العلم من بارادايم البساطة الى بارادايم التعقد

د. السيد نصر الدين السيد  السيد نصر

كلمتان في العنوان تستحقان منا بعض التوضيح قبل المضي قدما. وأول هذه الكلمات هي الـ “بارادايم” Paradigm التي فضلنا تعريبها بدلا من استخدام ترجمتها “النموذج الاسترشادي”. والـ “بارادايم” هو مجموع التوجهات الفكرية العامة التي تحكم رؤى الانسان للواقع وتوجه أنشطته البحثية والعلمية ومنهجيات القيام بهذه الأنشطة. وهو في العادة يتضمن إجابات على أسئلة من قبيل: “ما هو شكل الواقع؟ و”ماهى طبيعته؟” و “ما الذي يمكننا معرفته عنه؟” (او البعد الأنطولوجي)، “ماهي طبيعة العلاقة بين الباحث وبين ما يمكن معرفته عن الواقع الذي يتصدى لدراسته؟” (او البعد الابستمولوجي)، وأخيرا “كيف يمكن التوصل للحقائق المتعلقة بالمسألة موضع الدراسة؟” (او البعد المنهجي).

اما ثاني هذه الكلمات فهي كلمة “التعقد” Complexity التي تصف أحوال فئة من المنظومات تعرف بالـ “المنظومات المعقدة” وذلك من قبيل دوامات الأنهار والبحار، المناخ، الانترنت، الأسواق المالية والتجارية، والمجتمعات البشرية. وعلى الرغم من اختلاف مكونات هذه المنظومات، الا انها تشترك في العديد من الخصائص. واول هذه الخصائص هو انها تتشكل من عدد كبير من المكونات، ما بين جزئ ماء وعضو في مجتمع ما، وان هذه المكونات ليست بسيطة بل مركبة. فجزئ الماء يتكون من اتحاد ذرتي هيدروجين وذرة اكسيجين، والانسان هو نفسه كيان مركب من العديد المنظومات العصبية والفسيولوجية وغيرها. وثاني الخصائص المشتركة هي عن طبيعة العلاقات والتفاعلات بين هذه المكونات. فهي، بالإضافة الى كثافتها وتنوعها الشديد، تتميز بكونها “لا خطية” لا يتساوى فيها رد الفعل مع الفعل. اما ثالث هذه الصفات فهو قدرة هذه المنظومات، أيا كانت طبيعة مكوناتها، على تنظيم ذواتها دون اي تدخل من خارجها، او خاصية “الانتظام الذاتي”.

ولقد عجزت مناهج البحث العلمي المشتقة من البارادايم التقليدي السائد عن تقديم تفسير مقبول لسلوك هذه المنظومات. لذا أطلق الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي الشهير إدجار مورين Edgar Morin على هذا البارادايم اسم “بارادايم البساطة”. وطبقا له فإن هذا البارادايم يقوم على ثلاثة مبادئ مترابطة سويا هي: “الحتمية العمومية”Universal Determinism، و”الاختزالية” Reductionism، و”الفصل” Disjunction. وأول هذه المبادئ، مبدأ “الحتمية العمومية”، يعنى أن تغير يحدث في أحوال أي كيان يمكن صياغته على صورة قانون يربط بين الأسباب والنتائج يمكنا من “التنبؤ” اليقيني بأحواله المستقبلية انطلاقا من معرفتنا بأحواله الراهنة. وأن هذا القانون يتمتع بصفة العمومية فهو صالح للتطبيق في كل زمان ومكان. أما المبدأ الثاني فهو مبدأ “الاختزالية” الذي ينص على أنه يمكن فهم سلوك أي كيان ككل بـ “تفصيصه” الى مكوناته الأولية ودراسة سلوك كل منها على حدة. وآخر هذه المبادئ الحاكمة لـ “بارادايم البساطة” هو مبدأ “الفصل” الذي يعنى عزل الأشياء موضوع الدراسة عن السياق الذي تحدث فيه. ويؤدى هذا العزل إلى انقسام المعرفة وتفرقها على “موضوعات” Subjects يعنى بدراسة كل منها “نظام علمي” Discipline بعينه لكل منها مناهج بحثه الخاصة. وبالطبع فإن هذا التقسيم ليس من الخصائص الأصيلة للواقع ولكنه تقسيم اختياري من صنع الإنسان ويتغير بتغير مستوى وعيه. ويؤدى هذا التقسيم المصطنع إلى إنتاج معرفة منقوصة لا تحيط بكافة جوانب الظاهرة موضوع الدراسة. وهو وضع يذكرنا بحكاية العميان الست في محاولاتهم لوصف الفيل.

