فرح أنطون: معنى التساهل (التسامح) الذي هو أساس المدنية الحاضرة

فرح أنطون فرح انطون

يجب أولا أن نعرف “التساهل” الذي ثار هذا الخلاف (مع الإمام محمد عبده) بشأنه. وبعد ذلك نعود إلى الفصل بين السلطتين الذي هو آلته ووسيلته. لا نقدر أن نعرف “التساهل” تعريفا لغويا لأن هذه الكلمة دخيلة في اللغة العصرية الجديدة. وإنما نعرف معناه باصطلاح الفلاسفة. فمعنى التساهل عندهم وهو المعنى الذي استعملناه له أن الإنسان لا يجب أن يدين أخاه الإنسان. لأن الدين علاقة خاصة بين الخالق والمخلوق. وإذا كان الله سبحانه وتعالى يُشرق شمسه في هذه الأرض على الصالحين وعلى الشرار معاً فيجب على الإنسان أن يتشبه به ولا يضيق على غيرة لكون اعتقاده مخالفاً لمعتقده. فليس إذاً على الإنسان أن يهتم بدين أخيه الإنسان أياً كان لأن هذا لا يعنيه.

والإنسان من حيث هو إنسان فقط أي بقطع النظر عن دينة ومذهبه صاحب حق فى كل خيرات الأمة ومصالحها ووظائفها الكبرى والصغرى حتى رئاسة الأمة نفسها. وهذا الحق لا يكون له من يوم يدين بهذا الدين أو بذاك بل من يوم يولد. فالإنسانية هي الإخاء العام الذي يجب أن يشمل جميع البشر ويقصر دونه كل إخاء. وبناء على ذلك، إذا كان زيد مسلماً وخالد مسيحياً ويوسف إسرائيلياً (يهودياً) وكورنو بوذياً وسينو وثنياً وديدرو كافراً معطلاً يجحد كل الأديان ولا يعتقد بشيء قطعياً – فهذه مسألة بينهم وبين خالقهم عز وجل لا تعنى البشر ولا يجوز لهؤلاء أن يتدخلوا فيها ولا أن يًحرم أولئك بأي سبب كان شيئاً من حقهم الإنساني الذي تقد ذكره من أجلها.  

هذا معنى التساهل عندهم. وإذا اتضح لك ذلك فقد اتضح أن السلطة الدينية لا تقدر على هذا التساهل. ولا تُحمل نفس فوق طاقتها. ذلك أن غرض هذه السلطة مناقض لغرض التساهل على خط مستقيم. فهي تعتقد اعتقاداً ما وراءه ريب أن الحقيقة في يدها وأن قواعدها وتعاليمها هي الحق الأبدي الذي لا يُداخله أقل شك وما عداه فكفر وضلال. ومن كان يعتقد هذا الاعتقاد فمن الخطأ إلى الإنسانية أن تسلمه رعاية قوم من غير قومه وتسلطه على ناس من غير دينه. ولا يكون حينئذً أمام صاحب هذه السلطة الدينية إلا طريقتان: الأولى أن يضغط على غير قومه ليدخلهم في دينه. والضغط أصناف وأنواع. فمنه القسر ومنه الإرهاب ومنه الترغيب بسد طرق الرزق وقد شوهد هذا الأمر كثيراً في أوربا في صدر جاهليتها. والطريقة الثانية أن ينظر صاحب تلك السلطة إلى من لم يكن من قومه بعين النقص والاحتقار لأنه لا يكمل إلا متى صار من قومه. ويرعاه مضطراً لا مختاراً. وعلى ذلك تتألف لى باطن الأمه فئات منها عزيزة ومنها ذليلة. وبذلك يسقط الحق الإنساني الذي ذكرناه. وتبطل فضيلة التساهل كما يجب أن تكون وكما وضعها الله.

هذا من جهة حكومة الأمة متى كانت مؤلفة من عناصر مختلفة ومذاهب مختلفة. ولكن هناك مسألة أخرى. وهى أن حق الإنسان في أن يعتقد ما يشاء وما يريد يخرج منه حق أخر وهو “أن لا يعتقد بشيء” إذا أراد. وهنا نصل إلى جحود الأديان. فهل تطيق الأديان أن تصبر على أحد يجحدها؟ نحن نعلم أن كل الأديان لا تطيق ذلك على وجه الإطلاق. وإذا أطاقته اليوم فما ذلك إلا لأنها أصبحت تقدم الشرع المدني على الشرع الديني. فالمسلمون يسمون جاحدي الأديان “زنادقة” وهم يجبون قتلهم حتى أن ابن رشد نفسه أوجبه تخلصاً من الملام. والمسيحيون يسمون هؤلاء الجاحدين “كفرة” وهم يجبون استئصالهم من بين الناس كما يُستأصل الزوان من الحنطة. ولذلك قتل الاكليروس المسيحي منكري الأديان في زمن ديوان التفتيش في أسبانيا وقتل المنصور الزنادقة القتل الذي أشار إلية الأستاذ (الإمام محمد عبده) في رد أخر وحلله. ولكن من التناقض الغريب أن الأستاذ حلل هذا القتل والتمثيل في الإسلام وحرمه في المسيحية علي يد ديوان التفتيش. فهل الفضيلة والرذيلة تتغير وتتبدل بتغير الزمان والمكان أن تكون فضيلة أو رذيلة في كل زمان ومكان. أما العلم فإنه يحرم الأمرين معاً. فهو يقول لقاتلي الزنادقة في الإسلام وقاتليهم في المسيحية إنكم كلكم مخطئون في قتل من أسميتموهم زنادقة وأن كل هؤلاء قد أخطأوا خطاءً ما بعده خطأ. ذلك أن الحياة التي منحها الله للبشر لا يجوز لإنسان أن يسلبهم إياها بأية حجة وبأي سبب كان. وهنا يحدث أيضاً الانفصال بين العلم والدين لأن العلم يدافع عن حق الإنسان المجرد كل دفاع والدين لا يطيق التساهل إلى ذلك الحد خوفاً على نفسه.

