المَدْرَسَةُ المِصْرِيَّةُ.. لَمْ يَعُدْ فِي قَلْبِي مَكَانٌ لِرُصَاصَةٍ جَدِيْدَةٍ

د. بليغ حمدي إسماعيل بليغ

هل من جديد لو كررنا القول بإن التعليم استثمار وليس مجرد أداء روتيني يمكن حصره في مسكنات وزارة التربية والتعليم التي قصرت جهودها فقط على تطوير الكتاب المدرسي بالحذف أو الإضافة أو التعديل أو تطويل السطور، وعلى إدخال المفهومات غير المطابقة لواقع المجتمع مثل التقويم الشامل والتنمية المهنية وغير ذلك من قيود تكبل المنظومة نفسها، بالقطع هناك جديد طالما يذهب أولادنا كل نهار وبعد الظهر أيضاً إلى المدارس التي باتت تشبه المستشفيات الخالية من البهجة وممارسة ألوان النشاط إلا حينما يقوم أحد المسئولين مثل الوزير الذي كان في يوم من الأيام عميد الأدب العربي القامة والمكانة الشاهقة، ونجيب الهلالي الذي أغفل كتاب التاريخ حقه لأنه بالفعل انشغل بممارسات القائمين على تأليفه.

لكن اليقين يؤكد أن الأمم التي تسعى للنهضة وتسير في طريقها للارتقاء تأخذ بمبدأ أن التعليم استثمار للعقول والمهارات والأداءات وتربية وتنمية للمشاعر والجوانب الوجدانية، وربما هذا ما يصر المسئولون على تجاهله باستثناء استخدام بعض المفهومات التربوية المستحدثة والتي لا تتوافق مع واقع مجتمع لا يزال يعاني من شلل الأطفال والأمية ورغم ذلك نجد وزير التربية والتعليم والقائمين على أمر التعليم في مصر يحدثوننا بحديث غريب ويبدو عجيباً أيضاً عن تعليم قد يأتي يواكب أحداث المشهد السياسي لكن ما يمكن استشرافه أن التعليم الجيد لا يقتصر على قرارات وزير أو استحداث نظم تعليمية متقدمة قد تبدو كالجسم الغريب بالجسد الحي، بل يتمثل التعليم في أبهى صوره عن طريق الشراكة الحقيقية بين أولياء الأمور والطلاب ورجال الأعمال المهمومين بالقضية والمؤسسة الرسمية للتعليم.

وربما تناولنا في مقالات سابقة أحوال المنظومة التعليمية مثل الكتاب الذي صار مريضاً بالفعل من ناحية المعلومات الباهتة ويكفيك أن تعلم حقيقة مفادها أن اللغة العربية بكتبها المدرسية تقدم معرفة وبيانات ومعلومات وتجهل المهارات اللغوية وكأن القائمين على تعليمها أخطأوا القصد وظنوا أن اللغة معرفة لكنها في الحقيقة مجموعة من المهارات والأداءات وليست كالدراسات الاجتماعية، مثلها في الحال مثل مواد الكيمياء والفيزياء والأحياء التي خرجت من طبيعتها العلمية الأدائية وأصبحت حبيسة ورقة الاختبار وتسجيل مجموعة من الحقائق العلمية بغير تطبيق أو تطوير لها.

ومن المؤسف أن نكرر قصة العالم الدنماركي نيلز بور والذي حصل على جائزة نوبل في الفيزياء عن طريق اختراع وتطوير جهاز الباروميتر المعني بقياس الضغط الجوي وكيف واجه عقم المناهج والنظريات العلمية وقصور تفكير وتقييم الأساتذة له، ورغم أن هذه الواقعة التاريخية قد مضى عليها نصف قرن إلا أننا لا نزال نقف عند حدود المعلومة وربما لا نفكر مستقبلاً في تجاوزها لأننها بالفعل لم نستخدمها حق استخدام لقصور المعامل والأجهزة المتزامن مع قصور تفكير القائمين على المنظومة التعليمية.

