روسيا وأوكرانيا.. صراع البحث عن المكانة والثروة والسلطة

 

سليمان شفيق سليمان

 

روسيا تسعى إلى حلم الإمبراطورية العظمى وأمريكا تريد إجهادها فى حرب باردة جديدة 
لم يكن الصراع الروسى الأوكرانى الحالى هو الأول وربما لن يكون الأخير، ذلك هو الصراع الرابع منذ تأسيس أوكرانيا فى القرن التاسع، دخول المسيحية، ورغم أن روسيا وأوكرانيا من عرقية واحدة (السلاف)، إلا أن روسيا اختارت المذهب الأرثوذكسى، وأوكرانيا انتمت للكاثوليكية، الأمر الذى أدى فى أول صراع إلى تفكك أوكرانيا فى القرن الثانى عشر، وتجدد الصراع فى مطلع القرن التاسع عشر وألحقت روسيا جزءا كبيرا منها للأراضى الروسية، وبعد انتصار الثورة الاشتراكية 1917 وانتهاء الحرب الأهلية 1923، انضمت أوكرانيا للاتحاد السوفيتى، وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، انضمت أوكرانيا 1945 للأمم المتحدة، وظلت حتى انهيار الاتحاد السوفيتى 1991، هى ثانى مكون للاتحاد السوفيتى، ولعل فهم الصراع الحالى لن يتأتى دون فهم الصراع حول المكانة والثروة والسلطة، بين السلاف الشرقيين الأرثوذكس الروس، والسلاف الغربيين الكاثوليك الأوكران، كانت البداية بعد تفكك الاتحاد السوفيتى، بدأ الصراع على التركة بين العملاقين الروسى والأوكرانى. 

 

أولا: السلاح النووى : كانت أوكرانيا تمتلك أكبر ترسانة نووية فى الشرق والثالثة فى العالم، 200 صاروخ عابر للقارات، و800 رأس نووى، وفى 23مايو 1992 عقد بمدريد اتفاقية الحد من الأسلحة الاستراتيجية، وضمت بيلاروسيا (روسيا البيضاء) وأوكرانيا وكازاخستان، كدول نووية من الاتحاد السوفيتى السابق، وأمريكا وروسيا ممثلين للمجتمع الدولى، ونصت الاتفاقية على خروج هذه الدول من النادى النووى، ووافقت بيلاروسيا وكازاخستان ورفضت أوكرانيا، مما أدى لعقد اتفاقية أخرى ثلاثية ضمت أوكرانيا وروسيا وأمريكا، ونصت الاتفاقية على تفكيك ونقل الترسانة النووية الأوكرانية عن طريق خبراء روس وضمان أمريكى بعدم تعرض أوكرانيا لأى هجوم نووى، وحددت الاتفاقية سبع سنوات. 

 

ثانيا: الميراث السوفيتى الثانى كان أسطول البحر الأسود، وهو أحد الأساطيل السوفيتية السبع، ويتكون من : 440 قطعة بحرية منها 45 سفينة كبرى، 280 غواصة، حاملتين للطائرات المروحية، مزودة بصواريخ كروز، وبعد صراعات عديدة استحوذت روسيا على الأسطول. 

 

ثالثا: شبه جزيرة القرم 

 

كانت شبه جزيرة القرم ضمن روسيا الاتحادية حتى 1954 عندما قام الزعيم السوفيتى الأسبق نيكيتا خروشوف بضمها إلى أوكرانيا، وضمها مدينة وميناء سيناستوبول على البحر الأسود، وظلت شبه جزيرة القرم تتمتع بالحكم الذاتى داخل جمهورية أوكرانيا، حتى تفكك الاتحاد السوفيتى حيث تزايدت المطالب القومية للروس الذين يشكلون نحو75% من السكان فى شبه الجزيرة والتى تمحورت حول دعم العلاقات مع روسيا، ومع تزايد المد القومى الروسى فى شبه الجزيرة توصل برلمانها إلى إصدار دستور فى السادس من مايو عام 1992 يتضمن تنازلات هامة لصالح القوميين الروس، إذ نص هذا الدستور على أن العلاقات بين القرم وجمهورية أوكرانيا تقوم على أساس تعاهدين واتفاقين، فيما يعنى عدم جواز إرغام جبهة من الجبهتين على قبول إجراءات لا تتفق ومصالح أحد الطرفين كما يتيح هذا الدستور لجمهورية القرم تشكيل قوات لحماية الأمن الداخلى وإمكانية الحصول لمواطن القرم على الجنسية المزدوجة الروسية والأوكرانية، لمن يرغب فيها، منذ مايو 1994 وخاصة فى 20 مايو، حينما عقد برلمان القرم اجتماعا أسفر عن قرار بالعودة إلى دستور مايو 1992 وإقرار قانون التعديلات الدستورية الروسية الذى يتضمن فى الحقيقة إمكانية الانفصال عن أوكرانيا، والانضمام إلى روسيا، وقد دفع هذا التطور فى القرم لإثارة مخاوف عميقة لدى أوكرانيا، ومنذ ذلك التاريخ تجددت الأزمة حول القرم ثلاث مرات، وسط خشية الأوكرانيين إما من استخدام الروس للقوة، أو إجراء استفتاء بين السكان الذين تشكل فيهم القومية الروسية الأغلبية، فتعود القرم إلى روسيا. 

