الإرهاب والمشروع الحضاري

عبد الجواد سيد عبد الجواد  عبد الجواد

مرت علاقة تنظيم وفكر الإخوان المسلمين بالمجتمع المصرى بخمسة مراحل حضارية متميزة، هى مرحلة الوفد، وناصر، والسادات، ومبارك، وأخيرا مرحلة ثورة يناير. ظل مشروع الإخوان سجيناً فى عهدى الوفد وناصر، ثم انطلق من قمقمه فى العصور الثلاث الأخيرة.

كان المجتمع المصرى فى عهد الوفد – أو النخبة السياسية والثقافية منه على الأقل – قد تمثل قيم ومثل الحضارة الغربية بعد أكثر من قرن من التماس المباشر والغير مباشر مع تلك الحضارة، فكانت الثورة المصرية سنة 1919 تعبيراً عن تلك القيم، فى النزعة القومية، و حرية العقيدة، وحرية المرأة، والمواطنة، والمساواة أمام القانون، وكان ظهور حزب الوفد هو التعبير السياسى عن كل ذلك. وهكذا، ومع بدايات القرن العشرين، كان المجتمع المصرى قد تمثل مشروعاً حضارياً صلباً واضح المعالم ذو قيادة سياسية وثقافية، ولذا وعندما ظهر تنظيم الإخوان المسلمين سنة،1928 فقد فشل فى هز أركان المجتمع المصرى الصلبة أو إصابته بأى أضرار، وذلك على الرغم من النجاح الكبير الذى حققته حركة الإخوان من إنتشار منذ نشأتها.

وهكذا كان من الطبيعى أن يخسر حسن البنا الانتخابات النيابية التى جرت فى بداية الأربعينيات أمام مرشحى الوفد، كما كان من الطبيعى أن يُقتل فوراً بعد إغتيال جماعة الإخوان المسلمين للنقراشى باشا سنة 1948. لم يكن مرشحى الوفد هم الذين فازوا عليه فى الانتخابات، ولا كانت الحكومة السعدية هى التى قتلته، ولكن المشروع الحضارى لثورة 1919كان هو الذى رد عليه بكل عنف وقسوة، فالمجتمعات التى تمثلت قيم الحرية والإخاء الإنسانى ماكان يمكن أن تسمح لرجل مثل حسن البنا أن يحتل أى مكان فيها! ومع بداية إنهيار المشروع الحضارى لثورة 1919، وتأخره فى تجديد قياداته الإقطاعية بقيادات أخرى من الطبقة الوسطى، بدأت بشائر الخمسينات من القرن العشرين تمنح الإخوان المسلمين أملاً جديداً فى إمكانية الإنقضاض على الحكم فى مصر، ولكن ولسوء الحظ كان هناك من ينافسها فى ذلك،كان ناصر وأصحابه من حركة الضباط الأحرار يجهزون أنفسهم للإنقضاض على الحكم ايضاً، ولسوء الحظ لم يكن ناصر مجرد ضابط من الضابط ، لقد كان مثقفاً وصاحب مشروع حضارى.

كان جمال عبد الناصر شخصية تاريخية فائقة القوة ، ولكن الأهم من ذلك، أنه قد إستخدم إمكاناته الشخصية فى إنجاز أدبيات ونظريات سياسية كانت أيضاً فائقة القوة فى عصره. تخلق فكر ناصر الثورى من الإشتراكية العالمية التى مثلت أكبر حركة سياسية فى تاريخ القرن العشرين فى كل العالم ، كما تخلق من فكر القومية العربية الذى إجتاح المنطقة على أثر حرب فلسطين سنة 1948. وهكذا كان لناصر ما يواجه به مشروع الإخوان المسلمين، شخصه القوى وفكره القوى، ولذا فلم يكن جمال عبد الناصر هو الذى أطاح بالإخوان المسلمين بكل قوة وعنف وأوقف تاريخهم مؤقنا عندما حاولوا إغتياله فى ميدان المنشية سنة 1954، لكن المشروع الحضارى الذي كان يحمله والذى تمثلت بشائره فى قرارات الإصلاح الزراعى سنة 1952 كان هو الذى أطاح بهم! وبعد هزيمة 1967، ووفاة ناصر سنة 1970، تولى أنور السادات حكم مصر، ومع حكمه إنهارالمشروع الناصرى تماماً .لم يكن أنور السادات مستعداً للدفاع عن المشروع الناصرى،وفى ظل عالم متطور، سريع التغيير،لم تكن التجربة الناصرية نفسها قادرة على الصمود والدفاع عن نفسها، ولذا فقد كان الإنهيار حتمياً ومنطقياً.

