الجنرال السيسى .. والغموض المتعمد

 د.رياض حسن محرم رياض محرم

ما هو معروف عن السيسى حتى الآن لا يسمح بتقييم متعمق له ولا يعطى مساحة كافية للحكم الصحيح عليه، كل ما هو متوفر لا يتجاوز حديث صحفى لجريدة المصرى اليوم ومجموعة من اللقاءات مع ضباط القوات المسلحة وبعض الشخصيات العامة، بالإضافة الى الأطروحة التى قدمها أثناء دراسته بكلية الحرب الأمريكية فى 2006 وكذلك خطابه الأخير الذى أعلن فيه إستقالته وترشحه للرئاسة والذى تناول فيه بشكل أكثر إستفاضة الملامح العامة لبرنامجه الرئاسى.

مبدئيا من خلال مارشح عن توجهات الرجل يمكن تصنيفه بحذر بأنه يمثل “يمين الوسط” سياسيا بالرغم من أنه ينحدر من “الطبقة المتوسطة” المحافظة اجتماعيا فهو إبن حى الحسين المنحدر من أصول ريفية ، والمقصود ب”يمين الوسط” تحديدا أنه الإتجاه السياسى الذى ينحو الى تقليص الحريات العامة والحفاظ على القيم التقليدية للمجتمع وإستمرار نظام السوق الرأسمالى مع ميل لتوزيع أكثر عدالة للناتج الإجتماعى، وربما ساهم فى تشكيل موقفه السياسى هذا هو قربه من شخصيات تحمل هذا النوع من الفكر الإقتصادى أمثال الدكتور البرادعى وعمرو موسى وحسنين هيكل والدكتور الببلاوى.

جانب آخر هام من جوانب شخصية السيسى يتمثل فى النواحى النفسية والقدرات الخاصة المكتسبة من طول عمله بالمخابرات الحربية فيما يعرف بطريقة التفكير ولغة الجسد، فالرجل يملك درجة عالية من “الثبات الإنفعالى” و يستطيع أن يسيطر على إنفعالاته بدرجة عاليه، ظهر ذلك بوضوح أثناء مشاركته فى جنازات شهداء الجيش ولقاءاته مع أسرهم، والرجل يستطيع أيضا أن يكسب صوته نبرة حنونة مفعمة بالدفء الإنسانى ويستخدم تعبيرات ودودة وحميمية من نوع ” هذا الشعب لم يجد من يحنوا عليه” و “انتوا فى عيوننا” و ” إحنا نموت قبل أى شر يصيبكوا” وغيرها، ويستخدم جملا قصيرة ومكثفة وواضحة تنم عن عقل هادئ منظم.

 أهم وأوضح ما يمكن رصده عن توجهات الجنرال السيسى السياسية يمكن استغلاصها من الدراسة التى تقدم بها الى كلية الحرب الأمريكية أثناء دراسته بين العامين 2005- 2006 بعنوان ” الديموقراطية فى الشرق الأوسط” والتى يمكن تلخيص أهم ما ورد بها من الأفكار على النحو التالى:

1-   يبدأ السيسى دراسته بتوضيح أن الشرق الأوسط ذو حضارة عريقة وأنه مهبط الأديان السماوية ويحتوى على ثروات ضخمة وخاصة النفط مما جعله مطمعا للدول الإستعمارية بما صاحب لك من تأجيج الصراعات والحروب التى تعرقل تطور المنطقة سياسيا وتحقيق الديموقراطية بها.

2-   وجود إسرائيل بالمنطقة والصراع العربى الإسرائيلى والحروب فى العراق وأفغانستان يشكك فى دعاوى أمريكا بالترويج للديموقراطية، وفشلها فى تحقيق الديموقراطية على النمط الغربى بالعراق يفقدها المصداقية ويسقط هذا النموذج الوهمى.

