قواعد العشق الأربعون

د. خالد منتصرخالد منتصر

«أبحث عن حياة جديرة بالحياة»..

جملة عابرة قالها الصوفى الدرويش شمس الدين التبريزى هى مفتاح فهم ما يستعصى على الفهم فى تفاصيل رحلته المدهشة التى تحكيها الرواية الجميلة الأكثر إدهاشاً «قواعد العشق الأربعون» للروائية التركية إليف شافاق التى تعيش فى فرنسا، الخطأ الوحيد فى الرواية هو المكتوب على غلافها بأنها عن جلال الدين الرومى، وهى فى الواقع عن بطلها ومحرك أحداثها وخالق دلالاتها التبريزى، الرواية دائرية ساحرة لها عدة مستويات متناغمة رغم أبعادها الزمنية والمكانية المختلفة، مثلها مثل رقصة «سما» الصوفية التى ابتكرها الثنائى الرومى التبريزى، المستوى الأول عصرى جداً مفرداته الإنترنت والإيميل وتكنولوجيا القرن الحادى والعشرين، يقف على خشبة مسرح هذا المستوى «إيلا» ربة البيت اليهودية التى على مشارف الأربعين وتعشق الطهى، عائلتها الأمريكية التقليدية ناجحة بمعايير ومقاييس البراجماتية الأمريكية، الزوج طبيب أسنان شهير والأبناء فى مرحلة الدراسة، يحدث الزلزال عندما تخبرها ابنتها بأنها ستتزوج رغماً عن أنف الأم لأنها تشعر بما لا تشعر به الأم، إنه الحب، تستيقظ الأم على صدمة أنها تعيش دون حب، حياة روتينية تتحملها رغم خيانة الزوج ولا مبالاة الأبناء، تبحث عن عمل حتى تجد فرصة فى مؤسسة نشر كمراجع كتب، كان أول كتاب وأول مهمة قراءة هى رواية لكاتب اسمه «عزيز زاهار»، بعنوان «الكفر الحلو»، هذه الرواية عن أشهر صداقة صوفية فى التاريخ بين الفقيه ورجل الدين جلال الدين الرومى والصوفى الدرويش شمس الدين التبريزى، من خلال الرواية بحثت «إيلا» عن حياة جديرة بالحياة، ومن خلال التجوال والترحال بحث «التبريزى» عن حياة جديرة بالحياة، ومن خلال الشعر والرقص والنزول من برج الفقيه العاجى إلى أرض البشر العاديين الخطائين المختلفين بحث «الرومى» عن حياة جديرة بالحياة، قرأت «إيلا» الرواية وعرفت معنى العشق، معنى أن تكون نفسك، معنى أن تكون على نفس إيقاع المحبوب، كان العالم الافتراضى هو مكان اللقاء الأول عبر الإيميل إلى أن التقيا فى عالم الواقع فى بوسطن؛ حيث اكتشفت اليهودية «إيلا» أن «عزيز»، المصور الفوتوغرافى الرحالة المسيحى الذى تحول إلى الإسلام، أو بالأصح الطبعة الصوفية من الإسلام.. اكتشفت أنه صورة معاصرة من «التبريزى» بسماحته وجموحه وروحانيته، لكنهما التقيا بعد فوات الأوان، كان «عزيز» مشرفاً على الموت يتمنى أن يُدفن بجوار حبيبه «التبريزى»، وكانت «إيلا» مشرفة على معرفة شفرة الكون السرية، على معرفة الحب، فقدت المحبوب، لكنها اكتسبت الحب، لكن ماذا عن حب «التبريزى» و«الرومى»؟ هذا هو المستوى الثانى من الرواية.

«لا تحكم على الطريقة التى يتواصل بها الناس مع الله، فلكل امرئ صلاته الخاصة، إن الله لا يأخذنا بكلمتنا بل ينظر فى أعماق قلوبنا، وليست المناسك أو الطقوس هى التى تجعلنا مؤمنين».

هذه فلسفة التبريزى وقاعدة من قواعد العشق الأربعين التى ظل ينثرها كبذور الخصب أينما حلَّ فى ترحاله الطويل، الروائية التركية أليف شافاق لم تحافظ فقط على اللغة الصوفية المحلقة فى روايتها، ولكنها حافظت على البناء الصوفى العبقرى، تحس وأنت تنتقل بين فصولها برقصة الصوفيين الدائرية التى يشير فيها الراقص بأصابع يد إلى السماء وبأصابع أخرى إلى الأرض، التبريزى كان يبحث عن الله وعن صديقه المضبوط على نفس أوتاره الإنسانية وإيقاعه الروحانى، ظل يبحث إلى أن استقر فى دفء جلال الدين الرومى.