وماعدا هذا أو ذاك فهناك اعتبار أخر: وهو أن الدين لما نشأ كان منفرداً بالإنسانية. أي أنه كان المدير الوحيد لشؤونها الروحية والزمنية. وكان يهزأ بكل علم دونه لأن كل علم كان قاصراً ضعيفاً لا شيء له من عظمة العلم العملية التي للعلم في الصناعة والتجارة والزراعة في هذا الزمان. وإنما كان العلم يومئذ عبارة عن أقوال جدلية ومقالات يحكيها التصور والذهن. فكان الدين معذوراً في احتقاره وازدرائه العلم إذ قيمة الشيء متوقفة على نتائجه. وقد كانت نتائج الدين حماسة نفوس تفتح الأرض من الشرق إلى الغرب وتقي وزهداً وصلاحاً تهدم الفساد وتنشر الخير. ومن حق صاحب هذه النتائج العظمى أن يزدرى ذلك العلم الضئيل الذي كان يصرف كل وقته في المجادلات والمشاحنات. ولكن لما شب العالم وشاب. لما تقدمت الهيئات الاجتماعية ورأت أن تكون الوحدة في الأمة بالدين لا يكفي الأمة بل يجب مع الوحدة الترتيب والتنظيم. وأن الترتيب والتنظيم لا يتمان بالتقوى والصلاح فقط بل يجب أن يكون هناك فضيلة عملية تُبنى على علوم وفنون شتى – تغير يومئذ وجه المسألة. يومئذ ظهر احتياج الدين إلى العلم اشد احتياج لتنظيم وترتيب ما تعب الدين في جمعه. ومن ذلك الحين عرف العلم قدره واخذ ينازع الدين سلطته عندما رآه لا ستغني عنه. وقد استمر هذا النزاع في كل امة وكل ملة وقتاً طويلاً.

وكانت الغلبة أولاً في جانب الدين لأنه كان معضوداً من الأرض والسماء. ولكن بعض أعاظم البشر الذين ترسلهم العناية الإلهية إلى الأرض لانفاذ مقاصدها السامية بموجب السنن السامية الموضوعة للعالم وضعوا في جانب العلم ثمار عقولهم الموهوبة لهم من السماء فأمالوا كفة الميزان نحو العقل والعلم إمالة هائلة. ونريد بذلك اكتشاف نواميس الكون واختراع مخترعاته البديعة التي تخفف شقاء الناس وتزيد رفاه البشر. فلما أصبحت نتائج العلم العملية ظاهرة إلى هذا الحد لم يعد في وسع الدين إنكارها. فنادى يومئذ بأنها تنطبق على مبادئه بعد أن صرف عمره في مقاومتها. وأخذ منذ ذلك الحين يقرأ كتبه بإمعان ليستخرج منها آيات يشدها ويمطها ليطبقها على مبادئه. فكان فوز العلم من هذه الوجه عظيماً جداً.

ولكن ما معنى هذا الفوز؟ معناه بالكلام الصريح أن الدين في كل أمة وكل ملة صار يشك بنفسه. وصار رؤسائه يتخذونه آلات لكبح جماح الشعب وقضاء أغراضهم السياسية أو الخصوصية. ولذلك خمدت واأسفاه تلك الحماسة الدينية اللطيفة التي كانت كنور أضاء العالم في صدري المسيحية والإسلام. لذلك لم نعد نرى أناساً يبكون عند سماعهم وعظ الإمام أو الكاهن من على المنبر كما كان يحدث في صدر الإسلام والمسيحية. اللهم إلا النساء اللواتي هن مثال الرقة واللطف في الأرض وحافظات الدين القلبي فيها. ولذلك أيضاً ضعفت آداب الشعوب وانحطت أخلاقها بارتخاء تلك الفضيلة السامية. فالتساهل من هذا الوجه إنما هو عبارة عن شك “بحرف” الدين. والشك بالحرف شك وإن سلم المعنى.

على هذه القواعد الثلاث التي تقد شرحها يبني الفلاسفة مرادهم بكلمة التساهل لما يصيحون “التساهل التساهل”. وإذا كان هذا التساهل فضيلة في نظرهم فهو لا يُعد فضيلة عند رجال الدين خصوصاً المتحمسين منهم. وبذلك يصير بيننا وبين الأستاذ (الإمام محمد عبده) بعد هذا البيان واد عميق جداً على ما نظن ويترك الأستاذ بعد الآن الدفاع عن هذا التساهل الذي هو التساهل الحقيقي ولا تساهل سواه.

ــــــــــــ

جزء من مناظرة الأستاذ فرح أنطون والأستاذ الإمام محمد عبده حول فصل الدين عن الدولة وقد جرت في أوائل القرن العشرين، وتم نشرها ملحق لكتاب “ابن رشد وفلسفته” لفرح أنطون الذي صدرت طبعته الأول في 1/1/1903.

تحرير مؤمن سلاّم

This entry was posted in Rare texts نصوص نادرة, Secular Essays مقالات علمانية and tagged , , , . Bookmark the permalink.