السلطة والفرد – برتراند راسل

د. لطفية عاشور

أقبلت على قراءة هذا الكتاب ثم ترجمتة تحت تأثير موضوعة الشيق والمهم بالنسبة لمجتمعنا وظروفنا الحاضرة نفس اهميتة لاى مجتمع سابق او لاحق

وهو سادس كتاب لبرتراند راسل المفكر العظيم والأديب والعالم وداعية السلام الذى استمر عطاؤة القيم والغزير فى مختلف فروع المعرفة قرابة ثمانين سنة

وقد ظهر الكتاب فى منتصف القرن العشرين فى انجلترا اولا على صورة محاضرات للاذاعة البيرطانية ويقول التقديم للكتاب ” واذا كانت هذه المحاضرات مفيدة لموضوع ساعتها عند بدء تقديمها فلابد وان تكون كذلك واكثر بالنسبة لوقتنا الحاضر وظروفنا الراهنة”ء

ويهدف الكتاب كما يقرر راسل للتوصل الى امكانية “الجمع بين قدر من السبق الفردى الضرورى لكل تقدم، وقدر من التماسك الاجتماعى اللازم لأجل البقاء”ء

ورغم ان راسل غنى عن التعريف فلابد من نبذة عن حياتة الحافلة المعاصرة: فقد ولد سنة 1872 وتوفى سنة 1970 فى الثامنة والتسعين. وكان فيلسوفا وأديبا وعالما، أثرى المعرفة الانسانية، وإنتشر عطاؤة فى أنحاء العالم على شكل كتب ومقالات فى علم النفس والاقتصاد و السياسة والرياضيات… الخ وزادت مؤلفاتة عن الخمسين. وكان أخرها كتابة تحليل العقل وهو مكتوب بجودة فائقة رغم ان مؤلفة كان قد جاوز الخامسة والتسعين

وقد ولد فى ويلز كحفيد لايرل راسل الأول، وتلقى تعليما خاصا ثم التحق بجامعة كمبردج وعين بعد تخرجة فى جامعة ترنيتى ثم انتقل الى لندن واستقر بها ليتفرغ للعمل الاجتماعى والسياسي – فكان له نشاط برلمان – كما كان من دعاة السلام وكان عضوا فى لجنة المائة لمناهضة التسلح الذرى – واشترك مع اينشتين فى التحذير من الأسلحة الذرية والنووية والدعوة لنبذها. وقد حكم علية لذلك بالسجن والغرامة مرتين كانت الأخيرة وهو فى التسعين من عمرة وبيعت مكتبتة للوفاء بالغرامة. ولم يمنعة كل هذا من الاستمرار فى دعوتة لتدميرالاسلحة الذرية والنووية – تلك الدعوة التى تحققت اخيرا بعد وفاتة بربع قرن تقريبا

وكانت آراؤة وحياتة وعلاقاتة الخاصة غير تقليدية أثارت اعتراض المجتمع المحافظ وقد تزوج ثلاث مرات وطلق مرتين وأصبح ابا لأول مرة بعد الخمسين ورزق بولدين وبنت أحبهم كثيرا وتفانى فى تربيتهم وتعليمهم حتى لقد أدار مدرسة حديثة لتعليمهم مع أخرين وقال راسل أن التعليم السليم يجب ان يشجع الأطفال على التفكير المستقل وعلى الابداع وان يتيح لهم المزيد من الحرية. وعندما كبر أولادة قرر انة يفضل تعليمهم فى جامعة شيكاجو على اكسفورد او كمبريدج. وقد ورث ابنة لقب ايرل (درجة من درجات النبلاء) بعد وفاة والدة الذى كان قد ورثة بعد وفاة اخية سنة 1939 ولكنة لم يستعملة

ومن مفارقات حياة راسل انة رغم كل ما لاقاة من معارضة ومحاكمة وسجن الا انة نال اعلى درجات التكريم والتقدير. فبالاضافة الى لقب ايرل حصل على وسام الاستحقاق سنة 1944 وعلى جائزة نوبل فى الأدب سنة 1950 وكان قد عمل فى الجامعة ولكنة فصل منها بسبب سجنة السياسي والف وهو فى السجن كتابة اسس الرياضيات  وهو مرجع مهم

وقد حاضر فى جامعات فرنسا والولايات المتحدة والصين وزرا الاتحاد السوفيتى  سنة 1920 ولكنة عبر بعد عودتة عن امتعاضة الشديد لما وجدة هناك من “بيروقراطية مستبدة” على حد قولة

وكان راسل عضوا فى حزب العمل ولكنة مزق بطاقة عضويتة اعتراضا على دور الحزب فى حرب فيتنام. وقبل وفاتة بيوم واحد فى فبراير سنة 1970 شجب اعتداء الطيران الاسرائيلى على مصر بعبارات واضحة ومنطقية وعادلة

