مواد دستور قليلة تمنع بلاوى كتيرة

د. خالد منتصرخالد منتصر

كان الزعيم سعد زغلول معذوراً حين قال: «ليس لدىّ وقت للإيجاز» ولكن لجنة الخمسين للدستور ليس لديها عذر فى هذه الثرثرة الدستورية والرطرطة الكلامية التى وصلت إلى أكثر من 240 مادة تحدثت فى تفاصيل التفاصيل، وكان ينقصهم فقط تحديد مقاس حذاء المواطن المصرى ولون ملابسه الداخلية!، كان لديهم الوقت لكى يوجزوا وينجزوا ولكنهم اختاروا الرغى والرحرحة، فهناك مواد كثيرة مكانها القوانين والبرلمان، وللأسف طرحها ومناقشة تفاصيلها فجر لوبى المصالح الفئوية الذى بات يحكم المواطن المصرى الذى خلع رداء مصريته، وصار يقول فين مصلحتى هنا وفين الحتة بتاعتى من تورتة الدستور هناك؟!، الفلاح قال فين الخمسين فى المية، والقضاة فين مجلس الدولة والنيابة الإدارية، وحزب النور فين الـ 219 والجيش فين تعيين الوزير والمحاكمات العسكرية، والنوبيون والأقباط والمرأة فين الكوتة.. إلخ، كل مواطن من التسعين مليوناً نظر للدستور من زاويته الخاصة جداً النفعية جداً جداً، الأنانية جداً جداً جداً، وجزء كبير من المشكلة يعود لكثرة الثرثرة وضخامة عدد المواد، وكما يقول الفقيه الدستورى إبراهيم درويش عن نفس المعنى: «الاتجاه الحديث ألا تتجاوز مواد الدستور 25 مادة أبداً، أما ما تعده لجنة الخمسين فى وقتنا الحالى، فمن الممكن أن نسميه «ميثاق شرف» وليس دستوراً، أكثر من 98% من المواد المقترحة مكانها القانون وليس الدستور، فعلى سبيل المثال يطالب بعض أعضاء اللجنة بالنص على شروط الترشح لمجلس الشعب واختصاصاته فى الدستور مع مزيد من التفسير عن نظام الانتخابات إن كان «نظام فردى» أو «قائمة»، وكثير من المسائل التى تأتى بالتفصيل فى القانون وتجد من يطالب برعاية الدولة للرياضة وآخر يطالب بنص يلزم علاج محدودى الدخل على نفقة الدولة، ونسوا أن هناك قوانين كاملة تنظم هذه المسائل، استهلكنا وقتنا فى نقاشات ومواد كان مكانها البرلمان وأحياناً الصالونات، استغرقنا فى التفاصيل، فصعبنا المهمة على المواطن الذاهب للتصويت، فالمواطن ابن زمن «انجز وهات م الآخر»، من الصعب، بل من المستحيل أن يصبر على فك تلك الطلاسم ويتأنى ليقرأ أكثر من 240 مادة!!، دائماً الشيطان يكمن فى التفاصيل والدستور بلغة الصحافة مانشيتات وليس تفاصيل أخبار، وبلغة العلم «أبستراكت» المقال العلمى أو الرسالة وليس تفاصيل الرسالة، وبلغة المرور لافتة أو إشارة يكتب عليها الاتجاه ومستحيل أن يكتب عليها عنوان الشقة أو رقم الغرفة!!، وبلغة الشحاتين: «مواد قليلة تمنع بلاوى كتيرة»!!.

 

Print Friendly, PDF & Email
This entry was posted in د. خالد منتصر and tagged . Bookmark the permalink.