لكن إذا كان الوطن بحق يسعى للارتقاء فينبغي أن يكون على وعي تام وكامل بأسس المدرسة الحديثة التي يمكن وصفها بالصدق من حيث مطابقة الواقع وحاجات المجتمع ومطالبه التي لن تنتهي لأنه بالفعل لا يزال وليداً لاسيما بعد ثورته السياسية وإسقاط النظم الحاكمة التي سيطرت على التعليم من أجل مصالحها لا من أجل مصلحة الوطن. والمدرسة بهذه الصورة تتطلب شروطاً ومواصفات  قد يراها معظم المواطنين رفاهية لكنها في الحقيقة هي صلب التطوير والتحديث، منها موقع المدرسة نفسها، فكثير من المدارس التي يتم تشييدها تقع وسط البنايات السكنية مما يجعل الطالب يذهب إلى مدرسته وكأنه لم يفارق بيته الضيق، لكن ينبغي للمدرسة أن تكون في مناطق خالية من العمارات الشاهقة والبنايات السكنية التي تتعالى منها أصوات الجيران ومشاجراتهم، وكم كنا ونحن صغار أكثر شغفاً بمراقبة السكان وهم يطلون من شرفات مساكنهم غير مبالين لشرح المعلم، لكن يبدو أن الوزارة لا تريد التفكير في مشكلات قصور انتباه المتعلمين لأنها بالفعل مشغولة بقضايا أخرى تراها أكثر أهمية.

إن المكان التعليمي هو الذي يسمح أو يعيق نجاح التعليم وهذه الحقيقة يمكن ملاحظتها من خلال متابعة ومشاهدة القنوات التعليمية الأجنبية التي تعرض المدارس وتصميمها لا الذي يشبه مدارسنا الأقرب للمراكز الصحية أو المؤسسات الإدارية التي تجعل من الطالب موظفاً لا مبدعاً ويسير بحركات ثابتة تبعاً لطبيعة المكان والتصميم الهندسي.

والشرط الثاني للمدرسة المصرية الحديثة هو توافر مدير تعليمي يتسم بمواصفات ومؤشرات تحقق الريادة والإبداع والتفوق الأكاديمي وفاعلية النشاطات المدرسية، وما أفجع حقيقة أن غالبية مدرائنا بالمدارس غير مؤهلين أكاديمياً وتربوياً وشرط ترقيهم فقط هو حصولهم على دورات تدريبية تنظمها مديريات التربية والتعليم أو رضا رؤسائهم فقط. لكن المدير مثل الحاكم عليه أن يكون أكثر خبرة بالنظم التعليمية وأن يكون قد جرب وشاهد وعاين واختبر كثيراً من المشاهدات الصفية وغير الصفية، بالإضافة إلى قياس حجم إنجازاته المرتبطة بمجال المهنة نفسها لا بقدر مساهماته الحزبية أو النقابية أو السياسية.

مشكلة مدراء المدارس المصرية تتمثل في قصورهم الشديد في امتلاك المعرفة واستخدام المهارات الأكاديمية وإفالهم عن فائدة النشاطات التعليمية وظنهم بأنهم حراس على سجناء هم المعلمين والطلاب والعمال. لذلك فالمدير عليه أن يقوم بالتطوير وتقديم خطته إلى الوزارة وليس العكس وأن يستهدف تنمية قدرات ومهارات وكفايات معلمين ومعلمات مدرسته لا أن يصبح كرجل البريد الذي يقدم نشرات الوزارة أو المديرية فقط إليهم.

وكم من مدير قابلته شخصياً وظننت أنه بالفعل يدير مؤسسته، لكنه يكتفي بمؤشرات الحكومة الروتينية مثل متابعة الجدول المدرسي، ومراقبة خروج المعلمين من بوابة المدرسة بغير تصريح، أو مقابلة بعض أولياء الأمور وليس كلهم وهو يناقش مشكلة دراسية لا لأن يعرض فكرة جديدة أو اقتراحاً مبدعاً، وربما اهتم بعضهم مؤخراً بنظرية مبارك في تسجيل الإنجازات الكاذبة عن طريق لوحات الحائط والصور الثابتة التي لا تفي ولا تشي بشئ سوى ادعاء التميز.

