نطق بها بعد الهزيمة. أو الآراء التى عبّر عنها أو مشاعر الألم التى شعر بها . فرغم مأساة الهزيمة التى تعرّض لها جيش مصر ظلمًا ، فإنّ بعض عناصره المُتميّزة تعرّضتْ للاضطهاد والسجن ، وكأنّ الألم ممنوع ، بالضبط مثل منع الرأى . لقد كنتُ واحدًا من شهود حرب 67 ولم أشأ أنْ أضع شهادتى فى هذا الكتاب وسوف أضعها فى كتاب آخر. وكنتُ أيضًا واحدًا من الذين دفعوا سنوات من عمرهم بين القضبان بكل الشجاعة والصدق)) ثم أضاف معلومة عن الضباط الذين جمع شهاداتهم فكتب ((وأؤكد أنه ليس فيهم من ينتمى لتيار سياسى يعمل لحسابه. وليس فيهم من كان ابنـًا لأسرة اقطاعية. كلهم لم يسمعوا إلاّ لرأى واحد ولنظام واحد ولزعيم واحد ، لهذا كانت لكلماتهم قيمة كبيرة ، استمدتْ وجودها من أرض الواقع ، أرض المعركة ، حيث تتكشف معادن الرجال))

000

فى شهادة اللواء طيار متقاعد تحسين زكى (قائد اللواء سوخوى) تكلم عن صباح 5 يونيو67 فذكر أنّ الطائرات الإسرائيلية كانت تلقى بقنابلها ، فكنا نسمع صوت الصاروخ ونراه يثقب الأرض ليعطى للقنبلة فرصة الانفجار تحت سطح الأرض. بعد ذلك تنفجرالقنبلة فيكون تأثيرها كبيرًا وتـُسبّب مساحة تدميركبيرة فى الممر فى ثوانى. وهذه القنبلة أخترعتْ وصُممتْ خصيصًا لتدمير الممرات . وإسرائيل هى التى صمّمتها واخترعتها والعالم كله لم يكن يعلم أى شىء عن هذه القنبلة (أى أنّ إسرائيل (المزعومة) فى الإعلام الناصرى ، كانت تعمل فى صمت دون عنترية الخطب العروبية/ الناصرية) وهو ما أكده هذا الضابط الذى أضاف ((كانت إسرائيل تـُخطط للحرب أما نحن فكنا نـُخطط لاستعراضات 23يوليوالسنوية والتى تستغرق عدة أسابيع . ولم يكن هناك أى استعداد للحرب. وبعد يونيو67كنتُ فى السجن)) وظلّ فى السجن رغم أنّ الناصرى الكبير (فريد عبد الكريم) زاره فى السجن وقال له ((أنت بطل يا تحسين. ونعلم ما فعلته فى حرب يونيو)) فكيف يكون وصفه ب (البطل) مع سجنه ؟ كوميديا سوداء تنتظر من يكتب عنها إبداعًا على مستوى بيكت أو كافكا. وأضاف هذا الضابط ((لقد شاهدتُ آلاف الضحايا. أنا لستُ ضد أحد ، ولكن ضد التزييف ومحاولة طمس الحقائق . كنتُ أتوقع انتحار القيادات السياسية والعسكرية. ولكن استمر المسئولون عن الهزيمة فى مواقعهم . وهلــّـل الناس لعبد الناصر فى الوقت الذى كان فيه ضباط وجنود يعيشون مأساة مروّعة فى صحراء سيناء. أين أهالى الجنود والضباط الذين أستشهدوا بالنابالم؟ خاصة بعد نشر الصور لجثثهم والكلاب تنهشها)) ثم يعترف بحالة السخط السائدة بين الطيارين المصريين ويتساءلون بجنون ((لماذا لم يتركونا نضرب الضربة الأولى؟ هذا الضابط تمّتْ محاكمته فى المحكمة التى رأسها حسين الشافعى ، رغم أنّ الضابط (تحسين) أنقذ حياة الشافعى وذكـّره بتلك الواقعة عندما أرسل سيارة لإنقاذه ، ومع ذلك قال الشافعى فى حديث صحفى أنه غير نادم على رئاسته للمحكمة ولا على الأحكام التى أصدرها. وكان تعقيب تحسين ((غير صحيح لأنّ الشافعى قال (بعد سنوات) لأحد ضباط الصاعقة الذين حوكموا أنّ الأحكام كانت مملاة عليه)) وتساءل تحسين : من الذى يجب أنْ يُحاكم ؟ الذى ورّط الجيش فى هذه الحرب وأساء اتخاذ القرارات أم الذين حاربوا ؟ لقد حارب ضباط الصاعقة فدخلوا السجون)) وذكر أنْ كان معه عدد من العمال الصعايدة يعملون فى شركة مقاولات كانت تتولى إصلاح الممر الثاتى للمطار. اندفع العمال بعد الغارة الأولى داخل المطار ليُساعدوا الميكانيكية فى دفع الطائرات . كانت الإنفجارات تـُدوى فى كل مكان ولم يخف العمال وساعدوا فى إنقاذ عدد كبير من الطائرات ومات عدد كبير منهم . وأريد أنْ أضيف أنّ عددًا من الطيارين المصريين استشهدوا بالصواريخ والمدفعية المصرية المضادة للطائرات. ويوم 7يونيو خرجتْ مظلة جوية من طائرات السوخوى فوق القناة بين القنطرة وبورسعيد. وكان منهم الطيار محمد خميس وأثناء قيام الطائرات بالمظلة أعطوهم أوامر بالتوجه لمهاجمة مطار العريش . قال الطيارون إنّ الوقود لا يكفى . رغم ذلك قالوا لهم نفذوا الأمر (أى التكليف بمهمة انتحارية) استطاع خميس أنْ يـُسقط طائرة إسرائيلية وأصيبتْ طائرته فى الاشتباك واستطاع أنْ يقفز بالمظلة. وبعد هبوطه هاجمه رجال من الدفاع الشعبى لمدينة العريش ولما عرفوا أنه طيار مصرى أخفوه. وخسرنا ثلاث طائرات بسبب نفاد الوقود. ورغم ذلك قام الطيارون ببطولات فردية ومات منهم كثيرون مثل سامى فؤاد وحسن القصرى الذى بكى وهو يشهد استشهاد نبيل شكرى وقال لو ((كان فى الطائرة مدفع رشاش لاستطعتُ أنْ أصيب الطائرة الإسرائيلية قبل أنْ تـُصيب طائرة الشهيد حسن القصرى)) ذاك هو النظام الناصرى ، طائرة مصرية ليس بها مدفع رشاش ، بينما مواردنا وأموالنا وأسلحتنا فى اليمن والعراق والجزائر وسوريا. وكانت آخر كلمات اللواء تحسين ((القوة المُدرّعة التى شاهدتها صباح 8 يونيو كانت تحترق والدبابات كأنها علب سردين . كنتُ أطير على ارتفاع منخفض . عربات محترقة. مدافع محترقة. بكيتُ وأنا أطير))

وفى شهادة الطيار هشام مصطفى حسن قال أنه فى يوم 14مايو67كان قائد السرب يشرح لنا بعض الأهداف الإسرائيلية من صور غير واضحة المعالم . سأله أحد الزملاء عن تاريخ التقاط تلك الصور الجوية ، فبان الألم على وجه قائد السرب وهو يقول من عام 1948 (فأين كافكا المصرى) ليبدع أدبًا عن ذلك العالم الكابوسى؟ وعن ضباط القيادة الكبار ذكر أنهم ((كانوا يدينون بالولاء لقوة أجهزة المخابرات والاغتيالات والإرهاب التى صنعها عبد الناصر لإرهابهم وكنتُ أظن أنّ دولة إسرائيل (المزعومة) كانت ترتجف من مصر وقوة مصر كما كنا نسمع من أجهزة الإعلام وكيف تعيش إسرائيل فى رعب قاتل لأننا سنمحوها من الوجود . ولما جاء المشير عامر سأله أحد الطيارين : لماذا لا نضرب وتنتهى المسألة. فابتسم المشير وقال ((نضرب الأول وبعدين نحارب أمريكا وإسرائيل؟ ولاّ نستنى ناخد الضربة الأولى من إسرائيل وبعدين نحاربها هى وحدها؟ (صورة أخرى من صور الكابوس الناصرى) وذكر أنّ الطائرات المصرية كانت رابضة بلونها الفضى كأنها مرآة عاكسة للشمس لتكون دليل توجيه للمطار من أبعد مسافة (وترجمة تلك الجملة كأننا نقول لإسرائيل ها هى طائراتنا) وهو المعنى الذى أفصح عنه ذلك الضابط فكتب ((أذكر تلك القصة لأبيّن كم كانت طائراتنا الفضية غير المُموهة من أحسن وسائل الإرشاد إلى قواعدنا وقسْ على هذا بقية سلاح الطيران المصرى من العريش إلى أسوان . وكان هذا هو حال قاعدتنا : ممر إقلاع وسط منطقة جبلية من الصحراء غير مجهز بأى أجهزة خدمات ملاحية وغير مجهز للإقامة أو للصيانة بأى وسيلة إنذار بهجوم جوى على المطار. ولم يكن عندنا دفاع جوى ولا مدافع أو صواريخ مضادة للطائرات . ثم تساءل لماذا إذن هذه الطائرات ؟ هل هى للحرب أم كنا نوفرها لإسرائيل حتى لا نتعبهم ونقدمها لهم على الأرض تـُبرق كالشمس وتقف كالجثة الهامدة ؟ وهذا ما حدث فى الساعة الثامنة صباح 5 يونيو بهجوم الطيران الإسرائيلى على قاعدتنا فكانت المفاجأة عندما صرخ قائد السرب ((هجوم جوى كيف ؟ كيف جرأوا على الهجوم علينا ؟ ألا يعلمون أنّ هذا الهجوم ستكون نتيجته تدمير إسرائيل ؟ فهناك قواعد أخرى ستقوم بالرد على الهجوم الإسرائيلى ومحوها من الوجود . إنهم لن يستطيعوا أنْ يـُدمروا أكثر من قاعدة أو إثنتيْن ، فعدد الطائرات التى تملكها إسرائيل لن تكفى لتدمير أكثر من هذا وهو ما أكدته لنا تقارير مخابراتنا التى لا تكذب)) وبعد دقائق ((وجدنا باقى طائرات السرب تشتعل الواحدة تلو الأخرى . ولم تبق لنا طائرة واحدة خلال أقل من دقيقتيْن سليمة على الأرض . لقد وفرنا لطائرات العدو كل سبل الراحة فى الهجوم . فطائراتنا تـُبرق تحت الشمس بلا مخابىء أو دُشم وبدون أى وسيلة للدفاع الجوى . إنّ أى طالب فى كلية الطيران تحت التدريب يُعاقب بشدة إذا وفرنا له هذه الظروف وأخطأ فى إصابة هدف واحد)) ولذلك نجح الطيارون الإسرائيليون ، فهم مُحترفون تدربوا عشرات المرات على نماذج لتلك الطائرات وإذن لا مجال للخطأ فى التدمير. فكانت خسائرنا 100% وخسائرهم صفر. وبعد نصف دقيقة من انتهاء الهجوم جاءتْ موجة أخرى من الطائرات لا تقل عن عشر تنقض فى وضع الهجوم وبدأنا نجرى فى الصحراء نبحث عن ملجأ أو أى شىء يحمينا من الشظايا التى توقعناها. ولكن الطيران الإسرائيلى لم يُطلق قنبلة واحدة. ثم بدأوا فى الهجوم مرة أخرى وكانت أهدافهم أهدافـًا بشرية هى نحن . بشر عاجز يجرى فى الصحراء))

وهذا الضابط كذب ما ذكره سامى شرف فى الكتاب الذى كتبه مع أحد الأجانب بعنوان (وتحطمتْ الطائرات عند الفجر) وأطلق عليه ((الكتاب المشبوه)) لأنه حاول اتهام ضباط قاعدتنا بالتقصير وأننا السبب فيما حدث ((لإبعاد مسئولية الهزيمة عن عبد الناصر))

