الأقباط والحركة الوطنية

سليمان شفيق سليمان

منذ تأسيس الدولة الحديثة ساهم الأقباط في تأسيس تلك الدولة، 1804 شارك البطريرك بطرس الجاولي، والمعلم إبراهيم الجوهري مع الشريف عمر مكرم بالتوقيع علي اول وثيقة دستورية في الشرق والرابعة في العالم، وكانوا من أوائل الطلاب في بعثات محمد علي باشا، وكان نوبار باشا أول رئيس وزراء مسيحي في مصر(عصر إسماعيل)، وفي 1882 وقف الأنبا كيرلس (البطريرك كيرلس الخامس فيما بعد) مع عرابي، واستمر كيرلس في موقفة الوطني مما تسبب في نفيه 1892 إلي دير البراموس لعداءة للإنجليز، وفي 1919 وقف مع سعد زغلول وكان صديقا له، ولم يتوقف الأمر علي دعم البطريرك لثورة 1919، بل كلنا نعرف مواقف القس سرجيوس، ومكرم عبيد وسينوت حنا وويصا واصف وفخري عبد النور، وساهم الأقباط في دستور 1923 ورفضوا معاملتهم كأقلية، وحينما الغي صدقي باشا الدستور 1930، كافح الأقباط حتى عاد الدستور 1935، ويذكر التاريخ أن ويصا واصف رئيس مجلس النواب حطم سلاسل بوابة المجلس، وادخل النواب وعقد الجلسة التاريخية التي رفض فيها دستور 1930، ومن ذلك الوقت لقب “ويصا واصف محطم السلاسل”، كما يذكر التاريخ كيف حضن سينوت حنا النحاس باشا حينما اطلق علية النار في مظاهرة بالمنصورة، كذلك شارك الأقباط في انتفاضات الشعب المصري، في انتفاضة الطلبة والعمال 1946 كان فخري لبيب وعريان نصيف من اعضاء اللجنة الوطنية للطلبة والعمال، وفي 27 يوليو 1952 أصدرت الكنيسة القبطية الأرثوذوكسية بيانا لتأييد ثورة يوليو وكان بيان الكنيسة هو البيان الثاني بعد بيان جامعة الإسكندرية.

وتقدم الأقباط صفوف الحركة الوطنية دفاعا عن تحرير الاراضي المحتلة بعد هزيمة يوليو 1967، وتقدم الأنبا كيرلس السادس الحملة وسافر إلي الحبشة واقنع الإمبراطور هيلاسلاسي المناصر لإسرائيل بالحق المصري، وساهمت الكنيسة في قطع 34 دولة افريقية علاقتها بإسرائيل، وجاب الأنبا صموائيل العالم لنفس الغرض، وحتي الرهبان ساهموا في النضال من اجل تحرير الأرض المحتلة، وأصدر بيت التكريس بحلوان الذي كان يشرف علية حينذاك الأب متي المسكين، دورية بعنوان:” كتابات من خلف خط النار” لمؤازرة المقاتلين علي الجبهة، وساهم الأقباط  في انتفاضة 1972 ومنهم وليم سيدهم طالب الفلسفة بجامعة القاهرة، وممدوح حبشي طالب الهندسة والكاتب، كما ساهموا بالقتال في تحرير الارض 6 أكتوبر 1973 مثل القائد اللواء فؤاد عزيز غالي، كما سالت دمائهم جنبا إلي جنب مع أشقائهم المسلمين مثل اللواء متي سدراك وغيرهم.

لم يتوقف نضال الأقباط وفي انتفاضة الخبز يناير 1977، هبوا جنبا إلي جنب مع الحركة الوطنية وكان هناك 24 متهم قبطي في القضية 100 لسنة 1977 منهم عريان نصيف وفوزي حبشي وأنور إبراهيم وآخرين، وكافح الأقباط أيضا من خلال الأحزاب السياسية والحركات الاجتماعية ضد حكم مبارك والتوريث، وأسس جورج اسحق حركة كفاية، وكانت في مقدمة صفوف الائتلافات الثورية د سإلي توما ود.عماد جاد وآخرين.

