الإيديولوجيا بين العلمانية والأصولية الدينية

مؤمن سلاّم مؤمن سلام

مازال الكثيرون يخطئون في اعتبار العلمانية أحد الأيديولوجيات سواء كانوا محايدين أو معارضين للعلمانية. وعلى الجانب الأخر وجدنا من يعتبر الأصولية الدينية بإجمالها أيديولوجية رغم اختلاف الأصوليات الدينية فيما بينها.

فما الإيديولوجيا؟

يعرفها أنطوان دو تراسي أول من صك اللفظ بأنها علم الأفكار. ويورد أندرو هيود في كتابة مدخل إلى الأيديولوجيات السياسية مجموعة من التعريفات للأيدولوجيا تختلف باختلاف موقف المفكر أو الفيلسوف من فكرة الأيدولوجيا سالبا أو إيجابا فهي:-

نسق عقيدي سياسي.

مجموعة من الأفكار السياسية ذات التوجه الحركي.

أفكار الطبقة الحاكمة.

رؤية كونية لجماعة اجتماعية أو طبقة اجتماعية معينة.

أفكار سياسية تجسد أو تبين المصالح الاجتماعية أو الطبقية.

أفكار تسكن الفرد داخل سياق اجتماعي وتولد إحساس بالانتماء الاجتماعي.

مجموعة من الأفكار المصرح بها رسميا وتستخدم لإضفاء الشرعية على نظام سياسي ما.

مذهب سياسي شامل يدعى احتكار الحقيقة.

مجموعة مجردة ومنظمة بدرجة عالية من الأفكار السياسية.

فهل يسري أي من هذه التعريفات على العلمانية؟

العلمانية في تعريفها السياسي هي فصل الدين عن الدولة أو المؤسسات الدينية عن المؤسسات السياسية، وفى تعريفها الفلسفي “التفكير في النسبي بما هو نسبي وليس بما هو مطلق” فهي إذا نمط تفكير، وفى تعريفها المنبثق من التاريخ العربي الإسلامي “هي تقديم العقل على النقل في الشئون العامة للدولة”. إذا فالعلمانية لا تقدم أي نسق سياسي ولا أفكار سياسية ولا رؤية كونية. فهي لا تقرر نظام سياسي ولا اقتصادي ولا اجتماعي، فالعلماني قد يكون ليبرالي أو يساري، قد يكون رأسمالي أو اشتراكي، قد يكون محافظ أو متحرر. فالعلمانية تعني فقط بأن تكون شئون الدولة خاضعة لمتغيرات الواقع والتفكير العلمي بعيدا عن مطلقات الدين التى لا تتغير بتغير الزمان والمكان. فاختلاط المطلق بالنسبي يفسد المطلق ويدمر النسبي.

أما الأصولية الدينية، فرغم أن بعضها يقدم تصورات للنظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلا أن البعض الأخر لا يفعل ذلك. فالأصولية المسيحية المتمثلة باليمين الديني أو المحافظين الجدد في الولايات المتحدة لا يرفعون شعار المسيحية هي الحل أو الإنجيل دستورنا ولا يقدمون نظريات سياسية واقتصادية يدعون أنها مستقاة من الكتاب المقدس. بل تهتم الأصولية المسيحية في الولايات المتحدة بقيم الأسرة، ومحاربة الإجهاض والمثلية الجنسية، والربط بين الأهداف القومية وتنفيذ مشيئة الرب على الأرض، وطرح رواية مسيحية للتاريخ الأمريكي، ويعتبرون العلمانية هي مصدر جميع الأمراض الاجتماعية المعاصرة، فهي في جوهرها استخدام سياسي للدين وليست أيديولوجيا تقدم تصور للسياسة والاقتصاد. بل على العكس تتبنى الرأسمالية الكلاسيكية بإصدارها الجديد الأكثر توحشا. على الجانب الأخر، تقدم الأصولية الإسلامية تصور سياسي واقتصادي للدولة تدعى أنه ينبثق من الدين الإسلامي فتطرح نظريات للحكم الإسلامي والاقتصاد الإسلامي والعلاقات الدولية في الإسلام ونظريات الحرب في الإسلام وغيرها من التصورات المتعلقة بالدولة تدعى أنها مستقاة من النص الديني المقدس الذي لا يجب الخروج عنه. وبغض النظر عن مدى صحة هذه الرؤية أو مدى انبثاقها في الحقيقة من النص الديني المقدس، فإننا نستطيع القول أن هناك أيديولوجيا إسلاموية. وليست كل الأصوليات الدينية مثل الأصولية الإسلامية

ومن هنا نرى أن العلمانية والأصولية الدينية بعمومها ليست أيديولوجيات وإنما أنماط تفكير تتعلق بالموقف من المطلق والنسبي، والسياسي والديني، والعقل والنقل.

Print Friendly
This entry was posted in مؤمن سلاّم and tagged , , . Bookmark the permalink.