معركة قادش ….. و علاقتها بأحداث نشأة الكون

صفاء محمدقادش

كان المصرى القديم يستخدم أسلوب “الاسقاط” عند تدوين الأحداث التاريخية , فيقوم باسقاط الأحداث الميثولوجية (المتعلقة

بنشأة الكون) , على الأحداث التاريخية , أو العكس . هذا الربط بين ما يحدث فى العالم المادى و بين الزمن الأول (الزمن الذى وقعت فيه أحداث النشأة الأولى) يحتل أهمية كبرى فى مصر القديمة . و تعتبر معركة قادش أحد الأمثلة التى قام فيها المصرى القديم باسقاط أحداث نشأة الكون على الحدث التاريخى .

وقعت معركة قادش أثناء حملة الملك رمسيس الثانى فى منطقة  الشرق الأوسط ضد الحيثيين . وقد سجل الفنان المصرى أحداث المعركة على جدران معبد رمسيس الثانى بأبيدوس , و معبد الأقصر , و معبد أبو سمبل و معبد الرامسيوم .و فكرة تسجيل أحداث المعركة على جدران المعابد تكفى دليلا على أن هذه المعركة لم تكن عند قدماء المصريين مجرد حدث تاريخى , و انما هناك علاقة بين هذا الحدث و بين عالم الروح , لأن المعبد فى مصر القديمة كان هو بيت البا (الروح) . و هناك من الأدلة الأركيولوجية ما يكفى لاثبات أن هذه المعركة

حدثت بالفعل , و لكن فى نفس الوقت قد ينتهى الأمر بالباحث الى اساءة فهم الرموز المتعلقة بتسجيل تلك المعركة الهامة اذا نظر الى معركة قادش على أنها حدث تاريخى فقط , و أغفل علاقتها بالميثولوجيا و أحداث نشأة الكون . ففى مصر القديمة لم تكن أفعال الملك تقتصر على العالم المادى , و انما كان كل فعل يقوم به الملك يخاطب به عالمين فى نفس الوقت …. العالم المادى و عالم الروح . لذلك كانت الأحداث التاريخية هى  فى نفس الوقت أحداثا ميثولوجية فى نظر المصرى القديم .

تحكى المصادر التاريخية المدونة على جدان المعابد عن توجه الملك رمسيس الثانى بجيشه المكون من 4 فرق الى قادش . و عند اقترابه من مدينة قادش التقى برجلين من البدو أخبراه بمعلومات خاطئة عن موقع جيش الحيثيين . و قد اتضح بعد ذلك أنهما جاسوسين  قاما بتسريب معلومات خاطئة عن قصد .و عندما سمع رمسيس الثانى بأن جيش الحيثيين ما زال بعيدا عن قادش انفصل عن قواته و قام بالتخييم على قمة أحد التلال بعيدا عن الجيش المصرى .

ثم تفاجئنا النصوص بعد ذلك بأن الملك قد “ولى وجهه شطر الغرب و اتخذ عرشا من الذهب” , لتبدأ أحداث المعركة أثناء الليل , و يقوم الحيثيين بحصار الملك الذى أصبح وحيدا , فيواجه الأعداء فى الظلام وحده . ثم تصف النصوص انتصار الملك على الأعداء , هذا الانتصار الذى جاء متزامنا مع شروق “رع” فى الأفق عند الفجر و انتصار النور على الظلمة .

من المدهش أن تذكر النصوص أن المعركة بدأت أحداثها مع غروب الشمس و انتهت مع شروق الشمس , لأن المعارك الحربية نادرا ما تحدث ليلا . و لكن هذا الرمز يذكرنا بكتب العالم الآخر (مثل كتاب البوابات و كتاب الأمدوات) التى تحكى عن رحلة “رع” فى العالم الآخر و التى تبدأ دائما مع الغروب و تنتهى عند شروق الشمس و ميلادها من جديد فى الأفق , و هى رحلة لا يقوم بها “رع” وحده و انما يصطحب معه فى قاربه أرواح البشر العارفين .

لا نستطيع أن نغفل هذا الخيط الرفيع الذى يربط بين أحداث معركة قادش و بين رحلة “رع” فى العالم الآخر . و قد استخدم المصرى القديم الحدث التاريخى كوسيلة لاعادة سرد أحداث ميثولوجية , و أيضا لأن دور الملك الرئيسى كان هو ربط العالم المادى بعالم الروح و القيام بالطقوس التى من شأنها الاتصال بذلك العالم . لذلك فمن المفيد أن ننظر الى ما قام به رمسيس الثانى أثناء الليل بأنه كان فعلا “طقسيا” , هذا الفعل الطقسى كان هو الأهم فى نظر المصرى القديم من أحداث المعركة التاريخية .

———————————————————————–

من كتاب (Temple of the Cosmos) للكاتب البريطانى Jeremy Naydler

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in صفاء محمد and tagged . Bookmark the permalink.