3-   لا يمكن الوثوق فى النوايا الأمريكية لتحقيق الديموقراطية بالمنطقة بينما تسعى لتحقيق مصالحها من خلال التحالف مع أنظمة مستبدة وغير ديموقراطية.

4-   قبل الإنتقال لنظام ديموقراطى حقيقى يجب بناء ثقافة تتقبل هذه الثقافة وخاصة على المستوى المؤسسى وأن يكون ولاء الأمن للوطن وليس للنظام الحاكم.

5-   التطبيق السريع للديموقراطية فى مجتمعاتنا يمكن أن يخل باستقرار المنطقة.

6-   يمكن بناء نوع مختلف من الديموقراطية يعتمد على المكون الدينى بما تمثله الشورى والبيعة بشكل عصرى.

7-   ينبغى أن ينص فى الدستور على قيام الهيئات التشريعية والتنفيذية بأخذ تعاليم الاسلام بعين الإعتبار عند الفيام بعملها وهذا لا يعنى قيام حكم دينى ولكن ديموقراطية مبنية على تعاليم الإسلام مع السماح للأديان الأخرى بالوجود الآمن.

8-   يجب على حكومات المنطقة تنفيذ سياسات تقوم على الحرية الاقتصادية وتشجيع السوق الحرة.

9-   إن سيطرة الحكومة على أجهزة الإعلام والعمل على نشر الفكر العلمانى يعارضه الكثير من الاسلاميين ويؤدى بالضرورة الى حرمان رجال الدين المعتدلين من الظهور بها مما يزيد من انتشار وتاثير الافكار المتطرفة.

10-   توجد حاجة لنوع من وحدة الدول العربية مع إختلاف نظمها على غرار الإتحاد الأوروبى.

تلك أهم الأفكار التى وردت فى الدراسة ولكن لا يجب إعتبارها رؤيتة النهائية والغير قابلة للمراجعة أو التعديل لأسباب منها أن تلك الدراسة كتبت منذ ما يقرب من 10 سنوات فى ظل نظام حكم مبارك وليس مستبعدا أن يكون الرجل قد غيّر أو عدّل هذه الأفكار، كذلك يمكن أن يكون السيسى كتبها بعقلية رجل المخابرات الحريص فى سبيل إيصال رسالة معينة للإدارة الأمريكية.

على أن الحوار الصحفى الذى أجراه لصحيفة المصرى اليوم بعد تنحية مرسى عن الحكم والصدام الدموى مع الاخوان المسلمين قد وردت به أفكار بعيدة تماما عمّا جاء بالدراسة المذكورة، يقول فى حواره مع ياسر رزق ” هناك فارق كبير بين النسق الفكرى والنسق العقائدى لأى جماعة وبين النسق الفكرى والعقائدى للدولة، ولابد أن يتناغم الإثنان مع بعضهما والاّ حدث الصدام، إن القراءة لتاريخ جماعة الاخوان تكشف الفجوة العميقة بين الجماعة والقوات المسلحة التى تمتد الى موقفهم من ثورة يوليو والزعيم الخالد جمال عبد الناصر، ففى حين أن ولاء القوات المسلحة هو للدولة والوطن فإن الولاء والإنتماء للجماعة هو لأفكار الخلافة وهم لا يؤمنون بالأمة أو الوطن”

ليس معروفا على وجه الدقة موقف الرجل من القضية الفلسطينية ولا موقفه من إسرائيل وهل يعتبرها عدو أم لا؟، كما لا نعرف موقفه من معاهدة كامب ديفيد، كل ما يمكننا التأكيد عليه هو الدور الوطنى للجنرال ورغبته فى التأسيس لعودة مصر لدورها العربى والدولى وحساسيته الشديدة للتدخل الخارجى فى الشأن المصرى، تلك هى ثوابت الرجل أماّ ما عدا ذلك فهى مواقف غامضة وغير محددة بشكل مقصود.

 

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in د.رياض محرم and tagged , . Bookmark the permalink.