وفى شهادة ضابط الصاعقة على عبد المنعم مرسى قال إنّ ما حدث يوم 5 يونيو كان جريمة ارتكبها حكام مصر وليس هزيمة ألحقها العدو بشعبها وجيشه. وذكر أنه منذ إعلان الطوارىء انضم جنود احتياط غير مدربين ومن أسلحة غير قوات الصاعقة. وذكر ضابط الاستطلاع يحيى سعد الكثير من المعلومات عن أنّ المُعدات وحتى السيارات كانت لا تصلح للعمل فى الصحراء ومن موديلات قديمة. ومع ذلك اشتبكوا مع عدة دوريات إسرائيلية ولكن لم يبق من الدبابات المصرية غير ثلاث وأستشهد معظم ضباطها وجنودها. وذكر أنه عندما استخدم سلاح ال R. P. J لم تخرج منه طلقة واحدة . وأنّ أحد الجنود تقدم نحو دبابة إسرائيلية معرضًا نفسه للنيران وال R.P. J فى يده لا يعمل فصرخ ((خيانة)) ثم ألقى بنفسه فوق الدبابة الإسرائيلية كالمجنون فتم سحقه بسهولة. وكان تعليق كاتب الشهادة ((أسلحة فاسدة أم ذخيرة فاسدة أم قيادة فاسدة ؟)) إنه الموت تحت الجنازير الإسرائيلية. ظللتُ مكانى مذهولا وأنا أرى كتيبتى قد تمزقتْ. ورأيتُ جثث الجنود بعد أنْ داستها جنازير الدبابات. والجرحى على الأرض ولا توجد وسيلة لإسعافهم . جرينا فى الطريق المفروش بالجثث . وكان الدمار كاملا. وعندما وصلتُ إلى منطقة (نِخل) كان الطيران الإسرائيلى يقصفها قصفـًا مركزا والقوات المصرية دُمرتْ . وعلى الطريق إلى ممر متلا كانت عربات المدفعية محترقة ورجال الدفاع الجوى احترقوا على مدافعهم وكأنهم أحياء . وفى شهادة الفريق عبد المنعم واصل (قائد لواء مدرع) قال إنّ ما حدث فى يونيو67 كان خرقــًا لكل القواعد العلمية. وانتهاكـًا للبديهيات الأساسية فى إدارة المعارك الحربية. فقد تلقينا الأمر بحفر مائة متر مكعب من الرمال ، ثم تصدر الأوامر بالحفر فى مواقع أخرى . وهكذا قطعتْ الدبابات المسافات الشاسعة على رمال سيناء ، كأنما المقصود أنْ يحمل الجنود على أكتافهم أكبر كمية من الرمال . وعندما بدأ الصدام كان الإرهاق قد وصل بالرجال والمعدات أقصى مداه ، ورغم ذلك لم يجدهم العدو لقمة سهلة. وكان النصر قريبًا منهم ولكنهم زجوا فى معركة غير مُخططة وعشوائية وانتهتْ بالانسحاب المُهين . ومن المعلومات المُذهلة أنه فى شهر أبريل 67صدرتْ التعليمات بتغيير اللواء مدرع الموجود باليمن (لما لحقه من خسائر) وأنّ يحل محله اللواء مدرع بقيادة صاحب الشهادة وهو ما تم بالفعل يوم 14مايو67، فتحرك اللواء مدرع إلى اليمن . وبعدها بيوميْن طلب عبدالناصر من قائد قوة الطوارىء الدولية سحب قواتها من حدودنا الشرقية. ولكن السكرتير العام للأمم المتحدة اعترض على الانسحاب الجزئى واشترط إما سحبها كلها من الحدود الشرقية وغزة وشرم الشيخ، أو بقاءها كلها، فوافق عبد الناصر على سحب جميع قوات الطوارىء . ثم أصدر يوثانت قراره يوم 18مايو67بسحب جميع القوات كما طلب عبد الناصر. تلك التطورات المُذهلة تجعل العقل الحر يطرح السؤال الذى تخجل منه الميديا الناصرية / العروبية : كيف يتم الدفع بلواء مدرع من مصر إلى اليمن يوم 14مايو وبعد يومين يطلب عبد الناصر سحب قوات الأمم المتحدة ؟ وهو ما يعنى أنّ المسألة (جد مش هزار) خاصة بالنسبة لإسرائيل التى كانت تنتظر تلك الفرصة لترد على عبد الناصر: مَنْ سيُدمّر مَنْ ؟ إنّ ما ذكره الفريق واصل عن تحرك اللواء مدرع إلى اليمن يوم 14مايو لأكبر دليل على أنّ عبد الناصر هو (مهندس) هزيمة يونيو67، أما عامر وشمس بدران إلى آخر من وثق فيهم فإنهم (صبيان المهندس)

وأكد ما أذهب إليه ضابط الإشارة محمد أحمد خميس الذى قال فى شهادته ((كان إحساسى أنّ عبدالناصر بعد فشل الوحدة المصرية السورية ، سيهتم بمصر وشعبها. ولكننا فوجئنا بعكس ذلك . فحرب اليمن التى بدأت عام 62وتدخل الجيش المصرى فيها ، هى التمهيد لهزيمة يونيو67. كنتُ ملازمًا أول عندما ذهبتُ إلى اليمن . وشاهدتُ الطائرات المصرية وهى تقصف القرى اليمنية. وشاهدتُ بروفة لهزيمة يونيو فى اليمن . كانت قواتنا فى اليمن كأنها فى طابور استعراض ، إذْ لا توجد عمليات استطلاع ولا قوات للحماية ولا تغطية جوية ، بالضبط كما حدث فى سيناء)) وضرب مثالا على ذلك بتحرك قوات مصرية باتجاه السعودية لتأمين الحدود اليمنية (تم إرسال لواء بالكامل أى 3كتائب ثم تعزز بكتيبة إضافية) وبعد 24ساعة ((فوجئنا بعودة الضباط والجنود سيرًا على الأقدام دون عربات ودون أسلحة ولا مدافع ولا أى شىء. لقد تعرّضتْ قواتنا لكمين فاضطروا للانسحاب . وكان هذا المشهد هو ما حدث فى سيناء عام 67. لقد سقط الوهم بأننا قوة لا تـُهزم . ورغم المرتبات الضخمة كانت معنوياتنا منهارة . والجنود الذين انتهت خدمتهم عام 62ظلوا حتى عام 67 والبعض أمضى بالجيش تسع سنوات. لقد قيل لنا أنّ حرب اليمن بروفة لتحرير فلسطين وما حدث هو العكس تماما. لقد عشنا فى وهم كبير بسبب عملية غسيل المخ (الأدق توسيخ المخ) التى جرتْ لنا لأننى عشتُ بروفة 67فى اليمن . خصوصًا عند مقارنة استعداد إسرائيل (التدريب والخطط والمعدات الخ) بوضع جيشنا المُحطم على رمال سيناء . وعندما سأله محرر الكتاب : من المسئول عن هزيمة67 قال : إذا كان عبد الحكيم عامر مسئولا عن الجانب العسكرى فى الهزيمة ، فإنّ عبد الناصر يـُشاركه فى الهزيمة السياسية لأنّ عبد الناصر لم يكن على المستوى المطلوب سياسيًا لأنه لم يُساهم فى خلق قيادات موالية للوطن . ولم يستعد للحرب وهو المسئول عن تعيين عبد الحكيم عامر كقائد للجيش وهو الذى رقاه من رائد إلى لواء رغم كوارثه وأنه لم يكن على مستوى مسئولية قيادة جيش مصر فى مواجهة إسرائيل . هذا الضابط تم اعتقاله فى يناير70بأوامر من عبد الناصر وكانت تهمته ((محاولة قلب نظام الحكم)) وكأنّ قلب نظام الحكم عربة بطاطا على حد قول المناضل الماركسى المحترم نبيل الهلالى ، بينما السبب الحقيقى أنه كان يبوح بما فى صدره لأصدقائه ولأسرته عن بروفة الهزيمة التى بدأتْ فى اليمن وانتهتْ على رمال سيناء.