النخب القبطية وتأسيس الدولة الحديثة:

لمزيد من الفهم لنشوء وارتقاء النخب القبطية لابد أن نعود للخلف، إلي أن مشاركة المسيحيين في الحياة السياسية بدأت منذ تأسيس الدولة الحديثة، وكان محمد علي يحكم مصر حكما مطلقا. وكان يعاونه “المجلس العالي” ولكن لم يدخله أحد من المسيحيين، ولكنهم دخلوا المؤسسات النيابية بعد أن تولى الخديوي اسماعيل وفي مجلس شورى النواب 1866 ـ 1869 انتخب عضوان من الأعيان المسيحيين “عن العمد” وذلك من مجموع 75 عضوا يشكلون المجلس وفي 1881 كان مجلس النواب اربعة من المسيحيين من 80 عضوا وبعد الاحتلال البريطاني عين في مجلس شورى القوانين 1883 ـ 1890 خمسة من البكوات والباشاوات المسيحيين وعندما أنشئت الجمعية التشريعية حرصت الادارة الانجليزية على التمسك بفكرة تمثيل الاقليات فنص القانون على تعيين اربعة من المسيحيين وثلاثة من مشايخ البدو.

ومنذ القرن التاسع عشر نما الشعور الوطني الى ضرورة اقراره مبدأ المواطنة تقرير المساواة في الحقوق المدنية بين المسلمين وغير المسلمين، ففي عام 1855 اسقطت الجزية عن المسيحيين وفي عام 1856 صدر الأمر العالي ينص على أن ابناء المسيحيين سوف يدعون الى حمل السلاح أسوة بأبناء المسلمين. فتزامنت هذه الإجراءات مع سياسة اتجاه الدولة الى الاعتماد وبدرجة اكبر على المصريين ككل في وظائف الدولة والجيش.

وفي حكم الخديوي اسماعيل بدأت حركة الاصلاح التشريعي ومنذ عام 1883 بدأ تعيين المسيحيين في الهيئات القضائية فكان هناك لأول مرة قضاة ومستشارون مسيحيون في محكمة الاستئناف.

وفي العقدين الاول والثاني من القرن العشرين تولى اثنان من المسيحيين رئاسة الوزارة هما بطرس غالي باشا (1908 ـ 1910) و”يوسف وهبة باشا” (1919 ـ 1920) ومنذ 1883 جرى العرف على تعيين مسيحي واحد في كل وزارة وارتفع عددهم إلى اثنين لأول مرة عام 1924 عندما شكل سعد زغلول وزارته.

واتسعت مشاركة المسيحيين في الحياة السياسية ودخلوا الاحزاب السياسية التي بدأ يتوالى ظهورا منذ أواخر العقد الأول من القرن العشرين. فاشترك اثنان منهم في تأسيس حزب الاصلاح على المبادئ الدستورية الذي تزعمه الشيخ “علي يوسف”.

وكان من مبادئ الحزب ان تكون اللغة العربية لغة التعليم في جميع المدارس العربية وانضم من المسيحيين إلى الحزب الوطني الذي أسسه مصطفى كامل اثنان من أبرز زعماء الحركة الوطنية هما “ويصا واصف ومرقص حنا” وعندما تأسس حزب الامة عام 1907 ضمت جمعيته 16 من المسيحيين من بين اعضائها البالغ عددهم 113 عضوا، وكان هذا الحزب يمثل بالأساس كبار ملاك الاراضي المصريين وان ضم ايضا تجارا أثرياء وموظفين كبارا وعددا من الكتاب والمحامين. وفي هذا الحزب وجد الاثرياء المسيحيين متنفسا طبيعيا للتعبير عن مصالحهم وانضم له شخصيات من أمثال فخري عبد النور وسينوت حنا بك وبشرى حنا بك.

وألفَ ثري من أثرياء الصعيد هو الدكتور “اخنوخ فانوس” الحزب المصري ولكن الحزب قام على اسس طائفية كما قام على مبدأ الشراكة مع المحتلين الإنجليز. على ان هذا الحزب لم يعمر طويلا حيث لم يقبل عليه معظم المسيحيين انفسهم ايمانا منهم بان مصيرهم هو جزء لا يتجزأ من مصير بقية المصريين.

