مشروع محمد على التنويرى

محفوظ أبو كيلة  محفوظ

كان تنوير الأذهان من استراتيجيات محمد على الأساسية فى مشروعه الطموح لإقامة دولة حديثة ونقرأ ذلك فى الرسالة التى وجهها إبراهيم باشا أبن محمد على فى عام 1833إلى السلطان العثمانى محمود الثاني قال فيها “إن محاولة النهضة لا تبدأ بتزويد الشعب بالبنطلونات الضيقة، وبدلا من البدء بالملابس كان الأجدر بالباب العالى أن يهتم أولاً بتنوير الأذهان “.

وكانت البعثات العلمية التى أرسلها محمد على إلى أوروبا هى التعبير العملى والعمود الفقرى لتلك الأستراتيجية,
واستطاع هؤلاء الذى قدر عددهم ب 250 مبعوث أن يستوعبوا الفكرالعلمى والتنويرى الأوروبى. وكان أنبهار الشيخ رفاعة الطهطاوى المرشد الروحى لبعض البعثات شديدا بما رآه فى المدن العامرة بالعلوم والفنون والعدل والأنصاف مماجعله يقول إن الإسلام لولا نصرته بقوة الله سبحانه لكان كلا شيئ بالنسبة لقوة الأوروبيين وسوادهم وثروتهم وبراعتهم “.وكان الشيخ رفاعة دائم عقد تلك المقارنات ليبين ضخامة التفاوت العلمى والحضارى بين الأوروبيين المسلحين بالعلوم الحديثة والأفكار التنويرية، وبين المسلمين الذين يجترون علوما تراثية عفا عليها الزمن لانفع لها لحاضرهم ومستقبلهم.

وعنى محمد علي بنشر التعليم على اختلاف درجاته من عال الى ثانوي الى ابتدائي، ويتبين من مقارنة تاريخ المنشات العلمية انه عنى اولا بتأسيس المدارس العالية وايفاد البعثات، ثم وجه نظره إلى التعليم الابتدائى والثانوى. وقد اراد بادئ الامر ان يكون طبقة من المتعلمين تعليما عاليا يستعين بهم في القيام باعمال الحكومة والعمران في البلاد، وفي نشر التعليم بين طبقات الشعب، وقد نجح هذا الترتيب فى تكوين طبقة تعلمت تعليما عاليا قبل انشاء المدارس الابتدائية والثانوية وتكفل الازهر بإمداد المدارس العالية والبعثات بالشبان المتعلمين الذين حازوا قسطا من الثقافة يؤهلهم لتفهم دروس المدارس العالية في مصر او في اوروبا، فكان الازهر خير عضد للتعليم العالى الذى اشتمل على عدد من المدارس العالية والخصوصية منها المهندسخانة، والمعادن، والفنون والصنايع( العمليات) والطب التى الحق بها مدرسة للممرضات والقابلات والولادة، والصيدلة التى ألحق بها حديقة للنباتات الطبية، والطب البيطرى، والزراعة، والمحاسبة، والألسن، والحربية والبحرية. وانشئ عدد 50 مدرسة ابتدائية ب 15 مديرية، وعدد من المدارس التجهيزية ( الثانوية ).وانشئ ديوان المدارس عام 1837 الذى تحول إلى وزارة المعارف بعد ذلك، ليشرف على هذه المدارس العالية والخصوصية والابتدائية التى كان ينتظم فيها حوالى 9000 دارس تتولى الحكومة الانفاق على تعليمهم وسكناهم وملبسهم وتؤدى لهم رواتب لمصروفهم الشخصى.

وإذا كانت القوى العالمية الكبرى قد نجحت يومئذ فى اجهاض مشروع محمد على السياسى وتفكيك بناه ( مؤتمر لندن 1840 )، إلا أن الفكر التنويرى الذى حمل لواءه الشيخ رفاعة وأفراد البعثات العلمية وخريجو هذه المدارس العلمانية العامة الابتدائية والثانوية والمهنية والخصوصية والعالية التى أنشأها محمد على الطراز الأوروبى. بالإضافة إلى الأثر الثقافى الكبير لمطبعة بولاق والمطابع التى انشات على اثرها التى سطعت أنوارها على المجتمع منذ النصف الثانى من القرن التاسع عشر، قد أثمرا حركات فكرية وسياسية وطنية واجتماعية
ودينية متنورة ساهمت فى تخليق طبقة وسطى جديدة, كان محمد على يطمح بأن تلعب الدور الريادى نفسه الذى لعبته فى نهضة الدول الأوروبية الحديثة وتطورها، فيما لو نجح مشروعه السياسى. وعند وفاته عام 1849 لم تكن هذه الطبقة قد تبلورت بعد.

This entry was posted in محفوظ ابو كيلة and tagged , , , . Bookmark the permalink.