وتكون رسائلة العديدة لصديقتة أوتولين مجموعة لها طبيعة العمل الفنى – قد استعملت فى كتابة سيرتة بعد وفاتة – كما كتب هو سيرتة الذاتية التى نشرت بعد وفاتة – وقرر فيها ان وفاة والدية وهو فى سن مبكرة جعلتة حساسا وقلقا وفى حاجة ماسة للاستقرار ولقاعدة آمنة

وقد صادف راسل صعوبات مالية فى بعض فترات حياتة  وقد حقق لة عملة بالصحافة والمحاضرات بالولايات المتحدة دخلا أوفر مما حققة عملة فى التأليف الأكاديمى

ويتضح من كل ما تقدم أن راسل كان مثالا للفردية من حيث تطلعة للسبق والمبادرة وحرية الرأى  وأنة عانى كثيرا من السلطة كلما تعارض نشاطة السلمى الانسانى مع سعيها للتفوق والتماسك والصمود. ولهذا فكتابة السلطة والفرد ليس فقط نتاج بحث وتفكير بل هو ايضا نتاج تجارب شخصية

ورغم صغر الكتاب نسبيا فانة يقدم كما وفيرا من الحقائق العلمية والآراء الصائبة عن مختلف فروع المعرفة والأنشطة البشرية. ويتناول المجتمع البشرى من كل نواحية وفى فترات نموة وتطورة. ويخلص من كل هذا الى قرارات رشيدة ومتزنة ونظرة مستقبلية متفائلة

ويقول راسل عن خطتة فى الكتاب

ء” وسأبدأ بالحوافز البشرية التى جعل التعاون الاجتماعى ممكنا وبعد ذلك سابحث درجة وقوة التماسك الاجتماعى فى أزمنة وأمكنة مختلفة لنصل لمجتمعات العصر الحالى واحتمالات مزيد من التطور فى المستقبل القريب وبعد ذلك سأتناول الجانب الأخر فى حياة الانسان وأعنى بالتحديد السبق الفردى مع بيان الدور الذى لعبة فى حلقات التطور البشرى المختلفة والدور الذى يلعبة فى الوقت الحاضر والامكانات المستقبلية للكثير او القليل منة فى الأفراد والجماعات وأخيرا سابحث كمسألة أخلاقية كل علاقة الفكر والجهد والتصور الفردى بسلطة المجتمع” ء

ويورد راسل فى بحثة حقائق مهمة وطريفة عن التطور البشرى بيولوجيا منذ الاف السنين والى دور الحوافز الهمجية الموروثة فى السلوك البشرى حتى عصرنا الحاضر والى اسباب الحروب وتطورها والى دور الخوف داخليا وخارجيا كعامل اندماج والى أثر العقيدة والقومية فى التماسك والتفوق. كذلك يقرر راسل:ء

ء ” نحن نعلم أن اى حياة تحيد أكثر من اللازم عن الدافع الطبيعى لابد وان تؤدى الى حالات توتر يمكن ان تتساوى فى مساوئها مع كل ما كان يحتمل أن ينشأ من مساؤى نتيجة لاشباع الرغبات المحرمة” ء

ويقول ايضا ” والناس الذين يعيشون حياة غير طبيعية يمكن ان يضمروا الحقد والحسد وسؤ النية وكل ما يتعارض مع الخير”ء

ويضيف بعد ذلك ” وأثناء محاولة ايجاد حل لهذه المشكلة، علينا ان نتذكر دائما أنة بالرغم من ان طريقة حياتنا وقوانينا ومعرفتنا قد تعرضت جميعها لتغيرات جذرية فان غرائزنا للخير والشر تبقى الى حد كبير كما كانت عندما وصلت امخاخ اجددنا الى حجمها الحالى فى الوقت الحاضر (وكان قد اوضح ان هذا حدث منذ مليون سنة تقريبا) ” ء

ويحذر راسل قائلا ” لا يجوز لنا ان نحاول الغاء التنافس ولكن علينا فقط ان نعمل على الا يتخذ أشكالا تؤدى الى اصابات بالغة” ء

ويعلن راسل فى أسى ” كان من سؤ الطالع ان يتقدم الجانب الهدام للتكنولوجيا بسرعة اكثر من الجانب البناء”

وبعد فالكتاب مشوق ودقيق وجدير بمؤلفة العظيم وفى متناول كل مستويات القراء ولو ان ادراك مؤلفة العميق والغزير يجعل لعض عباراتة طويلة ومركبة وقد شكل هذا الأمر صعوبة كبيرة فى عملية الترجمة كما انة يتطلب قرأة متأنية ومدققة

لتنزيل الكتاب

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Biblioteca مكتبة المحروسة and tagged . Bookmark the permalink.