و في نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين كان للمسيحيين عدد كبير من الجرائد والمجلات. ومن هذه المجلات مجلات متخصصة نسائية وطبية وزراعية وتشريعية بالإضافة إلى المجلات الدينية “الملية” وكانت لهم بعض نواد اجتماعية وبعض جمعيات اختصت بالشئون الطائفية والأعمال الخيرية.

أما فيما يتعلق بالتيارات الفكرية التي أثرت في تكوين المثقفين والمتعلمين من المسيحيين وخاصة الصفوة من أبناء البرجوازية المسيحية بأجنحتها المختلفة، فقد تأثروا بدرجات متفاوتة، بأفكار عصر التنوير الفرنسي من ناحية، وبالليبرالية الإنجليزية من ناحية أخرى مثل غيرهم من المثقفين المسلمين،

ووجدت هذه الأفكار أرضا صالحة في صفوف الصفوة المثقفة من المسلمين والمسيحيين معا، ثم رسخت جذورها على امتداد الفترة التي فصلت بين الطهطاوي ولطفي السيد والتي شهدت تطورات وأحداث هائلة إذ فيها حاول الخديوي اسماعيل أن يحكم مصر كدولة قومية حديثة وفيها تغلغل رأس المال الأجنبي ليقوم بعملية منظمة عرفت تحت اسم “نهب مصر” وفيها قام الحزب الوطني الأهلي، وقامت الثورة العرابيه تحت شعار “مصر للمصريين” وفيها خضعت البلاد للهيمنة الإمبريالية وظهرت الأحزاب السياسية ولكن في هذه الفترة ايضا لم يكن يخفي على سلطات الاحتلال أن البلاد تعيش حالة تنذر بثورة وطنية ضد الحكم الأجنبي..

هكذا تأسست النخب القبطية ليس بمعزل عن النخب الوطنية المصرية، حيث أنها لم تتكون كأقلية، الأمر الذي أهلها لخوض معركة ضد الاسلاميين دون خشية من الطائفية.

معركة الأقباط ضد حكم الإخوان: سرجيوس

كان الصراع مع الحكم الإخواني، ورئاسة مرسي قد نشأت منذ النضال المدني ضد الإعلان الدستوري لمرسي، وأحداث الاتحادية الشهيرة في نوفمبر 2011، وارتفاع نضال النخب القبطية، إلي حد أن صرح خيرت الشاطر:(80%من المتظاهرين أمام الاتحادية أقباط)، وانسحاب ممثلي الكنيسة من الجمعية التأسيسية الأولي في 16/11/2012، واستقالة مساعد الرئيس د. سمير مرقص في 23/11/2012، إلا أنة مع احتدام الصراع بين النخب القبطية من جهة والإخوان من جهة أخري كان يقابله تيارات متهادنة مع الاخوان من اساقفة البلاط البابوي حيث استقبل نيافة الأنبا ارميا وفد من الاخوان والسلفيين ضم د. باكينام ود عماد عبد الغفور في 9/4/2013، وسبق لنيافة الأنبا ارميا أيضا أن كان عراب زيارة المرشد العام حينذاك د.محمد بديع للبابا المتنيح شنودة الثالث في 7/3/2012، (تنيح قداسة البابا بعدها بأيام في 17/3/2012) مما يشير إلي اشتداد مرضه حينذاك، كل هذه المؤشرات تؤكد علي ان بعض النخب المدنية القبطية لم تكن وحدها في التواطؤ مع الاخوان بل في الاكليروس ايضا من هم مؤهلين دائما لخدمة السلطة، اخوانية كانت أو عسكرية !!

شهدت ايضا 2013 المشاركة القبطية الملحوظة في ثورة 30 يونيو، وأمام ذلك المد الثوري استقال معظم أعضاء الشورى “الإسلامي” المعينين وفي مقدمتهم النائب ماجد عقاد بعد واقعة سحل المواطن حمادة صابر أمام الاتحادية، والنائب كمال سليمان، في حين استقال الاخرين بعد ثورة 30 يونيو ماعدا النائب رامي لكح !!