وما ذكره هذا الضابط عن اليمن وسيناء أكده ضابط الاستطلاع (حسن بهجت) ولكنه كان أكثر تحديدًا عندما قال فى شهادته أنّ مذبحة يونيو67كانت ((جزاء من الله على المذابح التى ارتكبناها ضد سكان القرى اليمنية)) لقد التزمتُ بنقل نص كلماته فى حين أننى أختلف معه. لأنّ الذى ورّط جيشنا فى اليمن وسيناء وقتل اليمنيين والمصريين هو عبد الناصر، ومع ذلك لم يُقدّم للمحاكمة. وأنّ (الله) لم يقترب منه وتركه يجثم على صدورشعبنا أكثر من ثلاث سنوات. ومع ذلك فإنّ شهادة الضابط حسن بهجت مهمة لأنه فضح عبد الناصر الذى جعل ((كل ضابط يحلم بالجنيهات الاسترلينية والسجاير الأمريكانى وهو ذاهب إلى اليمن)) وحكى حكايات مريرة وقاسية عن الجنود والضباط المصريين الذين ماتوا فى اليمن بينما أسرهم (الزوجة الصغيرة والأم والأب والأطفال) فى انتظار عودته. وأكد فى شهادته على ما قاله غيره عن أنّ فلسطين كانت بعيدة تمامًا عن اهتمام عبد الناصر الذى كان يكتفى بالشعارات ويقول إننا ((نـُحرّر الدول الصغيرة من الاستعمار)) كما أكد على عمليات غسيل المخ (توسيخ المخ) التى تمتْ لهم وهم فى سنوات الدراسة فى الكلية الحربية عن الاشتراكية والعروبة وفلسطين والعدو الإسرائيلى . ولم يُحدثونا أبدًا عن مصر. لم يذكروا اسم مصر أبدًا. وكان اليمنيون يكرهوننا لأننا كنا نـُمثل لهم الموت والدمار. وقال لمحرّر الكتاب : تخيّل شعورنا ونحن نرى القرى اليمنية التى دمّرناها وهدم المساجد والقتلى من النساء والأطفال . وأضاف : هل كنا نـُصدّر مبادىء لليمن أم نـُصدّر إرهابًا وقتلا ودمارًا ليس له مثيل ؟ كان عملنا فى اليمن يخلو من أى مبادىء إنسانية. وأنا أشعر بالذنب والمرارة لأننى اشتركتُ فى عمليات القتل والتدمير فى اليمن بالاضافة إلى الضرر الذى لحق بالجيش المصرى . وتحركنا من اليمن إلى سيناء فى يونيو67. وأعلن أمام التاريخ أنّ وحدتى العسكرية لم تكن كفئـًا للقتال . لقد تحركنا على طبول الدعاية. كانت دعاية عبد الناصر فى وسائل إعلامه أننا ((سنـُدمر إسرائيل خلال 48ساعة)) بل إنّ عبد الحكيم عامر ردّ على سؤال من أحد زملائنا عن الموقف لو تدخل الأسطول السادس الأمريكى فقال ((الأسطول السادس أمره سهل وسيتم القضاء عليه)) ثم سخر من زميلى الضابط وأضاف ((إحنا مش بتوع كلام)) فجامله الضباط الكبار بالضحك .