وقد أدى عجز النظم العلمية، التي تتبني مبادئ بارادايم البساطة، عن تقديم إجابات مقنعة تفسر سلوك المنظومات المعقدة الى ظهور البارادايم الجديد هو “بارادايم التعقد”. ويقوم هذا البارادايم، طبقا لمورين، على ثلاثة مبادئ رئيسية هي: مبدأ “الاستدعاء الذاتي (او العلية الدائرية)”، Principle of Recursivity، مبدأ “الاحتواء المتبادل (او الهولوجرامية) Hologrammic Principle ومبدأ “الازدواجية” Dialogic Principle.

ويعني اول هذه المبادئ بطبيعة العلاقات بين مكونات المنظومة المعقدة. وطبقا لهذا المبدأ هناك تبادل مستمر للأدوار بين “الأسباب (العلل)” و”النتائج (المعلولات)”. فـ “نتيجة” اي “سبب” ما قد تغير منه وتعدله لينشأ عن تغيره هذا نتيجة جديدة. فعلى سبيل المثال يتشكل المجتمع البشرى (نتيجة) للتفاعلات (سبب) بين أفراده، ولكنه في نفس الوقت يؤثر كـ “سبب” على طبيعة هذه التفاعلات (نتيجة).

وثاني هذه المبادئ، مبدأ “الهولوجرامية”، يتجاوز كلا من مبدأي “الاختزالية” و”الكلية” Holism. فمبدأ “الاختزالية”، أحد المبادئ الرئيسية لفكر البساطة، يركز، في المقام الأول، على سلوك المكونات الداخلة في تركيب المنظومة أو الظاهرة موضع الدراسة وذلك على حساب المنظومة أو الظاهرة ككل واحد. وفى المقابل يركز مبدأ “الكلية” في المقام الأول على دراسة سلوك وخصائص المنظومة أو الظاهرة ككل واحد لتأتى دراسة سلوك وخصائص مكوناتها في المقام الثاني. وهنا يأتي هذا المبدأ ليؤكد على ما أطلق عليه لفظة “الاحتواء المتبادل”. فكما أن المنظومة تحتوي على المكونات التي تشكلها فإن كل مكون من هذه المكونات يحتوي على وصف للكل الذي يحتويه. فجسم الإنسان تشكله الخلايا المكونة له والتي يحتوي كل منها على جزئ الـ “دنا” DNA الذي يحمل وصفا دقيقا لهذا الجسم، أو ما يعرف بالبصمة الوراثية. وبالمثل يتشكل المجتمع البشرى من الأفراد الذي تتمثل خصائص المجتمع ككل بداخلهم عبر اللغة والثقافة السائدتين فيه. وهكذا تتبدى خصائص الكل في صلب تكوين المكونات التي تشكله.

وأخيرا يأتي المبدأ الثالث، “الازدواجية”، ليؤكد على ضرورة أن تتضمن دراستنا لأي منظومة أو ظاهرة كافة ما قد يبدو متناقضا من تفسيرات. انه المبدأ الذي يتجاوز قانون “إما (هذا) أو (ذاك)” ليتبنى قانون “(هذا) و (ذاك)”. فعلى سبيل المثال تذكر لنا “ميكانيكا الكم” ان الضوء يسلك في بعض الأحيان سلوك الموجات بينما يتصرف في أحيان أخرى كما لو كان تدفقا للجسيمات التي تعرف بالـ “فوتونات” Photons. كما لا يمكن فهم سلوك الانسان ما لم نأخذ في الاعتبار الجوانب السلبية والايجابية في شخصيته.

توجز هذه المبادئ الثلاث الملامح الرئيسية لـ “فكر التعقد” الذي يؤكد مورين على طبيعته الخاصة التي تأخذ في اعتبارها العوامل المحلية والسياقية لما ينتجه الإنسان من معارف، أو بعبارة أخرى “حساسية المعرفة لكلا من سياق إنتاجها وسياق استخدامها”. وهو بذلك التوجه يخالف مبدأ “العمومية” الذي تبناه “فكر البساطة” بما ينطوي عليه من الإيمان بصلاحية ما ينتجه عقل الإنسان من أفكار وما يقدمه العلم من تفسيرات لظواهر الواقع للتطبيق في أي سياق. ويمضي مورين قدما ليؤكد على اعتراف “فكر التعقد” بالدور الهام الذي يلعبه “اللاتيقن” Uncertainty في تطور المعرفة وتناميها. فبدون الاعتراف بهذا الدور وبدون أخذه في الاعتبار يصبح كل شيء في حياة الإنسان مقرر سلفا ولا يصبح لـ “الإبداع” والابتكار” و”التجدد” و”التطور” مكانا في هذه الحياة. وأخيرا ينظر مورين لفكر التعقد بوصفه فكرا متعدد الأبعاد. فعلى الرغم من قيام “فكر التعقد” على مبادئ تخالف تلك التي قام عليها “فكر البساطة” إلا أنه يأخذ في اعتباره منتجات ومقاربات هذا الفكر ويضعها في إطار متكامل يتعالى على التقسيم المصطنع الذي أنشأه هذا الفكر للمعرفة.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in د. السيد نصر الدين السيد and tagged , , . Bookmark the permalink.