بعض فض الاعتصامات الإرهابية في 14 أغسطس، شهدت مصر موجة عنف غير مسبوقة، طال الأقباط منها عقاب جماعي، وتم حرق الكنائس والممتلكات المسيحية، ونجح المواطنين المصريين الأقباط في عدم مواجهة العنف بالعنف، وزادوا في ذلك عن الوطن، وافشلوا المخطط الإخواني.

كما ساهمت النخب القبطية في لجنة الخمسين، د.مجدي يعقوب – الأنبا بولا – الأنبا أنطونيوس عزيز- القس صفوت البياضي، إضافة إلي د. نجيب أبادير في الاحتياطيين.

كانت معركة النخب القبطية في معركة الدستور أيضا تعاني من الانقسام، ففي الوقت الذي كانت الأغلبية تقاوم عدم إعادة المادة (219) إلي نص الدستور، كان هناك أقلية تنادي بضرورة إقرار “الكوتة” للأقباط وعقدوا مؤتمرا جماهيريا بفندق سونيستا لهذا الأمر في 10/11/2013، وبعد ذلك نشر علي لسان البابا تواضروس الثاني والأنبا روفائيل سكرتير المجمع المقدس ما يفيد معارضتهم لذلك، وانتهي الأمر بمادة انتقالية هي رقم 244، والتي تنص علي: “تعمل الدولة علي تمثيل الشباب والمسيحيين والأشخاص ذوي الاعاقة تمثيلا ملائما في اول مجلس للنواب ينتخب بعد اقرار هذا الدستور وذلك علي النحو الذي يحدده القانون ” الأمر الذي يؤكد علي ان تشتيت جهود النخب القبطية لم يسفر عن شيء يذكر.

انتهي عام 2013 ليس بقوة بدايته في نضال النخب القبطية، حيث فقد زخم نضال الأقباط من خلال الأحزاب السياسية بريقه، وعادت قيادات اغلب النخب القبطية للتكتل والاجتماع كشخصيات عامة قبطية، وليس كشخصيات حزبية، أو السعي لتأسيس حركة ائتلافية قبطية علي أساس ديني رغم أنهم يمثلون حوالي 25% تقريبا من قيادات حزبي المصريين الاحرار والمصري الديمقراطي.

من محمد علي للتحرير، بروز المسيحية السياسية:

كشفت انتخابات مجلس الشعب (2011/2012)عن ظاهرة جديدة للنخبة القبطية هي المسيحية السياسية وللحقيقة فإن هذه الظاهرة ولدت في ميدان والتحرير مع بزوغ ثورة 25 يناير المجيدة. ولم تلق هذه الظاهرة الدراسة أو الاهتمام من المفكرين “الفضائيين”. حيث خرجت جموع المواطنين المصريين الأقباط انخراطاً في الثورة. وبذلوا الدماء من أجلها. رغم مواقف قيادات الكنيسة المحافظة ضد الثورة. وتأخر تأييد رءوس الكنائس المصرية للثورة إلى ما بعد تنحي الرئيس السابق مبارك. ورغم ذلك، فقد كسر المواطنون المصريون الأقباط حاجز الطاعة، وخرجوا من خلف أسوار الكنيسة إلى الميدان، ولم يتوقف الأمر على المواطنين المصريين الأقباط، بل شاهدنا قساوسة من مختلف الطوائف تخطوا حاجز القيادات المحافظة، وخرجوا إلى الميدان مثل الأب متياس نصر قائد الكتيبة الطيبية و الأباء إليسوعيين “الجيزويت” وليم سيدهم وروماني أمين  والقس سامح موريس راعي كنيسة قصر الدوبارة والأب فلوباتير جميل الأرثوذكسي راعي كنيسة السيدة العذراء ومار مرقص بفيصل.

    وقد يرى البعض ان القمص سرجيوس قد فعل ذلك ابان ثورة 1919 ولكن حينما فعل سرجيوس ذلك كانت الكنيسة ككل بشرا واكليروس رجال دين وقيادة جزءا من الثورة حينذاك ولم تكن منقسمة علي تأييدها للثورة مثلما حدث في ثورة 25 يناير.