أما الضابط عصام شراكى فقال فى شهادته أنّ القيادة رفضتْ أكثر من مرة عمل دُشم للطائرات بحجة عدم وجود ميزانية للقوات المسلحة. ولو عرف أى باحث ميزانية رئاسة الجمهورية وميزانية المخابرات وميزانية احتفالات 23يوليو، سوف يُصاب بالذهول إذا قارنها بميزانية عمل دُشم للطائرات المُقاتلة. وبالتالى فإنّ الهزيمة لم تكن مفاجأة أو مصادفة. خاصة وأنّ عبد الناصر (بصفته القائد الأعلى) أصدر أمرًا بحرمان القوات المصرية من الاستطلاع فوق أراضى العدو (بحجة الخوف من الاحتكاك)) فى حين أنّ إسرائيل تستطلع بحرية تامة فوق أراضينا . أما ضابط الاستطلاع (عادل محجوب) فقال فى شهادته أنه بادر من تلقاء نفسه بعمل استطلاع داخل مستعمرة إسرائيلية. فرآها كالجنة وسط الصحراء وخنادق ودُشم بالأسمنت وطريق مُسفلت ((ولما عدت إلى كتيبتى فوجئتُ بالقائد ثائرًا لأنى قمتُ بدورية استطلاع حول المستعمرة الإسرائيلية دون الرجوع إليه. وحولنى للقيادة العليا لتوقيع عقاب صارم ضدى وأثر هذا العقاب على مستقبلى بالجيش . وذكر معلومة- أكدها كل الضباط فى شهاداتهم- أنّ جميع الضباط بلا استثناء لا يعرفون شيئـًا عن سيناء ولا يعرفون شيئا عن العدو، تسليحه وامكانياته.

وقال ضابط الاستطلاع (د. عبدالفتاح تركى) فى شهادته ((كان الجنود المصريون يعودون من اليمن فى أسوأ حال . وكانت حرب اليمن سببًا فى تخفيض مقررات الوقود والذخيرة المُخصصة للتدريب)) وعندما طلب من رئيس الأركان طلقات RPJ قال له ((أنت تتكلم فى السياسة العليا)) ووصف قرار انسحاب قواتنا بأنه تسبّبَ فى مذبحة لجنودنا وأنّ الانسحاب لم يكن مجرد خطأ بل هو خيانة عظمى . وأنّ عبد الناصر مسئول قبل عبد الحكيم عامر.

وقال الضابط مهندس (محمد فؤاد غانم) فى شهادته أنّ صواريخ القاهر والظافر صواريخ هيكلية من الخشب والصاج ولا تمت بصلة للصواريخ ، حتى التجربة التى تمتْ أمام عبدالناصر وعامر سقطتْ الصواريخ على مسافة قريبة. وأنها فقط من أجل الدعاية فى احتفالات 23يوليو. وقال لمحرر الكتاب : كم مواطن مصرى قبل 67كان يعرف أنّ إسرائيل تمر علنا من شرم الشيخ ؟ بل إنّ الضباط أنفسهم لم يكونوا يعرفون أنّ إسرائيل تمر من شرم الشيخ وأنّ مضايق تيران تحت رحمة إسرائيل وذلك بموافقة مصر. وأنا ضابط بالجيش وسنى كان 42 سنة لم أكن أعلم أى شىء عن شرم الشيخ ولا مضايق تيران . وعندما وقعتْ الكارثة كان أحمد سعيد فى (صوت العرب) يقول إنّ قواتنا على مشارف تل أبيب (وبشرى للعرب) بينما جنودنا فى سيناء يصرخون من الفزع خاصة جنود الاحتياطى الذين تم جلبهم وهم يرتدون الجلابيب . وعندما وصلتُ لقيادتى سألونى : ماذا رأيت قلت ((رأيتُ الخيانة)) لقد خـُدعتْ طوال 11سنة من 56- 67ومسئولية الهزيمة تقع أولا على عبد الناصر الذى تصوّر أنّ العملية بمثابة مهرجان وانشغل بتلفيق القضايا للأبرياء . الهزيمة مهّد لها عبد الناصر بسوء إعداد الدولة. وعامر