وفى المقابل تبنى أنور السادات مشروعه الحضارى الخاص، والذى يمكن أن نطلق عليه مجازاً ( مشروع الحشاشين). تخلق فكر أنور السادات السياسى من نوع من التوليف بين المتناقضات ، بين القومية المصرية والقومية العربية ، بين الغرب العلمانى والشرق الإسلامى ، بين الأغنياء والفقراء ، بين كل شئ ونقيضه ، ولذا فلم يكن من المستغرب أن يفرج عن قادة الإخوان من السجون ليساعدونه فى القضاء على ميراث العصر الناصرى، ثم يصالح إسرائيل بعد ذلك سنة 1978، ولم يكن من الغريب أن يتبنى تأسيس منابر سياسية على هيئة أحزاب سياسية على النمط الغربى، ثم يضع نفسه فوقها على هيئة الخلفاء ، لم يكن من الغريب أن يلبس البدلة ويدخن السيجار ، ثم يعود إلى قريته فى نفس اليوم ليلبس العباية والجلباب ويحمل فى يده عصا العمدة ،لم يكن من المستغرب أن يدعو إلى تأسيس دولة التكنولوجيا الحديثة، فى الوقت الذى يسمى نفسه فيه الرئيس المؤمن، ويسمى دولته دولة العلم والإيمان.لم يكن من الغريب أن يعلن عن عطفه على الفقراء، فى الوقت الذى يعطى فيه إشارة بدء التحول من الإقتصاد الإشتراكى إلى الإقتصاد الرأسمالى دون أى تدبر أو دراسة ، لم يكن من المستغرب أن يؤكد دائماً أن مصر هى أكبر دولة عربية، فى الوقت الذى يؤكد فيه على قومية الأمة المصرية. وهكذا، وفى ظل مشروع الحشاشين الحضارى هذا، فقد الشعب المصرى بوصلة التوجه، وأخذ يضيع مع الأيام والسنين ، وهكذا خرج الإخوان من السجون ليخترقوا المجتمع الضعيف المهزوم التائه، ويسيطرون عليه بفكرهم العفن المتخلف ، وهكذا كانت حقبة السبيعينات هى حقبة التأسيس الثانى لحركة الإخوان المسلمين ، وهكذا عندما إغتالت الجماعة الإسلامية أنورالسادات سنة 1981 لم يكن هناك من يرد عليها ويثأر له بإغتيال قادتها – كما حدث فى حالة النقراشى – حيث لم يترك أنور السادات خلفه مشروع حضارى يدافع عنه!

جاء حسنى مبارك إلى الحكم بمحض الصدفة ، بمجرد إرادة أنور السادات فى تعيين ضابط مغمور من نفس القرية التى ينتمى إليها رئيساً.كان حسنى مبارك رئيساً لسلاح الطيران فى حرب 1973، وعندما وصل إلى الحكم – بمحض الصدفة – ودون أى تاريخ سياسى خلفه ، حاولت بيروقراطية النفاق التى تأسست مع ثورة 1952، خلق تاريخ سياسى له فأطلقت عليه لقب كوميدى هو ( صاحب الضربة الجوية الأولى) وهكذاكان مشروع حسنى مبارك الحضارى إمتداداً لمشروع الحشاشين الذى أسسه أنور السادات، وهكذا قدر للإخوان المسلمين وجماعات الإسلام السياسى التى إنبثقت عنهم أن تتوغل أكثر فأكثر فى المجتمع المصرى، وتستولى على عقله أكثر فأكثر.

لم يكن لدى حسنى مبارك سوى البندقية يدافع بها عن حكمه وعن عصره. كان فارغ العقل بليداً ، ربما يملك مواقف سياسية، ولكنه يفتقد تماما إلى الخيال السياسى والقدرة على التواصل مع شعبه ، ولذا فقد أغرته فترة الحكم الطويلة التى حكمها – وتأثير زوجته – بتوريث الحكم إلى إبنه الأكبر جمال، بحيث غير سياسته العدائية تجاه الإخوان المسلمين ودخل معهم فى صفقة سياسية منحهم فيها 88 مقعداً من مقاعد برلمان 2005، مقابل تأييدهم لمشروع التوريث. وفى السنوات الأخيرة من حكمه، كان قد أصبح هرماً عجوزاً، وقد سيطرت عليه فكرة توريث الحكم إلى إبنه إلى حد الجنون، بحيث ترك له كل شئ. ترأس الإبن لجنة السياسات بالحزب الوطنى الحاكم وأحاط نفسه بحاشية كبيرة من رجال الأعمال، ومنافقى المثقفين، بحيث إستطاع السيطرة على كل شئ فعلا، لدرجة أغرته بتزوير نتائج مجلس الشعب فى ديسمبر 2010،بحيث حصل الحزب الوطنى الحاكم على حوالى مائة بالمائة من مقاعد المجلس.