من الملاحظ ان الثورتين الشعبيتين الاساسيتين 1919،2011 استبقتها تحركات قبطية احتجاجا علي تمييز ديني وقع عليهم في مطلع القرن العشرين وبعد وفاة مصطفي كامل، وهجرة محمد فريد، تبوأ عبد العزيز جاويش رئاسة الحزب الوطني القديم، وساد تيار يدعو للخلافة الإسلامية، وتعددت مظاهر التعصب ضد الأقباط مما دعاهم إلي عقد المؤتمر القبطي 1910 وتلاها المؤتمر الاسلامي 1911، والغريب أن قادة المؤتمرين صاروا قادة ثورة 1919 فيما بعد وكانت اول مظاهرة احتجاجية اندلعت بعدها الثورة خرجت من البطرخانة الأرثوذكسية القديمة بالدرب الواسع بقيادة الأب الثوري سرجيوس.

ما أشبه الليلة بالبارحة، بعد تفجيرات كنيسة القديسين بالإسكندرية شهدت شوارع سيدي بشر، وشبرا مظاهرات أقباط ومسلمين، هتفت بإسقاط حبيب عادلي وحسني مبارك (3،4 يناير 2011،قبض علي 6 من المسلمين بتهمة الدعوة لإسقاط نظام الحكم).

وأثارت هذه المظاهرات الرئاسات الكنسية للكنيسة الأرثوذكسية حتى أن الأنبا شنودة الثالث صرح (هؤلاء ليسوا أولادنا –المصري إليوم 5 يناير) في دلالة واضحة علي ان المشاركة الايجابية السياسية للشباب القبطي غريبة عن التربية الكنسية التي تعتمد علي مقولة (ابن الطاعة تحل عليه البركة)

لذلك لم يكن من المستغرب ان نجد الشباب القبطي يتخطى المذهبية والمخاوف التي عبر عنها رموز من الكنائس الثلاث ونشرت بعدة صحف أهمها المصري اليوم صباح 25 يناير، ناشدت فيها الرئاسات الشباب القبطي في الكنائس الثلاث بعدم التظاهر، ولكن الشباب القبطي لم يستمع لهذه الخطابات واتجه إلي قلب ميادين مصر سعيا للثورة، ومن يراجع أسماء الشهداء والجرحى من 25 يناير حتى 28 يناير سيجد أن 80 في المائة من الضحايا المسيحيين استشهدوا او جرحوا في مطلع الثورة، كذلك من يراجع الائتلافات سيجد أن نسبة تواجد الأقباط في التحضير لثورة 25 يناير تفوق نسبتهم في التحضير لثورة 1919، بل لو رصدنا الدور الثوري للشباب الكاثوليكي علي وجه الخصوص سنجد موقفا مشهودا لشباب العدالة والسلام ومستشاريها في المشاركة في التحضير للثورة او الاعلان عن الصلاة بالميادين للتأكيد علي الوجود القبطي بالثورة حتى لا يؤخذ الأقباط بجريرة التصريحات الملتبسة والتي نسبت لبعض الرئاسات الكنسية وسيذكر التاريخ ان اول بيان مؤيد للثورة يصدر من جهة دينية كان من لجنة العدالة والسلام كما ان اول بيان مدني مؤيد للثورة 29 يناير 2011 وقع عليه كاهنان كاثوليكيان هما الأب وليم سيدهم والأب هنري بولاد اليسوعيان.

ومن يدرس الخلفيات الروحية والوطنية لهؤلاء القساوسة علي مختلف عقائدهم، سيجدهم ما بين لاهوت التحرير الذي بلوره في مصر الأب وليم سيدهم إليسوعي، أو اجتهادات سبق أن تكونت في اسقفية الشباب التي أسسها الأسقف الجليل الأنبا موسي وأفكار الأب متي المسكين، ورغم تعدد هذه الروافد فان الثوار المكونين للمسيحية السياسية قد تخطوا الطوائف، وارتبطوا بلاهوت الأرض والثورة.

وتوارى الدور السياسي المهجري، بل واضطر بعض قادة المهجر مثل المهندس مايكل منير للعودة للقاهرة وتأسيس حزب الحياة، بعدما صار المجال الحيوي للنخبة القبطية في مصر، وضاقت مساحة الخلاف بين ما يسمي جبهة العلمانيين بقيادة كمال زاخر وبين الكنيسة نتيجة أحداث الثورة، وطفت على السطح حركة قبطية شبابية فاعلة هي “اتحاد شباب ماسبيرو” وهي نخبة جديدة ولدت بإخصاب من الثورة لرحم الكنيسة عبر مجموعة من الشباب الكنسي.