بسوء قيادته. وشعب مصر هو الذى دفع الثمن . وفى شهادة الضابط (محمد عبد الحفيظ) ذكر أنه أصيب فى اليمن بغرغرينا فى ساقه. وكنا نحن المصريين نـُصدم لأننا نحارب يمنيين ضد يمنيين والكل مؤمن بالإسلام . والأسوأ أنّ قبيلة موالية لمصر تنقلب وتـُصبح مع الملكيين وفى اليوم التالى تكون مع الجمهوريين . فكان ذلك يُسبّب ارتباكـًا لجيشنا. وأنّ عبدالناصر أصدر قرارًا لا إنسانيًا بأنّ القتلى من المصريين يُدفنون فى اليمن والجرحى يظلون فى اليمن بحجة الحفاظ على السرية (سرية الخسائر فى الأرواح والمُصابين والمُشوهين والمعدات) فى حين أنّ الإعلام يُعلن عن انتصارنا الساحق فى اليمن . بينما الجرحى من المصريين ينامون فى طرقات المستشفيات . ورغم الروح المعنوية المُنخفضة تم شحننا إلى سيناء فى مايو67. فى حين كان محرّم علينا معرفة أى شىء عن سيناء أو عن قدرات إسرائيل العسكرية. وكل ما قالوه لنا أنّ ((الجندى الإسرائيلى جبان ولا يصلح للحرب)) وتسبّب ضعف الانتماء أننا لم نفهم (حكاية الاشتراكية العربية) ونظرًا للمذبحة التى تعرّضنا لها فى اليمن ، لم نشعر أبدًا بمعنى كلمة مصر. والولاء لمصر. ويوم 22مايو علمنا بإغلاق مضيق تيران . وأنا كضابط فى الجيش المصرى لم أكن أعلم أنّ منطقة شرم الشيخ ومضايق تيران منطقة دولية وليس لنا أى سيطرة عليها وأنّ إسرائيل تمر بطريقة طبيعية. ويوم 24مايو حلــّـقتْ فوق تلك المنطقة طائرات إسرائيلية للاستطلاع وتكرّرتْ طلعات الطيران الإسرائيلى دون أى اعتراض من جانبنا. وإذا كانت مصر قد أغلقت المضيق فمعنى ذلك إعلان الحرب (فلماذا لم ترد القيادة المصرية على طائرات الاستطلاع الإسرائيلية وكان ذلك قبل يوم 5يونيو؟) وفى يوم 8يونيو نسف الطيران الإسرائيلى الكوبرى الذى كانت تعبر منه الكتيبة المصرية رقم 81 فوقعتْ الكتيبة فى الأسر. وكان العدو قد نجح فى تدمير قوات الفرقة الرابعة. والسماء لا يوجد بها سوى الطيران الإسرائيلى . ورغم كل ذلك فوجئنا بالأوامر بعدم إطلاق النار على القوات الإسرائيلية ((وكان الجنود الإسرائيليون يطلبون منا إرسال بطيخ مقابل إرسال جنود مصريين سباحة عبر القناة)) وأعتقد أنّ هذه الشهادة أبلغ رد على الناصريين وبعض الماركسيين الذين تغاضوا عن جرائم عبد الناصر وردّدوا أكاذيبه عن (العروبة) وعن (تحرير فلسطين) ووصفوه بأنه ((قائد التحرر العربى)) بينما كان فك أسر الجندى المصرى من الجيش الإسرائيلى مقابل بطيخة. فلماذا لم تـُنجب مصر سيناريست واحد (واحد فقط) و(مخرج واحد) و(مُمول واحد) ليُبدعوا فنـًا خالدًا لكل شعوب العالم ، عن الكوارث التى سبّبها نظام يوليو52 لشعبنا المصرى ، وكانت الذروة (التراجيدية) تدمير الجيش المصرى وليس (تدمير إسرائيل) كما قال الزعيم العروبى الواحد الأحد الذى كان من بين جرائمه العديدة شطب اسم مصر.

This entry was posted in طلعت رضوان and tagged . Bookmark the permalink.