 

رابعا: سلاح الغاز والتلويح بمنعه

 

أما شركة «غازبروم» فأشهرت أوراق سعر الغاز سلاحاً ضد الجار الأوكرانى، مهددة بإلغاء الاتفاقيات، فى الوقت الذى تقف فيه كييف على أبواب إفلاس فعلى لن يخرجها منه الارتماء فى أحضان الاتحاد الأوروبى، الذى يعانى أصلاً من أزماته الاقتصادية. 

 

من جديد يتقدم بوتين على رقعة شطرنج الاتحاد السوفيتى السابق، وهو لا يحتاج فى الواقع إلى اتفاقيات أو بروتوكولات أو بيروقراطية لتوجيه دباباته وجنوده إلى ساحة المعركة. ما كان كافيا بالنسبة إلى روسيا، هو نداء رئيس حكومة القرم سيرغى أكسيونوف، لطلب المساعدة من الرئيس الروسى «من أجل الحفاظ على الأمن فى أراضى جمهورية القرم الذاتية الحكم». 

 

هل ما يشهده العالم اليوم هو «حرب عالمية جديدة»، أم آخر أيام لأوكرانيا الموحدة؟ وهل سنشهد ولادة أوكرانيتين شرقية وغربية أم أوكرانيا غربية وروسيا أكبر؟ 

 

لكن هذه التساؤلات، وبرغم تصاعد التوتر فى شبه جزيرة القرم، مازالت سابقة لأوانها، فرئيسة الاتحاد الروسى أكدت أن قرار التدخل العسكرى لم يُعتمد بعد، ولكنه وارد فى انتظار ما ستؤول إليه الأوضاع الأمنية لدى حليفتها التاريخية. وعلى أرض الواقع، فإن الحرب التى أعلنت على السلطات الأوكرانية مازالت تعد ضمن «التهويش». 

 

وأنه من المبالغة القول إن روسيا مقبلة على مغامرة عسكرية فى الشرق الروسى من خلال تحريك بعض القوات فى شبه جزيرة القرم، ذلك أن هذه الخطوة ما زالت حتى الآن ضمن الإطار الشرعى، باعتبار أن المعاهدة الخاصة بالأسطول الروسى فى سيفاستوبول تسمح للكرملين بنشر 25 ألف جندى فى هذه المنطقة الاستراتيجية علاوة على 132 مدرعة و22 طائرة حربية. 

 

وعلى الجانب الآخر، فإن زعيم اليمين فى أوكرانيا «ديميترى ياروش» حاول إمساك روسيا من «ذراعها الموجوعة» تجاه الإرهاب ووجه رسالة قوية للكرملين، بدعوته الإرهابى «دوكو عمروف» إلى «مواصلة النضال ضد روسيا»، فيما كانت القيادة السياسية فى أوكرانيا، وعلى لسان وزير خارجيتها اندريه ديشيتسا، تطلب من الاتحاد الأوروبى وحلف شمال الأطلسى والولايات المتحدة النظر فى إمكانية الدفاع عن سيادة أوكرانيا وسلامة أراضيها. 
إلا أن رئيس «معهد العلاقات الدولية» فى وارسو «أدجى شيبتيتسكى» يرى أن «حلف شمال الأطلسى لن يقدم المساعدة العسكرية لأوكرانيا فى حال وجهت روسيا قواتها إلى القرم». 

 

هكذا نكتشف أن الأمر لن يزيد على أن تحرك الجيوش الدبلوماسية، سيتقرر الاستفتاء للقرم، وإذا حدث ذلك سيكون هذا الاستفتاء هو الفخ الذى يقع فيه الدب الروسى، حيث ستطالب عدة مقاطعات من الاتحاد الروسى بإجراء استفتاء للانفصال مثل الشيشان، ولذلك ليس أمام الدب الروسى سوى العودة إلى اتفاق 1992 مع تطويره بما يصل للحكم الذاتى حتى لا ينضم القرم لروسيا وينفصل عنها أربع مقاطعات، وإذا تقدم الناتو (وهو احتمال ضعيف) نحو مساندة أوكرانيا عسكريا، فسوف يؤدى ذلك إلى تفكك أوكرانيا، لأنها تحاط بحلفاء روسيا، بيلاروسيا من الشمال وروسيا من الشرق، وهى الطرق التى تسمح بالتدخل لبعد بولندا وسلوفاكيا والمجر من الغرب، ويبقى أن الروس يحاولون باستيلائهم على القرم قطع الطريق على أوكرانيا (أكبر دول أوروبا الشرقية) من إقامة تحالف ضد الروس من أجل زعامة الشرق ، وفى كل الأحوال لا تريد أمريكا سوى إجهاد روسيا فى حرب باردة جديدة، فى حين تحاول روسيا العودة إلى حلم الإمبراطورية الروسية العظمى.

 

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in International Affairs شؤون دولية, سليمان شفيق and tagged , . Bookmark the permalink.