ويسألونك، لماذا يكره أولادنا مدارسهم ؟ والإجابة لا يغفل عنها أولياء الأمور ولا القائمون على المنظومة التعليمية لكننا حقاً خير من يجيد التجاهل في كل أموره، ومن باب أولى تدبر السؤال، يكرهون مدارسهم لأنها خالية من البهجة، وخالية من الحراك والفاعلية، وأصبح الطلاب يذهبون إلى المدرسة كسباً لرضا آبائهم فقط، وقليل جداً من يذهب لغرض التعليم الذي بات بالفعل غائباً.

ومصر التي تهوي بسرعة عجيبة تعليمياً يكفيها من الحرج أن تسمع عن بلدان بدأت بعدها بكثير من العقود وأصبحت تمتلك مدناً للمعرفة، وصارت تدير المعرفة كالاستثمار، أما نحن فالتعليم لم يعد ادخاراً للمستقبل ولم يكن في يوماً من الأيام استثماراً، وكم من مدرسة تدعي أنها تميزت وحققت الجودة ونالت الاعتماد، وربما صدقت نفسها بأنها مؤسسة دولية مصر نفسها لا تمتلك تصنيفاً عالمياً في التعليم، أما التربية فأغاني المهرجانات كفيلة بالإجابة عن هذا الموضوع.

مشكلات كثيرة يعاني منها التعليم في مصر، والقلب لم يعد بحاجة إلى رصاصة جديدة حسب قول الشاعر الاستثنائي محمود درويش حينما قال : ( لم يعد بقلبي مكان لرصاصة جديدة )، ورغم ذلك فأنا ممن يملكون رصيداً هائلاً من التفاؤل والأمل رغم أن بعض أصدقائي يقولون على سبيل السخرية بأن أمل هذه قد ماتت وتفاؤل انتحرت بالفعل، لكن على هذه الأرض ما يستحق الحياة وهم أبناؤنا الذين لا دخل لهم بالمشهد السياسي المستعر ولا طاقة لهم بمعارك سياسية يشوبها الطمع في السلطة، لذا فعلينا أن ننهض بتعليمنا وأن نكون صادقين ونحن نقدم لهم تعليماً جيداً يتناسب مع معطيات هذه المرحلة.

إن أولياء الأمور يسعون إلى أن يحصل أبناؤهم على تقديرات جيدة وهذا أمر سهل ويسير، لكنهم يغفلون أن ماهية التعليم تتمثل في تنمية مهارات وكفايات من أجل المستقبل لا من أجل الانتقال إلى صف دراسي جديد، وكنت أفضل وهذا لا ولن يتحقق في ظل وزارات تعليمية غائبة عن المشهد العالمي، أن تقوم كل مدرسة بتقديم ندوة تعريفية قبل بداية العام الدراسي تعرض فيها سبل التطوير التي تسعى إليها، وإبراز أوجه النشاطات التي ستقدمها للطلاب، وكنت أتمنى أن يدرك الآباء حقيقة أنهم شركاء في المنظومة التعليمية وأن من حقهم المتابعة القريبة من أبنائهم وأن المدرسة لا تمتلك حق منعهم في هذا.

مدرستي كقلبي صار مجهداً ومتعباً بفضل المسكنات والأمصال والعقاقير، لذا فهو ليس بحاجة اليوم إلى رصاصة جديدة، هو يحتاج فقط إلى ثمة حياة تجئ، فهل يعي الوزير ورفقاؤه وشركاؤه والقائمون على التعليم في مصر هذه الحقيقة أم أنهم سيتركون القلب يموت برصاصة جديدة محلية الصنع ؟.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in د. بليغ حمدي إسماعيل and tagged , . Bookmark the permalink.