كانت هذه هى النهاية ففى الشهر التالى مباشرة، يناير 2011، كان غضب الشعب المصرى قد وصل ذراه جراء هذا الكم الهائل من الفساد، فخرج إلى الشارع بالملايين ،وفى 18 يوم فقط ،كان قد تمكن من خلع مبارك وإبنه وحاشيتهما ووضعهم جميعا ًفى السجون. لم تكن ثورة يناير 2011 ثورة أيدولوجية، كانت مجرد ثورة يحركها الغضب، والرغبة فى التخلص من أسرة مبارك، فأثناء أيام الثورة القصيرة ، وعندما كان يتصادف طرح السؤال المنطقى، وماذا بعد؟. كانت إجابة الشارع هى(يتنازل مبارك وبعدين يحلها ربنا). وهكذا كان من الطبيعى أن يكون مجال التفسير والتنظير لطبيعة هذه الثورة مفتوحاً لكل الإحتمالات،وكل الأطياف ،بحيث يراها الليبراليون ثورة ديموقراطية، ويراها الإشتراكيون ثورة إشتراكية، ويراها الإسلاميون ثورة إسلامية. كانت الأيام وحدها كفيلة بأن تكشف طبيعة هذه الثورة، وطبيعة المشروع الحضارى الذى تحمله معها.كان الإسلاميون هم الفصيل الأكثر تنظيماً، ولذا فقد كان من الطبيعى أن يكتسحوا إنتخابات مجلس الشعب، التى جرت فى أعقاب الثورة، ويضفوا طابعاً إسلامياً على الثورة. لكن ذلك لم يكن حقيقياً، ولم يكن إنتصارهم سوى نتيجة لغياب الأطراف السياسية الأخرى، وليس لقوة حقيقية لهم فى المجتمع، وذلك ما أثبتته الإنتخابات الرئاسية التالية، حيث فاز محمد مرسى مرشح الإخوان والتيار الإسلامى – وبصعوبة – بمجرد واحد وخمسين بالمائة من أصوات الناخبين، وأصبح من المؤكد أنه لو كان قد توفر مرشح مدنى آخر غير الفريق شفيق- المحسوب على نظام مبارك – لكان فوزه على مرسى لتأكد بسهولة.

وهكذ بدأ حكم الإخوان والإسلاميين لمصر ضعيفاً، لايستند إلى قوة سياسية حقيقية، وسرعان ماأثبتت الأيام فشله، وخلوه من أى مشروع حضارى حقيقى، كما كان يدعى ويردد خلال حوالى قرن من الزمان. وفى خلال حوالى ستة أشهر فقط ،كشف المشروع الإسلامى عن وجهه الحقيقى، فى أنه مجرد مشروع للإستيلاء على السلطة، وتحويل مصر إلى دولة من دول القرون الوسطى، وذلك عندما أصدر الرئيس مرسى إعلانه الدستورى فى نوفمبر 2102، والذى قصد به تحييد سلطة القانون، لتمرير، وفرض دستور الإخوان على الشعب بالقوة. ومن هنا بدأت ثورة الشعب المصرى، ولم تنتهى إذ زادتها الأزمة الإقتصادية المتفاقمة إشتعالاً، وعندما بدأ الإخوان التربص بالمعارضة السياسية، وبالنخبة القضائية، والثقافية بدأ إستنجاد الشعب بالجيش للتدخل وخلع الإخوان . وصل غضب الشعب ذروته فى خروجه بالملايين فى ذكرى مرور سنة على حكم مرسى ، فى 30 يونيومن العام السابق، مستنجداً بالجيش للتدخل، وإنقاذ البلاد من الهجمة الهمجية المتوقعة من نظام الإخوان، والحفاظ على الديموقراطية وحكم القانون. وفى ذلك الخروج الكبير، عبر الشعب المصرى فى تلقائية عن مكنون ثورة يناير، وهى الرغبة فى تأسيس دولة ديموقراطية يحكمها القانون ولا يحكمها فرد أو جماعة، تراعى مصالح شعبها وتعمل على توفير الحياة الكريمة له ، إسوة بكل دول العالم المتقدم . وكان أن لبى الجيش النداء، وحدث ما حدث من خلع مرسى، وإعلان خارطة للطريق تعود خلالها البلاد إلى الحكم المدنى مرة أخرى، ثم ما كان من الهجمة الإرهابية الشرسة، التى شنها الإخوان وتيار الإسلام السياسى، على الجيش، والشرطة، والشعب معاً، ومطالبة البعض بالعودة إلى الحكم العسكرى مرة أخرى، حتى تستطيع البلاد مواجهة الإرهاب، وهكذا وجدت ثورة يناير نفسها على مفترق طرق، بين الإنتكاس إلى الحكم العسكرى مرة أخرى، وبين أن تتمسك بمشروعها الحضارى بإقامة الدولة المدنية الديموقراطية؟

سوف تكشف الأيام القلية القادمة عن أى طريق ستختار مصر، لكننى هنا – ومعى كثيريين – أتمنى أن تتمسك مصر بمشروع ثورة يناير ، التى أسقطت حكم العسكر، وأسقطت حكم الإسلاميين ، من أجل تأسيس دولة مدنية ديموقراطية، يحترمها العالم، يكون فيها الحكم للشعب، ويكون فيها جيشها العظيم حارساً، وليس حاكماً، فهكذا فقط يمكن لنا أن ننتصر على الإخوان وحلفائهم، بمشروع حضارى حقيقى، فى مواجهة مشروع حضارى متخلف زائف.

جاكرتا 28/12/2013

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in عبد الجواد سيد عبد الجواد and tagged , , , , . Bookmark the permalink.