على الجانب الاجتماعي “الطبقي” في ذلك المكون الجديد، فان الأقباط الذين شاركوا في ثورة 19 كانوا من الاعيان وكبار الملاك في حين أن مناصري 25 يناير من الأقباط ستجد منهم الملياردير نجيب ساويرس جنباً إلى جنب مع الشهيد مينا دانيال، ابن عزبة النخل، مروراً بمختلف الطبقات الاجتماعية والرؤى السياسية من المصريين الأحرار الليبراليين وحتى الأحزاب اليسارية والشيوعية مرورا بيسار الوسط “المصري الديمقراطي الاجتماعي” وظلت نسبة كبرى منتمية إلى حركات مثل  6 ابريل  أو ائتلافات ثورية.

كل ذلك يؤكد أن المواطنين المصريين الأقباط لم يعودوا ” كتلة كنسية صماء ” تحت إمرة الإكليروس الكنسي خاضعة للسمع والطاعة، مثل تنظيمات الإسلام السياسي خاصة أحزاب جماعة الإخوان، والحركة السلفية، بل لم يستدرج الأقباط للتسهيلات التشريعية التي أتاح بها المجلس العسكري تأسيس أحزاب ذات مرجعية دينية.

المشاركة السياسية للأقباط عماد جاد

في الجولة الأولى لانتخابات 2012 صوّت الأقباط المصريون لأحزابهم وإلى جانب ذلك تشكلت من الجانب الثوري لجان للوعي الانتخابي تكونت خارج الكنائس وأثرت على الاكليروس وليس العكس واستطاعت المسيحية السياسية أن تتمتع بحس براجماتي حيث تخطت التصويت الطائفي وركزت على التصويت “المصلحي”

وهكذا نحن أمام ظاهرة جديدة تقوم على:

1- تأثير المدنيين الأقباط على الاكليروس وليس العكس.

2ـ التصويت البرجماتي المرتكز إلى المصالح وليس الديانة.

3ـ انتقال مركز صناعة القرار القبطي من المهجريين إلى ثوار الميادين.

4ـ توزع الانتماءات القبطية السياسية على مختلف الأحزاب.

5ـ سقوط أسطورة السلبية منذ مذبحة ماسبيرو.

إن ظاهرة المسيحية السياسية ولدت من رحم الكنيسة ولكنها مدنية سياسية ذات مرجعية وطنية نقلت مركز الثقل الكنسي إلى ميادين الوطن على عكس الاسلام السياسي التى تنطلق من المسجد لتعود إليه.

القطيعة المعرفية والنخبوية

على الجانب الآخر من المسيحية السياسية ظهرت على الجانب الاسلامي مقولات جديدة مثل الولاية الصغرى “حكم مصر” والولاية العظمى “الخلافة” وان الصراع بين الاخوان والسلفيين ليس على الولاية الصغرى فحسب بل على منهجية ادارة الولاية العظمى بين المنهج الوهابي السعودي والمنهج الوسطي الازهري الشريف وتحت نظريات التطور يدور الصراع على الأزهر بين السلفيين والإخوان اكثر من صراعهما على البرلمان وكيف ان فضيلة شيخ الازهر معتمدا على ما تبقى من وسطية يطرح مقترحاته ووثائقه لحماية المشيخة فقهيا من ديمقراطية الاحتشاد المذهبي التي قد تأتي بشيخ للأزهر يعكس هذه الصراعات عبر اغلبية عددية وليس بفقه وعلم وسطي. كما ان هناك مفاهيم اخرى كثيرة تتبدل عبر القطيعة المعرفية والمفهومية التي سوف تحدث مثل سيادة الدولة، دول الجوار، فقه الأقليات..

