الانتفاضات الشرق أوسطية والدولة الدينية

رندا قسيس رندا قسيس

بعد اندلاع الانتفاضات في بعض المجتمعات الشرق-الأوسطية وشمال افريقيا والتي أتت في جزء منها تعبيراً عن رفض الحالة القمعية بكل قياساتها الاجتماعية والسياسية والاحتجاج عن مستوى معيشي منحدر وعن تمييز طبقي. نجد أن الحالة الناتجة عنها لم تكن أفضل ويعود ذلك لأسباب متعددة منها: انخفاض في درجة الوعي الجمعي الناتج عن ثقافة المكونات العقلية والذي يسمى “الكون العقلي” وهو مجموعة صور وأفكار وكلمات عقلية مسجلة في ذاكرتنا الجماعية الطويلة عن طريق التلقين الخارجي فلا يمكن الكلام عن أي تحول ديمقراطي من دون المرور بمراحل متعددة تقوم أولاً على العمل على برنامج سياسي يكفل للجميع ضماناتهم وحقوقهم وللفرد خاصة حريته وحقه في عملية الاختيار على جميع المستويات إن كانت دينية أو سياسية… الخ

من هنا فمن المستحيل أن تكفل الدولة الدينية حقوق الفرد، لأنها تتدخل في جميع التفاصيل اليومية للفرد لتحوله إلى آلة ناسخة منفذة للأوامر العليا. والحركات الجهادية ما هي إلا تعبير عن مفهوم الدولة الدينية وما هي إلا نتاج لحالة الوعي لدى هؤلاء لهذا لا بديل لنا عن دولة علمانية قائمة على احترام حقوق الفرد في عملية الاختيار والتي تكفل للمتدينين ممارسة طقوسهم ودينهم من خلال إنعاش الشق الروحاني لديهم للوصول إلى درجات عليا من الوعي، كما تساعد الملحدين أو آخرين في إنعاش أفكارهم للوصول إلى ذات الهدف وهو عملية التطور الواعي لاشك أن الوصول الى هذه المرحلة ليس بالسهل وخصوصاً مع ازدياد التدخل السياسي والتدفق البترو-دولار لتصحير هذه البلدان على جميع الأصعدة بهدف تنفيذ مصالحها في المنطقة ولاشك أيضاً أن بعض الدول الغربية وعلى رأسهم الولايات المتحدة يتحملون جزءا من المسؤولية، فهم الداعمون الأوائل للحركات الإسلامية والتي تسمى ب “الإسلام السياسي المعتدل” ففي مصر مثلاً تتحمل هيلاري كلينتون المسؤولية لدعمها المباشر للإخوان المسلمين بحجة أنهم الأكثر انفتاحاً، لتتغاضى، في ذلك الوقت، عن الحركات الليبرالية في مصر.

نرى أن هذا الخطأ قد تتكرر في عدة بلدان ومازالت الولايات المتحدة تصر على هذا المنهج كما هو الواضح الان من خلال انفتاحها على القوى الإسلامية في سوريا ومن بينهم “الجبهة الإسلامية”. هذه المحادثات لا يمكنها إلا أن تزيد الشرخ الاجتماعي والثقافي بين جميع المكونات السورية.

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in Secular Essays مقالات علمانية and tagged , , , , . Bookmark the permalink.