«إذا كنت تريد أن تعرف أين يقع عرش الله بالتحديد، يوجد فى مكان واحد فقط تستطيع أن تبحث فيه عنه وهو قلب عاشق حقيقى».

الصوفى يكسر الحواجز ويتجاوز المألوف والبديهى لكى يتّحد بمحبوبه الذى يصادره قُساة القلوب جُفاة المشاعر غِلاظ الإحساس ممن يعتقدون أنهم حُماة الرب. انطلق التبريزى الدرويش الشفاف إلى حيث رفيق الدرب الرومى، قابل السكير والداعرة والمتسول الدميم، ذهب إلى الأول فى الحانة وإلى الثانية فى بيت البغاء والثالث فى الشارع، الإنسان عنده لا يقرأ ولا يطالع إلا بلحمه ودمه وخطاياه وليس بين صفحات الكتب أو على درجات سلم المنابر، ولكن إلى أى مدى ضحى الرومى وتألم؟

«لكى يعيش الحرير لا بد أن تموت دودة القز».

لكى يقترب «الرومى» من الله أقنعه «التبريزى» بأنه لا بد أن يخلع عباءة المعجبين والشهرة والسمعة ويتألم مع البشر العاديين، يذهب إلى السكير فى الحانة والغانية فى بيت البغاء والمتسول فى الشارع، لا بد أن يخلع عباءة الفقيه ويرتدى خرقة الصوفى ليصل إلى مرتبة النفس النقية، علمه الشعر والرقص، علمه إلا يسير مع التيار بل أن يكون هو التيار.

 

«لكى تولد نفس جديدة يجب أن يكون ألم، وكما يحتاج الصلصال إلى حرارة عالية ليشتد، فالحب لا يكتمل إلا بالألم».

 

قال له «التبريزى»: «الشريعة كالشمعة توفر لنا نوراً لا يُقدّر بثمن، لكن يجب ألا ننسى أن الشمعة تساعدنا على الانتقال من مكان إلى آخر فى الظلام، وإذا نسينا إلى أين ذاهبون وركزنا على الشمعة، فما النفع فى ذلك.. لا تحكم على الطريقة التى يتواصل بها الناس مع الله، فلكل امرئ صلاته الخاصة، إن الله لا يأخذنا بكلمتنا بل ينظر فى أعماق قلوبنا وليست المناسك أو الطقوس هى التى تجعلنا مؤمنين».

 

الصوفى يغمض عينيه وينظر بالعين الثالثة، ينظر إلى الداخل حيث الحقيقة والصدق، حيث مرآة النفس لا مرآة الآخرين.

 

«لو أراد الله أن نكون متشابهين لخلقنا متشابهين، لذلك فإن عدم احترام الاختلافات وفرض أفكارك على الآخرين يعنى عدم احترام النظام المقدس الذى أرساه الله».

 

قُتل «التبريزى» لأنه كان مختلفاً، لأنه خرج على ناموس التصنيف والتبويب والطرق المعبّدة والأفكار سابقة التجهيز والقناعات المطبوخة المهضومة المحفوظة، قتله المتعصب «بيبرس» الذى يظن أنه يحتكر الله ويمتلك الدين ويختص بأسرار الإيمان ويثق فى أنه الوحيد هو وجماعته الذين يمتلكون شفرة الإسلام، قتله رغم أن «التبريزى» كان يعرف جيداً أنه مساق إلى حتفه المحتوم، فبعد أن فارق «الرومى» عاد إليه بعد أن أحس «الرومى» أن حبله السرى قد بتر، عاد رغم نميمة آكلى لحوم البشر عن علاقتهما واتهاماتهم لهما بالإثم والفحش، عاد ليموت كجسد ويحيا كفكرة.

 

رواية «قواعد العشق الأربعون» جديرة بالقراءة والتمعن، بعد أن تتعطر بلغتها المحلقة ومعانيها المتألقة وأفكارها البكر حتماً ستكون مختلفاً.

Print Friendly
This entry was posted in د. خالد منتصر and tagged , . Bookmark the permalink.