ومن ثم كان لابد أن تختفي أسماء قديمة من النخبة القبطية، ظلت ملء السمع والبصر طوال المرحلة المباركية ـ أغلبية اعضاء المجلس الملي وبعضهم هاجر وهجر العمل السياسي وتوقفت جبهة العلمانيين عن العمل لإعادة تقييم الموقف، وتحول كمال زاخر إلى ناشط سياسي وبعد أن عاقب أساقفة البلاط البابوي السابق الأب فلوباتير لانتمائه لحزب الغد، فتحت ثورة 25 يناير آفاق الحرية له حتى صار أحد أجنحة اتحاد ماسبيرو المغردة في سماء الثورة. وبرزت أسماء جديدة  تحمل دلالات اجتماعية وثقافية مختلفة بين النخب القبطية مثل مينا مجدي وبيشوي تمري واندراوس عويضة وايفون مسعد وهم قيادات طبيعية نشأت مع اتحاد ماسبيرو وبشكل تلقائي في 6 مارس 2011 بعد أحداث الفتنة الطائفية باطفيح وهدم كنيسة الشهيدين وصولا لمذبحة ماسبيرو 9 اكتوبر 2011 مرورا بالاعتصام الشهير

ونشأت تنظيمات أخرى وأسماء أخرى مثل الاتحاد القبطي لصاحبه النائب إيهاب رمزي المحامي، إضافة لبعض النواب الأقباط المعينين من قبل المجلس العسكري مثل د. سوزي ناشد وماريان ملاك وان كان شباب اتحاد ماسبيرو يحاولون في الآونة الأخيرة الارتباط بالقوى الوطنية في التحرير مثل المشاركة في مليونية 12 اغسطس 2011 ومليونية 18 نوفمبر 2011 وغيرها من التظاهرات الوطنية.

يمكن القول ان الصراع بين المدنيين الأقباط (النخبة القبطية العلمانية) والنخبة الدينية (الاكليروس) ممتدة منذ نشأة الكنيسة في القرن الاول الميلادي وحتى القرن الواحد والعشرين، ومنذ 1871 تاريخ تأسيس المجلس الملي العام وحتى 2012 يدور صراع بين النخبتين الدينية والمدنية حول ادارة الكنيسة يحدث ذلك ليس بعيدا عن الصراع حول الوطن، فالاكليروس الكنسي كان دائما يستقوي بالحكام والقوى المدنية كانت تحاول الإستقواء بالحركات الشعبية مثل الوفد قبل الثورة وفي عهد عبد الناصر قضت قوانين التأميمات والإصلاح الزراعي بشكل غير مباشر على النخبة القبطية المدنية وظهرت قاعدة التعيين التي أفرزت قيادات قبطية موالية لعبد الناصر والاتحاد الاشتراكي مثل الراحل كمال رمزي استينو وانتقل الوضع لعصر السادات وبرزت شخصيات مثل الراحل فكري مكرم عبيد عضو المكتب السياسي للحزب الوطني واستمر الحال في عصر مبارك وظهرت اسماء مثل د. ثروت باسيلي عضو لجنة السياسات ومن عصر محمد علي وحتى عصر مبارك كانت النخبة القبطية اجتماعيا واقتصاديا من طبقة كبار الملاك ورجال الاعمال وكبار موظفي الدولة لكن بعد ثورة 25 يناير طفت على السطح أسماء وشخصيات من الفئات الدنيا من الطبقة الوسطى لكنها ولدت مبتسرة شأنها شأن النخب القبطية التي ولدت إبان مراحل العزلة (من 1952 حتى 1970) أو المرحلة الساداتية (1970 ـ 1981) أو المباركية (1981 ـ 2011) حيث غلب على هذه النخب تجليات الانتماء الديني عن الانتماء الوطني، والولوج لنخبة الدولة عبر مباركة الكنيسة.

هل سوف تنجح أقلية من هذه النخبة في الخروج بالكنيسة للوطن مثل النائب الدكتور عماد جاد والزعيم السياسي جورج اسحاق والناشط كمال زاخر، والقيادي الشاب باتحاد شباب ماسبيرو بيشوي تمري، وأمثالهم في تلك المهمة؟ أم أن الثقل التاريخي للاكليروس للكنيسة القبطية العتيدة سوف يحول دون ذلك؟

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in سليمان شفيق and tagged , . Bookmark the permalink.